لليوم الرابع على التوالي.. أسعار النفط تواصل الارتفاع بسبب إغلاق مضيق هرمز    وزير الصحة ل النواب: إدوني تريليون جنيه في السنة وأعملكم اللي أنتم عايزينه    خطة شاملة لإزالة أكبر تجمعات الرتش بحي المناخ في بورسعيد    الخميس.. اجتماع طارئ للجامعة العربية على مستوى المندوبين لبحث التصدي لانتهاكات الاحتلال في الأقصى    هل يضطر ترامب لإنهاء حرب إيران خوفا من تظاهرات الغضب الأمريكية ؟    الإمارات: الدفاعات الجوية تتعامل مع 8 صواريخ باليستية و36 مسيرة إيرانية    إسرائيل تخطط لتدمير "جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود اللبنانية"    التشكيل المتوقع ل منتخب مصر أمام إسبانيا اليوم    إنفانتينو: لا تراجع.. إيران ستلعب كأس العالم القادم    إجراءات تأديبية من نابولي ضد لوكاكو بعد الغياب عن التدريبات    الداخلية تنهي نشاط طالبين تخصصا في سرقة حسابات "السوشيال ميديا" والابتزاز المالي بالمنيا    محافظ كفر الشيخ: حملات مرورية مكثفة للكشف عن تعاطي المخدرات    محافظ القليوبية يقود حملة موسعة لإخلاء الباعة الجائلين ببنها وإعادة الانضباط للشارع    نجوم سينما يوسف شاهين يفتتحون معرضا لأعماله ضمن مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية    العيد 62 لإذاعة القرآن الكريم| تكريم عائلات كبار القراء بحضور وزير الأوقاف ومفتي الجمهورية.. صور    نسمة يوسف إدريس: رواية غواية كانت تحديا إنسانيا وفنيا    خلال 24 ساعة.. تحرير 1002 مخالفة للمنشآت المخالفة لقرارات مجلس الوزراء    رسائل السيسي ل بوتين: يبرز ضرورة خفض التصعيد الراهن بمنطقة الشرق الأوسط.. ويؤكد دعم مصر الكامل لأمن الدول العربية ورفضها التام للمساس باستقرارها وسيادتها تحت أي ذريعة    تأجيل محاكمة المتهمين بقتل مهندس بورسعيد إلى شهر أبريل المقبل    التأمين الصحي الشامل: 7.4 مليار جنيه إجمالي التكلفة المالية للخدمات الطبية المقدمة ببورسعيد    إخماد حريق في منطقة شارع أغورمي بسيوة دون خسائر فى الأرواح    إصابة 10 تلاميذ في تصادم ميكروباص أجرة وسيارة مرافق بطريق المنيا الزراعي    السيسي ل«بوتين»: مستعدون لدعم تسوية الأزمة الروسية الأوكرانية سياسيًا    مقترح برلماني بتخفيض غرامات الأرز وزيادة الرقعة المزروعة    خلال ساعات.. كيف تحسم ال6 مقاعد المتبقية في كأس العالم 2026    أتوبيس الفن الجميل يصطحب الأطفال في جولة تثقيفية داخل قصر البارون    مصدر بالزمالك: بروتوكول طبي صارم يحدد عودة المصابين للملاعب وشيكو بانزا يغيب أسبوعين    عاجل- خريطة سقوط الأمطار في القاهرة والمحافظات يومي الأربعاء والخميس    وزير الصحة يترأس اجتماعا لمراجعة الحساب الختامي لموازنة 2024-2025    قرار عاجل من وزير العدل لضبط الأسعار في الأسواق    متحدث "الأوقاف": التوعية بتأثير الألعاب الإلكترونية على سلوك الطفل أولولية ب"صحح مفاهيمك"    "الوطنية للإعلام" تنعى الكاتبة والباحثة الكبيرة هالة مصطفي: نموذج للجدية والانضباط    خلال اتصال هاتفي مع بوتين.. السيسي يشدد على ضرورة خفض التصعيد بالشرق الأوسط    محافظ الدقهلية ومساعد وزير العدل يفتتحان مكتب الشهر العقاري بقرية بدواي    غرفة القاهرة: استهداف مصانع الحديد والصلب في إيران لم يأتِ عشوائيا    الجيش الإسرائيلي: جاهزون لمواصلة ضرب إيران لأسابيع    نص أقوال