اتحاد عمال مصر: الدولة قوية بفضل جهود وتضحيات أبنائها من العمال    مجلس جامعة القاهرة يناقش تعزيز التعاون مع المحافظة ويبحث ملفات التعليم    وزير العمل: طفرة في التدريب المهني ودعم ب 2 مليار جنيه للعمال    مصر والاتحاد الأفريقي وأفريكسم بنك ينظموا منتدى العلمين الأفريقي الأول يونيو المقبل    «الذهب الأصفر» يتلألأ في القليوبية.. المحافظ: الدولة حريصة على دعم المزارع    رئيس الوزراء البريطاني: الرد على هجوم لندن يجب أن يكون سريعا    جيش الاحتلال: استهداف 5 عناصر من حزب الله جنوبي لبنان    كما انفردنا| اتحاد الكرة يعلن.. ماتياس يولنبيك حكما لقمة الزمالك والأهلي    مصطفى الشهدي يجري جراحة الرباط الصليبي الاثنين المقبل    نشوب حريق في 5 منازل بقنا    ضبط عاطل لسرقته دراجة هوائية بدمياط بعد تداول فيديو على مواقع التواصل    كشف ملابسات منشور وفيديو متداول حول خلافات أسرية بين فردَي شرطة بالمنوفية    تأجيل محاكمة رئيسة الشهر العقاري بدمنهور لجلسة 23 يونيو لسماع شهود الإثبات    مايو المقبل.. انطلاق مهرجان «البريكس السينمائي الدولي لأفلام الطلبة» بالقاهرة    سينما أوروبا تضيء الإسكندرية.. 27 فيلما مجانيا ونقاشات تفاعلية حتى يونيو    تقديم 2052 خدمة طبية خلال قافلة مجانية بالحامول في كفر الشيخ    «صناع الحاضر وبناة المستقبل».. السيسي يشاهد فيلم تسجيلي في حفل عيد العمال    قفزة جديدة.. الدولار يواصل ارتفاعه ويتجاوز ال 53 جنيها    فيروز تتصدر المشهد مجددًا.. ونفي لبناني لشائعة الوفاة    خالد الجندى: اختيار الأفضل فى الطاعات واجب شرعى    بتهمة التزوير.. تأجيل محاكمة موظفى الشهر العقارى بالبحيرة لجلسة 23 يونيو    «الأعلى للإعلام»: اعتماد قرارات إدارة «صدى البلد» بشأن إحدى فقرات «أنا وهو وهي»    وزارة المالية: مصر قادرة على النفاذ إلى أسواق التمويل الدولية رغم التوترات الجيوسياسية    ليفربول يطلق تصويتًا لاختيار أفضل 10 أهداف في مسيرة محمد صلاح قبل وداعه المرتقب    الحكم مصطفى الشهدي يجري جراحة الرباط الصليبي الاثنين المقبل    كاف يعلن دعمه بالإجماع لإنفانتينو في انتخابات رئاسة فيفا المقبلة    عبدالعاطي يشدد على جهود دعم ثوابت السياسة الخارجية المصرية    غذاء وأدوية.. الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة مساعدات جديدة إلى غزة    مسابقة جديدة بالأزهر للتعاقد مع 8 آلاف معلم لغة عربية    وزير الأوقاف يهنئ عمال مصر بعيدهم ويؤكد: «العمران ثلث الدين»    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى 2026.. الحسابات الفلكية تكشف التفاصيل الكاملة    اليوم.. عزاء الملحن علي سعد بالشيخ زايد بعد صلاة المغرب    الصحة: الكشف على 2.127 مليون طالب ضمن الكشف المبكر عن فيروس سي    وزارة «التضامن» تصدر لائحة تنظيم التعاقدات في بنك ناصر الاجتماعي    القائم بأعمال وكيل الأزهر يشارك في احتفالية «أبطال الحياة» لتكريم ذوي الهمم    كييف تعلن إسقاط 172 طائرة مسيرة روسية خلال الليل    يسري نصر الله: أفضل شخصيات العمل الفني تكون أذكى مني    الأوقاف تُحيي ذكرى وفاة القارئ الشيخ أحمد سليمان السعدني    رئيس الوزراء يقرر منح الجنسية المصرية ل 48 شخصًا    أوبلاك يشيد بالحكم ولا يتخوف من مواجهة آرسنال في لندن    دون إصابات.....