مشهدان لا يضيعان من رأسي أبدا كلما جاء يونيو من أي عام. المشهد الأول هو اعترافات الجندي الواقف علي باب غرفة شمس بدران وزير الحربية في حكومة ما قبل هزيمة يونيو ،1967 ومشهد الحارس الشخصي لمناحم بيجين عندما زار الاسماعيلية تلبية لدعوة الرئيس السادات بعد توقيع كامب دايفيد. حارس غرفة شمس بدران تسلم برقية عاجلة كان يجب أن تصل إلي يد شمس بدران وهي قادمة من القائد الفذ والموهوب عبدالمنعم رياض الذي كان يقود الجبهة الأردنية، وفيها يطلب عبدالمنعم رياض سرعة التصرف، لأن إسرائيل ستهجم صباح الخامس من يونيو. ولكن الجندي الواقف علي باب وزير الحربية في ذلك الوقت خشي أن يوقظ وزير الدفاع الذي كان يستريح قليلا في انتظار تواجده في صفوف توديع المشير عبدالحكيم عامر الذي قرر زيارة خطوط المواجهة في صباح الخامس من يونيو. طبعا لم تصل البرقية إلي يد كان يجب أن تصل إليها، وطبعا رأي عبدالحكيم عامر الهزيمة واضحة تحت بصره، وهو عائد بالطائرة، لينزل فيمطار ألماظة وليركب تاكسي إلي مقر قيادة القوات بالعباسية. والباقي معروف. أما حكاية حارس مناحم بيجين عندما كان يزور السادات بالاسماعيلية، فهي تركز علي دهاء وقوة أعصاب الرئيس السادات الذي قام بتغيير زي الحرس المصطف لتحية بيجين واختار الزي الألماني الذي يحفظه بيجين جيدا كرمز لما فعله هتلر باليهود. وكانت الموسيقي أيضا هي نفس موسيقي التحية الألمانية، وكاد بيجين من فرط التوتر أن تلتوي أقدامه وهو يسير فأمسك به حارسه وهو يقول في إذنه بصوت مسموع "انتبه مناحيم". كانت المسافة بين حارس شمس بدران وبين شمس في مثل اتساع السماء عن الأرض، ولذلك كان أول قرارات عبدالمنعم رياض هو تحديث الجيش المصري بمليون متعلم. وهو ما أتاح للقوات المسلحة المصرية استيعاب أجيال هائلة من التسليح في أقل وقت ممكن، وهذا الاستيعاب هو الذي ضمن لها نصر أكتوبر. أما المسافة بين حارس بيجين رئيس وزراء إسرائيل وحارسه، فقد سمحت للحارس أن يناديه باسمه مجردا ويسنده في موقف التهبت فيه أعصاب الرجل نتيجة مروره علي حرس شرف يرتدي زيا ألمانيا ويستثير فيه كل ذكريات المهانة اليهودية مع ألمانيا. إن تضييق الهوة بين أي قيادة وبين أصغر فرد يقوم بما يمكن أن نراه عملا بسيطا، هو أمر مهم من أمور إدارة البلاد والعباد. وكان يونيو 1967 كاشفا للهوة بين ما كنا نرفع من شعارات وبين واقع يصعب ردم الهوة الفاصلة بينه وبين الشعار. وأنا لا أتذكر أيام يونيو 1967 من أجل جلد الذات، ولكن من أجل الحلم ألا نقع في نفس الأخطاء ونحن ندير حياتنا اليومية فلا يتعالي صاحب العمل علي من يتعاملون معه وأن يعلم أن مكسبه الأول والأساسي هو تقليل الفجوة النفسية بينه وبين أصغر العاملين معه. منير عامر