عامل متهم بالتحرش بطفلة داخل مصعد في الهرم    التموين: لن يتم المساس بأسعار رغيف الخبز أو مقررات منظومة السلع    «الصحة» تستقدم 4 خبراء دوليين لإجراء جراحات متقدمة وتدريب الكوادر الطبية    «ومن الودي ما قتل!».. هزائم ودية تطيح بمدربين.. والجوهري الأشهر    "برشامة" يواصل تصدره إيرادات أفلام عيد الفطر المبارك    قرار جديد ضد لص الشقق السكنية بالبساتين    وفاة الدكتورة هالة مصطفى أستاذ العلوم السياسية    الصحة تحذر: الإنفلونزا تتغير سنويًا والتطعيم هو الحل    المغرب يواجه باراجواي وديًا في إطار التحضير لكأس العالم 2026    وزير البترول يبحث مع "يونايتد إنرجي" خطط الإنتاج بالصحراء الغربية    السكك الحديدية: تراجع تأخيرات القطارات اليوم لاستقرار الأحوال الجوية    نقابة المهن التمثيلية تتمنى الشفاء العاجل للإعلامي عمرو الليثي    اللجنة العليا للمسؤولية الطبية تُعزّز الوعي المجتمعي والمهني بقانون المسؤولية الطبية من داخل كلية طب الأزهر    مواعيد مباريات اليوم الثلاثاء 31 مارس والقنوات الناقلة    المقاومة الإسلامية في العراق تنفذ 19 عملية بالطيران المسير    د.حماد عبدالله يكتب: (اللى مالوش كبير، يشترى له كبير) !!    زياد بهاء الدين: ارتفاع النفط ل 115 دولارا يضر بالاقتصاد الأمريكي.. ومكاسب روسيا من الحرب لن تدوم    بالتزامن مع العيد القومي.. مطرانية المنيا تنظم الملتقى العلمي السادس بعنوان "المنيا.. أجيال من الصمود"    دعاء الفجر.. أدعية خاصة لطلب الرزق وتفريج الهم    الأزهر يواصل حملة «وعي».. الرد على شبهة الاكتفاء بالقرآن وإنكار حجية السنة    الأوقاف عن الإرهابى عبد الونيس: مفيش إرهاب نهايته نصر.. نهايته دايما ندم    الإفتاء: لا تقتلوا الحيوانات الضالة.. الحل في الرحمة لا القسوة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حين يكون القاضي لسان القانون
نشر في الأهالي يوم 22 - 09 - 2011

تابعت الجلسات الماضية لمحاكمة الرئيس السابق حسني مبارك وأنا أشعر بقلق شديد علي سيادة المستشار/ أحمد رفعت رئيس المحكمة وما سوف يؤول إليه عقب نهاية المحاكمة. فأي شخص يتابع سير الأمور بعد الثورة ونبض الشارع في الفترة الحالية سوف يدرك حتماً أن الرجل سوف يلاقي مصيراً من
مصيرين، أحلاهما مر: فإذا ما حكم علي الرئيس المخلوع بالبراءة سواء لعدم ثبوت الأدلة بتحريضه علي قتل المتظاهرين، أو لعدم تحديد هوية الفاعلين الأصليين في الجريمة أو لغيرها من الأسباب، فإن الرجل سوف يتهم حتماً بأنه من " الفلول" وأنه قد انحاز إلي النظام السابق طوعاً أو كرهاً. وإذا ما حكم عليه بالإدانة، فإنه سوف يتحول إلي بطل قومي ورمز من رموز الثورة، وربما ظهرت له صفحة علي الفيس بوك تنادي بترشيحه لرئاسة الجمهورية ! والواقع أن الرجل في الحالتين ليس "فُلاً" وليس بطلاً، بل غاية ما في الأمر أنه رجل يؤدي الوظيفة التي كُلف بها، وهي ببساطة تطبيق القانون.
اكتشفت، بحكم عملي بالقضاء، أن الكثيرين لا يدركون هذه الحقيقة البديهية، وهي أن وظيفة القاضي لا تتعدي أن يكون "لسان القانون" كما يحلو لفلاسفة القانون الفرنسيين تسميته. فإذا ما حكم القاضي للمحكوم في مواجهة الحاكم فهذا لا يعني أن القاضي أصبح يحسب علي المعارضة، وإذا ما حكم للحاكم في مواجهة المحكوم، فإن هذا لا يعني بالضرورة خضوع القاضي للسلطة التنفيذية.
