تريد الولاياتالمتحدةالأمريكية منا أن نسلم بأن اجتثاث أذرع الأخطبوط الإرهابى المنسدلة على خريطتنا المليئة بالخروقات والتهتك باتت قريبة كنتاج مباشر لكثافة النيران التى صبتها قواتها والمتحالفون معها على مناطق سيطرة التنظيمات التكفيرية وخاصة فى معاقلها الرئيسية فى سورياوالعراق وأفغانستان وغيرها.. فى هذا المقال لن نتعرض لكون القوى الغربية بميراثها الاستعمارى ودعمها لإسرائيل كانت أحد الأسباب الرئيسية لذرع ونمو بذرة الإرهاب فى منطقتنا ونمو شجرته «الزقومية» التى امتدت أفرعها لتلقى بحممها على الخارطة الكونية برمتها لكننا لن نفعل سوى تقييم التجربة التاريخية الأمريكية القريبة جدا وننطلق من أواخر العام 2010. فى هذا العام كان الإعلان المكمل ل«أوباما» فى القضاء على الإرهاب فى العراق نهائيا وتلاشى ما كان يسمى حينها «الدولة الإسلامية فى العراق»، بقيادة أبوعمر البغدادى ووزير حربه، أبوحمزة المهاجر، واللذين قتلا معا فى صحراء منطقة «الثرثار» شمال غرب محافظة تكريت، إثر عملية عسكرية مشتركة. وللحق فقد كان التنظيم، المبايع للقاعدة حينئذ، قد منى بخسائر فادحة بفعل الضربات الأمريكية- العراقية من جهة وحصار ميليشيات الصحوات السنية من جهة أخرى.. فتراجع حيث صحراء الأنبار وبدت وكأن شمسه تغرب للأبد.. لكن نذر شؤم كانت قد لاحقت فى الأفق الشامى أعطت للتنظيم رشفة من ماء المحاياة فعاد مرة أخرى أشد عنفا ودموية. عاد الإعلان الأمريكى الشهير بالقضاء على الإرهاب أدراجه وبطل مفعوله بعد اندلاع الثورة السورية المسلحة فى عام 2011 وشق التنظيم فى العراق ثغرة فى صخرة الحصار المحكم الذى لم يصمد قرابة العام والنصف إذ نجح أبوبكر البغدادى، الأمير الجديد للتنظيم، فى إرسال شاب لم يتجاوز حينها السابعة والعشرين، مع قليل من المقاتلين وكثير من الأموال، فى اتجاه محافظة إدلب السورية، واستثمار التربة السورية الحربية فى تجنيد مقاتلين تحت راية العقاب السوداء، كان هذا الفتى هو أبومحمد الجولانى، الذى نجح فى تشكيل جبهة النصرة، والتى انشطرت لنصفين شطر انحاز له فى انفصاله عن التنظيم الأم وشطر ذهب ليرتمى فى أحضان الخليفة الجديد الذى أعلن تمرده عن القيادة العامة لتنظيم القاعدة بزعامة أيمن الظواهرى. كان رجالات البغدادى فى سوريا قد وقعوا على كنز ثمين من المال والرجال والسلاح فكانت ردتهم مرة أخرى فى اتجاه العراق ليس للسيطرة والتمكين فقط لكن لأخذ الثأر ممن كان على الأرض وقتها فكانت سقوط ثلث العراق فى أيدى رجال لم يشبعهم سوى قتل الآلاف من العراقيين ذبحا ورميا وصبرا.. عادوا بأشرس مما كانوا. لم يكن أبومحمد العدنانى، المتحدث باسم «داعش»، يهزى فى خطابه الأخير والذى تحدث فيه عن أنهم سيعودون مرة أخرى إذا ما فقدوا السيطرة على الأرض فذلك لم يكن جديدا، فلم يحدث هذا مرة بل حدث مرات، فقد كانت التجربة القريبة حاضرة بقوة أمام أعين الإرهابى. بالتوازى مع الغزو الأمريكى للعراق، حط أبومصعب الزرقاوى، فى بلاد الرافدين، وكان تلميذا نجيبا للمنظر التكفيرى الأردنى، أبومحمد المقدسى، الذى كان مع تكفيريته رافضا لتكفير عوام الشيعة، فضلا عن رفضه لعمليات القتل العشوائية والعمياء التى تطال المدنيين العزل من العاملين فى أجهزة الدولة ومؤسساتها، إلا أن التلميذ رفض قيود أستاذه وهم تذبيحا وتقتيلا فى الجميع بدءا من الطائفة الشيعية التى رأى تكفيرها