حريق محول كهرباء بمستشفى الحميات بملوي    ضبط مخبز إفرنجي يستخدم مكونات فاسدة في بورسعيد    سيراميكا كليوباترا يتلقى دفعة هجومية قبل لقاء المصري    قرارات استراتيجية جديدة لمجلس إدارة هيئة الرعاية الصحية | تفاصيل    تزامنا مع عيد العمال.. الأوقاف: العمل والسعي طريق بناء الحضارات    الأهلي يكشف تفاصيل إصابة عسران ببطولة إفريقيا للطائرة    وزير «التخطيط» يبحث مع البنك الدولي تطورات إعداد استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر    أميرة النشوقاتي: النساء العاديات مصدر الإلهام الحقيقي في «المقادير»    الجيش الألماني يختبر استراتيجيات جديدة لمواجهة الطائرات المسيّرة وأسلحة الذكاء الاصطناعي    مجلس الوزراء: مصر تتقدم 3 مراكز عالميًا في مؤشر الربط الملاحي وتتصدر أفريقيا    القانون يقر عقوبات للتدخين داخل المرافق الحكومية| فما هي؟    مع ارتفاع درجات الحرارة.. تحذيرات مهمة لتجنب مخاطر الشمس    حكم طواف من يحمل طفلًا يرتدي حفاضة في الحج 2026.. الإفتاء توضح    الأرصاد تحذر: شبورة كثيفة وطقس متقلب اليوم الخميس على أغلب الأنحاء    جدول امتحانات الصفين الأول والثاني الثانوي 2026 محافظة الإسكندرية الترم الثاني    قائد البحرية الإيرانية يعد بكشف "سلاح يرهب الأعداء" ويؤكد ضرب حاملة الطائرات "أبراهام لنكولن" 7 مرات    يسرا ودينا الشربيني في العرض الخاص لفيلم The Devil Wears Prada 2.. صور    عبدالرحيم علي: ترامب ينتظر نضج لحظة انفجار الأوضاع من الداخل الإيراني    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صيادو السويس يروون تفاصيل "أيام الجحيم" في السودان
نشر في البوابة يوم 12 - 08 - 2015

عبدالله رشاد: البحرية السودانية كانوا بيقولوا لنا أنتم زيكم زى الطوب.. واللى كان بيكح أو يعطس كانوا يغرقوه بالميه
حسن محمد: ظابط اللانش ضربنى بالبيادة فى دماغي.. فقلت له: حرام عليك.. أنا راجل كبير فى السن.. فقالى اسكت ما تتكلمش
ينكسر ضوء الشمس المنعكس على صفحة المياه تحت الشباك الملقاة والمنفلتة، إلا أطرافها من يد خشنة سوّتها الملوحة وحمّصتها الشمس.. تتأرجح المراكب فى خفة، وهى تحمل رجالا أكلت الشمس على وجوههم وشربت.. يحاولون الاتزان فوق حركات الموج المتلاحقة.. يلتقطون من عمق قريب رزقهم المكتوب، وينتظرون نصيبهم المحسوم من عند رب السماء.. 101 صياد من أبناء المطرية والسويس، خرجوا مُحملين بالأمانى والهموم، ودعوا أبناءهم وزوجاتهم على أمل لقاء قريب.. حزموا أمتعتهم المتواضعة، واطمأنوا على محركات مراكبهم الصغيرة، وخرجوا ينشدون الرزق.. لا يشغلهم سوى أن تمتلئ شباكهم المهترئة بصيد وفير يعوضهم عن ليال طويلة يقضونها فى البحر، لكن سفنهم أتت بما لا يشتهون، لتقذفهم الأمواج، ل«السجن الأسود» فى بورسودان بدولة السودان «الشقيقة»، ليكونوا طرفا فى «صفقة» لتبادل السجناء، بعد أن لُفقت لهم تهما بخرق الحدود السودانية والتخابر والتجسس.
