"حسنة وأنا سيدك".. هذه هو شعار كثير من الشركات التي تبيع هذه الخدمة أو تلك للمواطنين. فهذه الشركات سواء كانت حكومية أو قطاع خاص من مصلحتها أن تروج منتجاتها، لأنها لا تقدمها بالمجان أو كأعمال خيرية، وإنما هي خدمات مدفوعة الأجر والشركة التي تبيعها تربح من ورائها. وبالتالي فإنها مستفيدة من ترويجها، بل إن مديريها وموظفيها يقبضون مرتباتهم ومكافآتهم الكبيرة وغير الكبيرة من هذه الأرباح، أي من "فلوس" الناس الذين يشترون هذه الخدمات. والمفترض نتيجة لذلك أن يحصل هؤلاء الناس علي معاملة ممتازة أثناء حصولهم علي هذه الخدمات المدفوعة الثمن، باعتبارهم "زبائن"، والقاعدة المستقرة هي أن "الزبون دائما علي حق". لكن البيروقراطية المصرية العتيدة كسرت هذه القاعدة منذ سنوات وعقود وتعاملت مع الناس بقدر كبير من التعالي رغم أن لحم أكتافها من خير هؤلاء الناس. والأخطر أن عدوي هذه الغطرسة البيروقراطية انتقلت إلي بؤر ليست قليلة في القطاع الخاص، أيضاً، حيث تكاد شروط البيع والشراء أن تكون عقود إذعان .. فيدفع المواطن الثمن المطلوب، والمفروض، دون أن تكون له أي حقوق تضمن له كفاءة وفعالية خدمات ما بعد البيع أو حتي توفر المواصفات القياسية في السلعة أو الخدمة المباعة. وفي مواجهة مثل هذه الممارسات السخيفة توصلت المجتمعات المتقدمة إلي آليات متعددة لضبط الأسواق، من بينها جمعيات وقوانين حماية المستهلك. ورغم أننا تأخرنا كثيراً في انتهاج هذه الآلية الأخيرة بعد تحولنا إلي اقتصاد السوق، فإن بلادنا عرفتها أخيرا رغم أنها مازالت تفتقر إلي الفاعلية ومازالت تحتاج إلي مزيد من التنشيط والتطوير والتدريب والتعليم والتعلم. والمأمول أن يساهم المجتمع المدني في دفع عجلة هذه الآلية وابتكار اساليب متطورة لإعادة الاحتراموالكفاءة و"الأصول" إلي أسواقنا، ويختفي شعار "حسنة وانا سيدك"، وتتوقف عقود الاذعان. وبهذه المناسبة، أضرب مثلا لهذه الاستهانة بالناس، أضعه تحت نظر المهندس عقيل بشير رئيس الشركة المصرية للاتصالات. فقد تم توقيع "بروتوكول" بين هيئة سكك حديد مصر وبين شركة الاتصالات لتسهيل حجز تذاكر القطارات من خلال عدد من السنترالات. وهذه خدمة جيدة بلاشك. لكن أنظروا كيف يتم تقديمها في سنترال مثل سنترال مصر الجديدة. لقد تفتقت قريحة المسئولين في شركة الاتصالات عن طريقة عجيبة لتعذيب الناس حيث وضعوا الموظف الذي يقدم هذه الخدمة أمام "شباك" يطل علي ممر مكشوف وضيق وقذر في ذيل السنترال. وهذا معناه أن من يريد أن يحجز تذكرة أن يجب يقف في هذه "الطرقة" الضيقة تحت شمس الصيف الحارقة لفترات ربما تطول حسب "التساهيل". والسؤال هو "لماذا التلذذ بتعذيب الناس بينما يمكن أن يتم تقديم هذه الخدمة بصورة حضارية وفي مكان آدمي مكيف الهواء ومزود بمقاعد مريحة؟! وينطبق ذلك علي العديد من الخدمات التي يشتريها المواطنون بمقابل مفروض عليهم، ويعانون في نفس الوقت من أجل الحصول عليها ويتعرضون للبهدلة والاهانة وإهدار الآدمية. لماذا؟ وإلي متي؟ وأين جمعيات حماية المستهلك؟!