نور الشريف هو محمد جابر، هذا هو اسمه. وهو «كمال عبدالتواب» الذي نجح في صنع شرير يثير الإعجاب في فيلم «العار». كان نور الشريف «سواق الأتوبيس»، و«الأسطى» و«آخر الرجال المحترمين». هذا الفنان المصرى المتفرّد، لعب أدوارًا أخرى مهمة، احتلت صدارة مشهد الدراما العربية على مدى نصف قرن، رغم أنه دخل إلى دائرة الضوء من «الشوارع الخلفية». تعلَّم نور الشريف صنعة التمثيل على يد أحد أعمدة المسرح المصري. نقل له الفنان الراحل سعد أردش عدوى الأداء المتقن، فجسّد نور الشاشة العربية رؤية أستاذه على نحو سيخلّد اسمه وأعماله. في فيلم «العار» أثبت نور الشريف أنه ممثل عظيم. ومثلما أصبح الممثل الأمريكى «آل باتشينو» أيقونة في السينما الأمريكية بعد فيلمه الشهير «الوجه ذو الندبة» (Scarface)، الذي جسّد فيه شخصية اللاجئ الكوبى تونى مونتانا، فإن نور الشريف صار أيقونة في السينما العربية بعد تجسيده شخصية «كمال عبدالتواب»، في فيلم «العار». في ذلك الدور المبهر أقنع نور المشاهدين بأن الجاهل يمكن أن يكون زعيمًا متسلطًا، يفرض رأيه على الجميع، ويسوّغ الشر باعتباره قدرًا. في «العار»، و«سواق الأوتوبيس» أثبت نور الشريف أن في مصر ممثلين كبارًا. الجمهور لا يعرف تسميات النقاد، وآراء الصحفيين، ولا يعنيه أن نور الشريف أهم جيل ال«واقعية الجديدة»، وغير هذا من الأوصاف. لكنه يستمتع بأداء نور الشريف وهو يغسل رأسه في «سواق الأتوبيس» ويحركه بطريقة مرسومة وموحية في «العار»، ويستلهم منه معنى التحدى والطموح في شخصية «عبدالغفور البرعي» التي جسّدها بإتقان لا متناهٍ في مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي». بدأ نور ممثلًا صغيرًا في «قصر الشوق»، لكنه صنع بعد ذلك شوقًا جارفًا لرؤيته، في أي عمل يجسّده، وفرض وجوده كنجم كبير، وصار في مقدمة جيله المتميز حتى رحل. كان رائد الحركة الواقعية في المسرح الروسي، المخرج قسطنطين ستانسلافسكى، يعتبر أن الممثل هو المسئول الأول عن نقل أفكار المؤلف، ولهذا كان يرى أن الممثل يجب ألاّ يكون مثقفًا، لكى لا يعبث برؤية الكاتب بل يجسّدها. لكن هذا الرأى لا ينطبق على نور الشريف، ونبيل الحلفاوي، وصلاح السعدني، وعادل إمام ويحيى الفخراني، والراحل على الشريف، الذي قال عنه الكاتب بلال فضل، إنه مثقف من طراز مختلف، في برنامجه الجميل «المبدعون في الأرض»، فضلًا عن فنانين آخرين كبار، ربما يلعبون أدوارًا صغيرة، لكنهم يجعلونها كبيرة ومهمة، بعظمة موهبتهم. يكفى أن تشاهد روائع أسامة أنور عكاشة لتقتنع بأن جميع الممثلين الذين جسدوا شخصياتها كبار في فنهم. نور الشريف أحد أهم الممثلين الذين هدموا رأى المخرج الروسي. كان مثقفًا حقيقيًا، وشارك في أدوار مهمة في الحياة العامة، وكان له حضور مشهود، وهو شرّف فن التمثيل، وحبّبه إلى الناس والأجيال الجديدة، وتجسيده لشخصية «ابن رشد»، وفنان الكاريكاتير المبدع ناجى العلي، وتوفيق الحكيم في «عصفور من الشرق»، كان دليلًا على أنه يحمل همّ المثقّف، فضلًا عن أن تجسيده لهذه الشخصيات ترجمة لوعيه وثقافته وروحه الجميلة. رحم الله نور الشريف. المقال .. نقلا عن جريدة الحياة.