«البوابة» استمعت لحكايات صيادى السويس، ومعاناتهم خلال أربعة أشهر من السجن، والإذلال والإهانة، حتى صدر قرار العفو عليهم بمناسبة افتتاح قناة السويس الجديدة.
جحيم السجن الأسود
لم تدرك «الأميرة مريم» أن رحلتها إلى إريتريا هذه المرة ستكون مختلفة، ولم يكن يعلم ريسَّها الحاج رشاد علوش، أن مركبه بصياديها ينتظرهم مصير أسود، لن ينجوا منه إلا بمعجزة إلهية، لكن القدر شاء لهم ومركبين آخرين هما «الأميرة ملك» و«هدى الرحمن»، أن يجدوا أنفسهم أسرى لدى القوات البحرية السودانية، التى اتهمتهم بمحاولة الاختراق والتسلل للحدود البحرية السودانية للعمل بدون تصاريح.
وقف على رصيف ميناء «الأتكة» بمحافظة السويس يتذكر أربعة شهور ماضية، من السجن والإهانة، قضاها محاولا العثور على إجابة لسؤاله «احنا مقبوض علينا ليه؟»، ليجد ما يطفئ حيرته فى عنبر كبير بسجن الاتحاد ببورسودان.. «علوش» رجل تجاوز العقد السادس من عمره، أفنى حياته فى البحر، يحكى بآسى عن التجربة المريرة التى عاشها فى السودان: «خرجنا من ميناء برانيس يوم 7 إبريل اللى فات، وبعدها بيوم كنا خرجنا من الحدود المصرية، واتفاجئنا بضرب نار شديد، والبحرية السودانية وقفت المراكب التلاتة» ويتابع: «كان لانش كبير نزل منه 4 عساكر وظابط، ولما سألنهم فى إيه قالوا إجراء بسيط، وهنخليكم تمشوا بعدها، فقلنا لهم إحنا فى المياه الدولية، ومفيش فى كده أى إدانة لينا، لكنهم صمموا، فاضطرينا نهاودهم وهم مثبتنا بالسلاح، وقعدونا فى آخر المركب، وقالوا الناس تسمع الكلام ومحدش ينطق ولا يتحرك، ومنعوا عننا الأكل والشرب».
بعد 7 ساعات من التوقيف، وصل الصيادون بصحبة «لانش» حرس الحدود السوداني إلى ميناء أوسيف، لتبدأ سلسلة من التحقيقات والأسئلة، لم ينهها إلا قاض سودانى عقد محكمة فى غرفة مصنوعة من الخشب، تبعد أمتارا عن الميناء فى درجة حرارة تتجاوز الأربعين مئوية، يقول «علوش»: «نزلونا من المراكب وقعدونا فى حتة صحراء، وفضلنا أكتر من ساعتين معاهم، وبرده لا أكلنا ولا شربنا، وجابولنا قاضى يحقق معانا، واتهمنا بأننا داخلين السودان عشان نشتغل، وسألنا واحد واحد، ولما كنا نجاوب كان يتقال لنا انتو كدابين، وبعدها سألنا هل فى حد فيكم معاه تأشيرة، فقلنا له لاء، فحكم علينا بشهر سجن»، ويضيف: «ركبونا عربيات نص نقل، ورحنا سجن فى بورسودان، عشان القاضى يكمل باقى التحقيق فى المحكمة هنا، فحكم علينا ب 6 شهور تاني، ومصادرة المراكب وغرامة 5000 جنيه لكل شخص».