بالمجمل وانتهاء بالرهائن الغربيين الذين ذبحهم ذبح الشاة أمام كاميرات تنظيمه. دبت الخلافات بين الزرقاوى ومن معه وبين الظواهرى ومن حوله فقد ظهرت القاعدة كرافضة لنهج «الزرقاوى» العنيف وظهر الأخير كمن يقف على يمين التنظيم المتشدد أصلا إلا أن تنظيم الزرقاوى «التوحيد والجهاد» ظل مراعيا لما يسمى الحاضنة الشعبية حيث حاول أن يظهر كمدافع عنيف عن الطائفة السنية فى العراق ومقاوما للاحتلال الأمريكى مما عزز فرصه فى جذب العديد من العناصر السنية التى كان لها سابقا خبرة فى العمل العسكرى وقت خدمتها فى الجيش العراقى البعثى. وبعد القضاء على «الزرقاوى» والعديد من قيادات الصف الأول تراجع التنظيم إلى أن ظهر فى المشهد أبوحمزة المهاجر، وهو المصرى عبدالمنعم عز الدين البدوى، بتنظيم ضم وقتها 7 آلاف مقاتل، ومعلنا مبايعته لأمير عراقى جديد هو أبوعمر البغدادى، لينقل التنظيم إلى طور آخر جديد أكثر عنفا ودموية. ثم جاءت اللحظة التى بدا فيها «داعش» كتنظيم يقف على يمين التنظيمات المتطرفة، أو الأكثر مزايدة عليها، مستفيدا من حالة الفساد والطائفية التى استشرت فى أوصال الدولة العراقية والسورية.. مما يشى بأن التنظيمات التكفيرية تعود مرة أخرى للحياة بعد الموت وكأن الأرض البور ترفض بلعها فى باطنها لتقذف بها من جديد فى شكل أكثر رعبا وتوحشا. وتظل البيئة غير النقية مساعدة للغاية فى خلق فيروسات وبكتيريا الإرهاب بما تحمله من طائفية مقيته، وفراغ سياسى، وانعدام العدالة الاجتماعية، وطفح الاستبداد السياسى والدينى، فضلا عن حالة الاستضعاف التى تحياها دول المنطقة فى مواجهة طغيان الهيمنة الأمريكيةوالغربية. وتعد تجربة الإخوان فى مصر بجناحها السرى، ومواجهة الدولة المصرية لها، بداية من ثلاثينيات القرن الماضى، وحتى ثورة ال30 من يونيو، نموذجا مهما، فى إمكانية تحور تلك التنظيمات، من مرحلة لأخرى ومن عصر لآخر، فقد استطاع ذاك التنظيم، شئنا أم أبينا، الصمود على تطرفه، ما يقرب من 84 عاما، فى مواجهة الدولة المتصدية والمجتمع الرافض، وفى كل مرة تنتكس فيها الجماعة بفعل تصرفاتها ونهجها، تنهض مرة أخرى بأساليب شتى، كى تحاول الوثوب على السلطة. وفى تجربة الجماعات التكفيرية المسلحة، ظهرت الجماعة الإسلامية والجهاد، فى أواخر السبعينيات من القرن الماضى، كخليط بين الأفكار القطبية للإخوان والأفكار السلفية الكلاسيكية، التى ضربت مصر قادمة من الجزيرة العربية، إلا أن التنظيمات التكفيرية الحديثة، بدت فى أفكارها واعتقاداتها، الأكثر تشددا، بحيث كفرت فى النهاية الجماعات القديمة كفرا صريحا انتهى بتكفير «داعش» للقاعدة وزعيمها أيمن الظواهرى. معضلة «داعش» المريرة هذه المرة لا تتجلى فى كونها تنظيما محدود الإمكانات والأعداد والطموحات، بل كونه تنظيما استطاع أن يخدع ويلهم أتباعه التنظيمين والمتعاطفين بأن هناك خلافة موعودة قد اقترب أجلها، وأن موعود الله هذا، يجتمع عليه «الكفار» على كثرة عددهم للقضاء عليه، من أجل هذا فإن حفنة المؤمنين لن تهزم على قلة عددها، وأن هزيمته مجرد امتحان من الله لهذه الفئة كى ينقيها لليوم الفصل. هنا تنتهى المعركة لتبدأ من جديد فى ثوب تنظيمى جديد وبقيادات جديدة تحمل الراية ليستمر مصنع المقاتلين فى الإنتاج، وتستمر طائرات الغرب فى الأزيز والقصف والدمار لتتحول المنطقة لرماد يظل تحت وميض نار ما يلبث ينطفئ ليشتعل مرة أخرى.