يكشف تاريخ الجماعات الإرهابية والمتطرفة، التي تتخذ من العنف منهاجًا واضحًا، استهدافها بالاغتيال المادي أو المعنوي لفئتين من الأعداء، هما رجال الدولة من شرطة، وقضاء، وقوات مسلحة، والأعداء الفكريين من رجال الدين والثقافة والعلم. وبدأت جماعة الإخوان الإرهابية تلك الحلقة باغتيال الخصوم في الفكر والمعتقدات، بدلًا من مواجهة الفكر بالفكر والتنوير، وكان أول ضحاياها رئيس الوزراء المصري أحمد ماهر باشا، والذي تم اغتياله رميًا بالرصاص على يد المحامي الإخواني الشاب محمود العيسوي، داخل دار البرلمان المصري بعد انتهاء جلسته المنعقدة في 24 فبراير 1945، لتأييده دخول مصر الحرب العالمية الثانية والقتال في صف الاحتلال الإنجليزي. تلا ذلك الحادث الأشهر في تاريخ اغتيالات الإخوان، وهو اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي بعد قراره بحل الجماعة في 1948، ثم محاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أثناء إلقائه خطابًا وسط الجماهير بميدان المنشية في الإسكندرية في 1954، بعد رفضه الاعتماد على الجماعة كشريك وطني في الحياة السياسية بالجمهورية الناشئة، بسبب سعي الجماعة لفرض أفكارها المتشددة على المصريين، ومنها الاستحواذ على المناصب الخاصة بالفكر مثل وزارة التعليم وفرض الحجاب على النساء المصريات. وبعدها تطور "فكر الاغتيال" لدى الجماعات الإسلامية إلى تصفية المفكرين، فشهدت مصر قبيل أيام من عيد الأضحى المبارك في 1992 حادثة مروعة لاغتيال المفكر فرج فودة، سبقها اغتياله معنويًا بعدما اتهمته مجلة إسلامية باسم "النور" بعرض أفلام إباحية وإدارة "حفلات جنس جماعي" في مقرات جمعية تضامن المرأة العربية، ثم نشرها بيانًا من "جبهة علماء الأزهر" يفتي بتكفيره في الثالث من يونيو، ويدعو الحكومة إلى عدم الموافقة على أوراق حزبه "المستقبل". لينفذ عضوان بالجماعة الإسلامية هما أشرف سعيد وعبد الشافي أحمد جريمة اغتياله بعد خمسة أيام من نشر الفتوى، بعد إطلاق الرصاص عليه برشاش آلي، مما أسفر عن مقتله وإصابة صديقه وولده. ولم تمر سنوات كثر حتى نفذت الجماعة الإسلامية عملية تصفية أخرى، وبينما جاء اغتيال فودة لترويجه للفكر العلماني ومحاربة التطرف الديني، فإن محاولة اغتيال صاحب جائزة نوبل في الأدب، الكاتب نجيب محفوظ، جاءت بسبب الاعتراض على روايته "أولاد حارتنا" التي اعتبرت هيئات دينية رسمية وغير رسمية أنها "تتطاول على الذات الإلهية"، فحاول شابان قتله طعنًا في 1995 لاتهامه بالكفر والخروج عن الملة، ولكنه نجا من محاولة القتل بعد تلقى العلاج. وانتشر وباء الاغتيالات المتطرفة بين الجماعات الإسلامية حول العالم، ولا عجب في أنه بدأ بالانتشار في العالم العربي، حيث شهدت دولة لبنان الوديعة وقائع عدة لاغتيال كوادر سياسية وفكرية وإعلامية على يد متطرفين من السنة أو الشيعة أو حتى من المسيحيين؛ كان أولها اغتيال طوني فرنجية، النائب بالبرلمان ونجل الرئيس اللبناني الراحل سليمان فرنجية، ومقتله في منزله مع زوجته وطفله و31 من أنصاره في 1977، على أيدي مجموعة مسيحية مسلحة. ومن أبرز عمليات الاغتيال أيضًا مقتل مفتي الجمهورية اللبنانية الأسبق وصاحب السلطة السنية الأعلى في البلاد، الشيخ على خالد، في اعتداء بسيارة مفخخة أسفر عن مقتل 15 شخصًا، وكذلك مقتل داني شمعون، زعيم حزب الأحرار ونجل الرئيس اللبناني كميل شمعون، مع زوجته واثنين من أولاده على أيدي مسلحين. واغتيل