بعد يومين من التحقيقات، وجد الصيادون أنفسهم سجناء فى سجن الاتحاد ببورسودان، وسط حالة من الذهول والغضب والحيرة والخوف، لم تُهدئ من سطوتها إلا المعاملة المختلفة التى تفاجأوا بها، من قيادات السجن التى عاملتهم برفق ولين على عكس القوات البحرية، يوضح «علوش»: «رحنا السجن، والناس هناك وضع تانع، الظباط والعساكر فى السجن طيبين وعاملونا كويس، بس كان الأكل وحش أوي، والميه كان فيها ديدان ولونها أصفر، كنا مضطرين نشربها، فطلبت من مدير السجن اسمه اللواء صالح إنه يخلى واحد مننا يطبخ، فوافق وفعلا بقوا هم يجيبوا لنا اللحمة واحنا نعملها».
بعض العساكر والضباط السودانيين المتعاطفين مع الصيادين، أوضحوا لهم سر القبض عليهم، وسجنهم: «إحنا من أول ما اتقبض علينا، العساكر والظباط فى السجن فهمونا إيه الحكاية، وقالوا لنا إن القضية بتاعتكم سياسية، وفيها مساومة، عشان فيه سودانيين محبوسين عندكم بقالهم أكتر من سنة».
بعد شهر ونصف الشهر من الحبس، أبلغ مدير السجن الريس علوش، بأنهم حصلوا على البراءة، وتهللت أسارير الصيادين وفرحوا بالخبر، لكن الأمر لم يدم أكثر من ساعات قليلة، يكمل «علوش»: «بعد شهر تقريبا من الحبس، مدير السجن جالى الصبح ونده عليا، وبلغنى إننا طلعنا براءة، وأنا بلغت الصيادين وفرحنا وقلنا خلاص هنرجع، لكن فجأة الضهر فوجئت إنه بيقولى إن البحرية السودانية مقدمة ضدنا بلاغ يتهمنا بالتخابر والتجسس، وادبسنا فى تهمة تانية، وجالنا محقق تانى قعد يحقق معانا تاني، والورق بتاعنا راح الخرطوم قعد شهر ونص، عشان وزير العدل يمضى عليه، لكن الورق رجع زى ما هوا معملوش فيه حاجة تانية».
بعد قيام البحرية السودانية بتقديم بلاغ آخر ضد الصيادين تتهمهم فيه بالتخابر والتجسس وتصوير منشآت عسكرية سودانية، حكمت المحكمة مرة ثانية لهم بالبراءة، وهو الأمر الذى استفزها، فقررت استئناف القضية، لتماطل فى حبس الصيادين لأطول فترة من الوقت: «لما النيابة ملاقتش حاجة فى الورق إدتنا براءة للمرة التانية، وخرجنا من السجن وحملونا فى العربيات عشان نرجع المراكب بتاعتنا، فوصلنا عند الميناء الساعة 3 الفجر يوم خميس، وعلى بعد كام متر من المراكب، وقالوا لنا ناموا هنا للصبح، لكن معدتش ساعة ولاقينهم بيقولوا لنا قوموا تانى اركبوا عشان هنوديكم المراكب، وفعلا قومنا لكنهم قالوا لنا استحملوا شوية عشان المشوار طويل، فاستغربنا لأن المسافة بينا وبين المراكب 5 دقايق مشي، فقالوا لنا لاء انتو راجعين السجن تاني، ودا فى تقديرى كانت لعبة عشان يظبطوا ورقهم تانى عشان منروحش، لكن السجن رفضنا، لأننا واخدين براءة، فرجعونا للمحكمة تانى فى بورسودان، وكنا يوم جمعة، فعملوا لنا محاكمة استثنائية وجابوا قاضى عشان يعملوا قضية جديدة، بعد ما البحرية استأنفت قضية التخابر والتجسس، وبقينا مستغربين إزاى فيه محكمة يوم الجمعة، وحددوا لنا جلسة بعدها بأسبوع، فالقاضى إدانا شهر تاني، ورجعنا تانى السجن».