وللأسف فإن هذه النظرة الخاطئة للقضاء لم تتحسن قط مع قيام الثورة، بل إنها قد ازدادت سوءاًَ. فمع الحماسة الثورية، وما صاحبها من شعور عام بأن أمور الحكم قد عادت إلي قبضة الشعب بعد طول غياب، فإن البعض قد صار يخلط بين ساحات السياسة وما تتطلبه من وجود جماهيري طاغٍ يفرض رأيه علي السلطات الحاكمة وساحات القضاء الصامتة وما تقتضيه من مهنية وحيدة وتأنٍ. فصار الكثيرون يتعاملون مع القضاء بمنطق " الشعب يريد"، وانطلقت المظاهرات تطالب بمحاكمات سريعة، وقامت الجماهير الغاضبة بمهاجمة المحكمة لأنها قررت تأجيل محاكمة حبيب العادلي، وفي محكمتي جنايات جنوب القاهرة والسويس قام أهالي الضحايا باقتحام وتحطيم المحكمة، وحاولوا التعدي علي القاضي إثر إخلاء سبيل بعض الضباط المتهمين علي ذمة القضية. كما تحولت أول جلستين من ولأول جلستين من محاكمة مبارك إلي ما هو أشبه بمباراة كرة قدم، يتابعها الجمهور علي شاشات التليفزيون في المنازل والمقاهي، ويبدون استحسانهم لهذا أو استياءهم من ذاك.
القاضي الحق ليس هو من يأبي الخضوع للسلطة الحاكمة فحسب، بل هو من يأبي الخضوع لأي ضغوط أياً كان مصدرها. بل أن القاضي كثيراً ما يصدر أحكاماً لا تتفق مع أهوائه الشخصية أو قناعاته الشخصية، إذا كان ذلك ما تمليه عليه نصوص القانون. وهو أيضاً مقيد بما يوجد تحت يده من أدلة وما تقدمه النيابة العامة ويقدمه الأطراف من مستندات ومذكرات. فإذا ما سار القاضي خلف المزاج العام للشارع، فإن ذلك من شأنه أن يجعل للقاضي هدفاً آخر يبغيه غير العدالة وهو استجداء رضا الجمهور. وإذا ما كان ذلك قد يرضي قطاعا من ثوار 25 يناير في القوت الحالي نظراً لأن المتهمين هذه المرة أشخاص مكروهون من الغالبية العظمي من الشعب المصري، فإني أعتقد أن هؤلاء الثوار سيكونون أول من يوجهون اللوم إلي القضاء إذا ما انقلب السحر علي الساحر، وتحول القاضي إلي استرضاء أطراف أخري علي حساب الثوار أنفسهم ! فالقاضي إذا ما انصرف عن المهنية والدقة والحياد في أداء وظيفته، فإنك لا تأمن مساره بعد ذلك، إذ يحدده اتجاه المزاج العام للجمهور، أو للقوي الأكثر ظهوراً أو الأعلي صوتاً في المجتمع، وما أكثر ما يتغير هذا الاتجاه.
إن الغرض الأساسي من محاكمة رموز النظام السابق ليس هو توقيع الأحكام وليس هو الانتقام، بل هو إرساء لمبدأ سيادة القانون، ومبدأ أن لا أحد فوق المحاسبة. وهو أيضاً أهم ما يميز ثورة 25 يناير عن غيرها من الثورات السابقة، والتي أعقبتها مجازر ومحاكمات شعبية هزلية بغرض إصباغ شرعية علي شهوة القتل لدي الجماهير الغاضبة. إن خضوع مبارك ورجاله لمحاكمة عادلة أمام القاضي الطبيعي هو إثبات أمام العالم أجمع أن الثلاثين عاماً التي قضتها مصر تحت وطأة هذا النظام الفاسد لم تنل من حضارة ورقي هذا الشعب الأصيل، الذي يحرص علي توخي العدل والتزام الشرعية حتي مع جلاديه. إن خضوع مبارك لأحكام القانون الجنائي والإجراءات الجنايئة هو في ذاته عين انتصار الثورة وهو نقطة النهاية لمنظومة الفساد والاستبداد التي طالما اصطدمت بالقضاء العادي، وطالما لجأت إلي القضاء الاستثنائي. ولا يمكن لأحد أن يدعي أن نصوص القانون الجنائي أو الإجراءات الجنائية قد فصلت خصيصاً لكي تحابي الرئيس مبارك وأعوانه !
فلماذا إذاً نتنازل عن هذا المستوي الراقي الذي ظهرت به ثورتنا ونصر علي الانحطاط بها إلي عبث المحاكمات الشعبية ؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.