سليم اللوزي الصحفي البارز ومؤسس مجلة "الحوادث"، الذي سافر إلى لندن بسبب التهديدات بقتله ثم عاد إلى وطنه بعد وفاة والدته، واختُطف على طريق المطار في 25 فبراير 1980، ليُعثر عليه مقتولًا بعد عدة أيام قرب موقع للقوات الخاصة السورية، وتملأ جثته آثار التعذيب المجنون، من طلق ناري في الجمجمة إلى سلخ اللحم من الذراع اليمنى، وأصابع سوداء جراء الإذابة في حمض الكبريتيك وأقلام حبر منغرسة في الأحشاء. ونجا طلال سلمان، مؤسس جريدة السفير اللبنانية، من محاولة اغتيال أمام منزله في 1984، لتستمر سلسلة محاولات تصفية الإعلاميين مرورًا بتفجير مقر مجلة "بيروت المساء" ومقتل الصحفي المصري إبراهيم عامر داخله، ثم نجاة الكاتبة مي شدياق من محاولة اغتيال في 2004. وكذلك تصفية القادة الدينيين مثل اغتيال الشيخ أحمد عساف مدير المركز الإسلامي المقرب من علماء السنة اللبنانيين في 1982، واغتيال الشيخ صبحي الصالح رئيس المجلس الإسلامي والمؤيد للحوار بين المسلمين والمسيحيين في 1986. كما شهد لبنان في 2005 عددًا من وقائع القتل البشعة، منها اغتيال جبران جيوني الصحفي بجريدة النهار اللبنانية بتفخيخ سيارته. كما لقي السياسي سليم حلو مصرعه بإذابة جسده في حمض الكبريتيك، ثم تلاه الزعيم الشيوعي جورج حاوي الذي تم تفخيخ سيارته في 21 يونيو. وفي التاريخ الأكثر قربًا سعت التنظيمات الإرهابية في اليمن، وأبرزها تنظيم القاعدة، إلى اغتيال رجال الدين ذوي التأثير في كشف جرائم الإرهاب لعامة الناس، وتبيان خطر الإرهاب على الإنسانية، وفقًا لما أوضحه العمدي محسن خصروف، الخبير العسكري اليمني، في تصريحات سابقة ل "البوابة نيوز". كما استهدف النظام الإيراني، صاحب التطرف في المذهب الإسلامي الشيعي، الشخصيات السنية البارزة بالإعدام، ضمن سلسلة إعدامات للسنة في البلاد، وكان آخرهم الداعية الشاب شهرام أحمدي الذي تم إعدامه و20 شابًا سنيًا آخر. وفي بنجلاديش التي تشهد امتدادًا لعدد من التنظيمات الإرهابية، أبرزها وأقدمها الجماعة الإسلامية، ألقت الشرطة القبض على 37 شخصًا يعتنق الأيدولوجية الإسلامية في يونيو الماضي، في إطار عملية واسعة تستهدف الإسلاميين المشتبه بضلوعهم بقتل أفراد ينتمون إلى الأقليات الدينية ومفكرين علمانيين، بعد وقوع نحو 50 عملية اغتيال خلال السنوات الثلاث الماضية أعلن تنظيمي داعش والقاعدة مسئوليتهما عن معظمها. وأوضح مساعد المفتش العام للشرطة إي. كاي. إن شاهد الرحمن، في تصريحات صحفية، أن 27 من المقبوض عليهم ينتمون إلى جماعة المجاهدين في بنجلاديش. وبالطبع وضع تنظيم داعش الإعلاميين والفنانين بوجه عام على قوائم اغتيالاته، داعيًا أنصاره في كل دول العالم إلى قتلهم، ولم يسلم من ذلك الإسلاميون الأقل تطرفًا من التنظيم، مثل الإخوان وشيوخ السلفية في مصر، من تحريض التنظيم ضدهم واتهامهم بالردة والكفر. وتمر سلسلة الاغتيالات بمفتي الديار المصرية الأسبق د. على جمعة، الذي تعرض لمحاولة اغتياله وطاقمه أمام منزله رميًا بالرصاص، صباح أمس، لينجو من المحاولة التي تصارعت مجموعات مسلحة إخوانية الهوى على تأكيد مسئوليتها عنها، وهي حركة سواعد مصر "حسم" وحركة المقاومة الشعبية مصر؛ ليختتم الإخوان تاريخهم حالك السواد من عمليات التصفية الجسدية والمعنوية، التي كانت لتتسع إلى حد كبير مع وجود قوائم اغتيالات لشخصيات فنية وإعلامية بارزة، لولا خلع الإسلاميين عن حكم مصر في الثلاثين من يونيو 2013.