الريَّس علوش يلوم على الحكومة المصرية، ما حدث لهم، ويتهمها بالتقصير فى حقهم: «البلد قصرت فى حقنا من الأول، لأن لو كانت ادخلت من الأول مكناش قعدنا 4 شهور هناك، واتبهدلنا البهدلة دي، لكن الريس السيسى ربنا يكرمه رجعنا لولادنا».
عبدالله -30 سنة، نجل رشاد علوش وصل مع الوفد الثانى على مركب «الأميرة مريم» الذى أكد أنه لم يمر فى حياته بتجربة مؤلمة مثل التى عاشها، وافتدى والده بعدما حاولت القوات البحرية أخذه عنوة، كرهينة معهم حتى لا تهرب المراكب، يحكي: «أنا فديت والدى عشان راجل كبير لأنهم كانوا عاوزين ينزلوه فى اللانش، وهما مش بيفرقوا بين الصغير والكبير وبيعتدوا على الكل»، ويتابع: «قلت لظابط من البحرية، عيب عليكم إحنا إخواتكم، فقالى لاء، إحنا مش إخوات وزقونى فى اللانش، ولقيت صيادين من المراكب التانية، مضروبين ووشهم وارم ولبسهم متقطع».
«إهانة شديدة، وكأننا يهود».. هكذا وصف الصياد الشاب المعاملة السيئة التى تعرضوا لها: «كانوا بيقولوا لنا إنتم زيكم زى الطوب، مطرح منحطكم تتحطوا، ولو كان حد سعل إو عطس يقوموا يغرقوه بالميه».
خلال فترة اختطاف الصيادين، استطاع «محمد» شقيق «عبدالله» الاتصال به عبر مداخلة هاتفية لإحدى القنوات التليفزيونية المصرية، حكى فيها عن التعذيب والضرب اللذين تعرضوا لهما من القوات البحرية، يقول «عبدالله»: «وأنا فى السجن، أخويا محمد اتصل بيا، وعملت مداخلة تليفزيونية مع إحدى القنوات، ولما فى السجن عرفوا واستجوبونى وأنا أنكرت وفتشوا كل الموجودين، واتعاملوا معانا وحش أوي».
أثناء محاكمة الصيادين فى تهمة التخابر، وجه «عبدالله» سؤالين ليثبت دليل براءتهم، «إنت قبضت علينا فين؟»، فكان رد الضابط من المياه الدولية، فرد القاضي: أمال إنت قبضت عليهم ليه؟»، ونظر إليه بحدة وكرر سؤاله للضابط، فغير أقواله بما يدين الصيادين، أما السؤال الثانى: «قلت له عارف سرعة المركب كام؟ رد الضابط: «من 5 ل 6 ميل بحري»، مع إن إحنا بنعمل 8 ميل فى الساعة، فقلت له إحنا مشينا معاك كام ساعة من وقت ما قبضت علينا، فقالى من 5 - 6 ساعات، ودا يثبت معناه إنه قبض علينا من على بعد 30 ميلا، فالقاضى قاطعنى، وقال: «أنا مسمعش متهم والضابط مش هيتجنى عليكم»، وحكم علينا بغرامة 5000 جنيه ومصادرة المركب وحبس 6 أشهر، ساعتها عرفنا إن فيه حاجة متعمدة».
محمد علوش النجل الأكبر ل«رشاد»، لم يهدأ له بال خلال الأربع شهور، والتى قضاها مرتحلا من السويس للقاهرة، لمتابعة قضية والده وشقيقه، من وإلى الخارجية المصرية، يقول: «بدأنا التحرك على السفارة والقنصلية لتعيين محامية لمباشرة القضية والإجراءات، وكنا متوقعين أنه حصل لبس فى الموضوع، وهيقعدوا أسبوعين بالكتير، وبعد كده عرفنا إن الموضوع تطور عن الأول، ودخلنا فى قضية تخابر وتجسس، وطبعا تابعنا مع السفير بدر عبد العاطى ومع السفير السودانى اللى قالنا كلام غير مباشر، على إن هما ليهم ناس هنا سودانيين كانوا بينقبوا عن دهب على الحدود مع مصر، والقوات المصرية احتجزتهم فعرفنا إن هما واخدين أهالينا رهائن قصاد دول، وقال لنا شدوا حيلكوا معانا واحنا هنحاول إننا نضغط على الحكومة للإفراج عنهم».«محمد» يتهم السلطات المصرية فى فترة من الفترات بالتقاعس فى حق الصيادين، وخاصة عندما سمع أن جنديا سودانيا أشار ل«بيادته»، وقال لهم: «بيادة عسكرى سودانى برقبتكم انتوا المصريين».
فرحة العودة
الحاجة عطيات فتحى، 60 عاما، استقبلت عودة زوجها «رشاد» بالزغاريد والدموع، تحكى باسمة: «عمرنا فى حياتنا ما عيشنا اللحظات دي، أنا مصدقتش أول ماعرفت إنهم اتحجزوا عشان هما معاهم تصاريح، وكنت خايفة لا ما يرجعوش تانى، لا حسينا برمضان ولا بالعيد إلا يوم ما رجعوا، ورجعوا فرحتنا، والفرحة كانت فرحتين، فرحة رجوعهم بالسلامة وفرحة افتتاح القناة».
لم تفرق القوات البحرية بين الصيادين، ولم تراع أن بينهم كبار سن ومرضى، فكانت الإهانة والإذلال شريعتهم فى المعاملة، يحكى الحاج مصطفى شقيق رشاد علوش، 76 سنة، بأسى: «بقالى أكتر من 60 سنة بشتغل فى البحر، وعمرى ما شفت اللى حصل دا، من إهانة وتعدى بالضرب واللفظ على الناس، وكانت حاجة فى منتهى قلة الأدب، دى بلد ما عندهاش مفهومية ولا عقل ولا قضاء، مين يصدق إنهم يشكلوا محكمة يوم جمعة ويحاكمونا بدون مستندات أو أدلة تثبت صحة كلامهم؟! بس كل اللى أثر فينا إن مصر قصرت فى حقنا لأنهم عارفين إننا مظلومين».
«ده لو عندنا فرح مكناش هنبقى كده».. هكذا قالت زوجة الحاج مصطفى: «فرحتنا محدش حاسس بيها دلوقتى لأن السيسى كتر خيره ما حرمناش من سندنا فى الدنيا، بعد ما كنا بنسمع كلام يحطمنا وإنهم هياخدوا إعدام أو مؤبد على الأقل، كنا بنصوَّت ونبكى وعدى علينا رمضان والعيد كأن عندنا ميت».
«الحمدلله أخيرا هنعَّيد وهنفرح زى الأول».. هكذا وصفت نجلة الحاج مصطفى فرحتها برجوع والدها وأخيها أحمد، تقول «إسراء»، 20 عاما: «فضلنا أكتر من 3 شهور مسمعناش صوت بابا، وكنا فى حالة انهيار تام، وكنت بحاول إنى أتماسك عشان أهدى ماما، وأقول لها إن مصر عمرها ما هتفرط فينا، بس كان عندى قناعة شخصية إنهم هيرجعوا لنا، وكنت بحلم بيهم على طول، ويقول لى إحنا راجعينلك يا إسراء متخافيش والحمدلله رجعوا».
أما فاطمة الشناوى زوجة «أحمد»: «أنا ما عرفتش إن جوزى اتخطف، غير بعدها بيومين لأنهم كانوا مخبيين عليا اللى حصل، بس أنا قلبى كان حاسس، وكنت كل شوية أتصل وهو ميردش على التليفون»، رغم اختفاء زوجها، كانت «فاطمة تطمئن نفسها، وتحاول الاستبشار خيرا: «كنت مطمنة بس ماكنتش مستوعبة اللى بيحصلل، وقلت لنفسى يا إما ربنا بيجهزنى لموقف أكبر من كده، يا إما هيحلها من عنده».
داعش في ثوب سوداني
المواقف التى تعرض لها الصيادون، خلال اقتيادهم من مراكبهم دون وجه حق، والمعاملة المهينة والمذلة التى لاقوها من قوات حرس الحدود، جعلت الصياد عاطف فتحي، 47 سنة، يستعيد مشهد ذبح الأقباط المصريين فى ليبيا على يد التنظيم الإرهابى «داعش»، يحكى، وهو فى حالة ذهول: «لما نزلونا من المراكب مشونا فى طابور ورا بعض، فسألت اللى كان ماشى قدامي، هما هيموتنا ولا إيه؟ فحسيت إن العساكر دول زى داعش، واسترجعت مشهد قتل الأقباط فى ليبيا لما مشوهم صف واحد على البحر، إحنا كمان كنا ماشين جمب البحر، فقلت لنفسى إحنا هنموت ومش راجعين تاني، دول كانوا عصابة مش بشر طبيعيين وألعن من داعش».
«فتحي» الذى يعمل على مركب «هدى الرحمن»، يصف ما حدث له بأنه «إهانة لمصر كلها»، ويؤكد أن حرس الحدود كانوا يستفزونهم لأقصى الدرجات: «كانوا يسألوننا حلايب دى مصرية ولا سودانية، فواحد مننا مسك شوية تراب من الأرض، وقال له العفرة دى من حلايب عمر مصر ما تفرط فيها، فا تنرفز واتعصب، وقعدوا يقولوا كلام بلهجتهم ما فهمنهوش»، ويتابع: «وفى ظابط من اللى معاهم، اسمه «علي» عمرى ما هنساه أبدا، قالنا وإحنا قاعدين تحت الشمس اللى سيحت دماغنا، وجمعنا كده جمب بعض، وقال لنا انتو كلكم كده ال 101 ماتساووش واحد سودانى مننا، بقى للدرجة دى إحنا رخاص وملناش قيمة! وقتها حسيت بنار قادت جوايا، كان نفسى أمسكه أموته، لكنى سكت عشان ميبقاش فيه دم». لم يتخيل «عاطف» أنه سيعود يوما ما لبيته وولديه ومحمد وأمل، وظل فى حالة ذهول رغم رؤيته لهما: «لما رجعت مصر كان عندى حالة من الذهول مش فاهمها لحد دلوقتى، مش مصدق إنى رجعت لبيتى وولادي، أول ما روحت فضلت واقف 10 دقايق أبص لهم، وأخدتهم فى حضنى وقعدت أعيط وحسيت بالحالة اللى كانوا فيها، كانوا عايشين عيشة أسود من العيشة اللى إحنا كنا عايشينها».
أما حسن محمد 50 سنة، تعرض للضرب واللكم، والإهانة الشديدة على يد «البحرية»، يحكى قائلا: «كنت قاعد بشرب شاي، فجأة لاقيت ضرب النار على المركب زى المطرة، فوقفنا، فقالوا لنا أوراقكم فين، فاللانش قرب أوى من المركب، وشد أجزاء السلاح بتاعه، وقال لريس المركب حسام انزل، فأنا بقول للعسكرى ليه ما هو إدالك الورق، ينزل ليه، وبعدين هو إنت هتضربه بالنار، فقالى اسكت ما تتكلم، ووجه السلاح بتاعه لصدرى، وقالى انزل معانا، فنزلت وبعدها كل اللى كانوا فى اللانش من القوات ضربونى بالشلاليت والبواني، وسواق اللانش كان ظابط قام من مكانه وراح ضاربنى بالبيادة فى دماغى، فقلت له حرام عليك، أنا راجل كبير فى السن ليه بتعاملنى كده، فقالى اسكت ما تتكلم فراح ضاربنى تانى وقالى اسكت ما تتكلمش».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.