حين وقعت هزيمة يونيو 1967 توالت كتابات المفكرين الاشتراكيين تطالب بفتح ملف الفساد في القوات المسلحة للوقوف علي أسباب الهزيمة، تلك الهزيمة التي فاقم من مرارتها ذلك الوهم الذي كان سائدا قبلها بسبب الدعاية الحكومية التي أكدت أن مصر تملك أقوي قوة ضاربة في الشرق الأوسط، إضافة إلي الخطابات المتحدية التي اعتاد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر توجيهها لجماهير المصريين والعرب. في ذلك الحين كتب المفكر الراحل «سعيد خيال» مقالا في جريدة الجمهورية يتهم فيه البورجوازية العسكرية التي كونت لنفسها مصالح ومرتكزات بأنها هي المسئولة عن الهزيمة ولابد من محاسبتها. وبعد هذا المقال مباشرة فرضت السلطات رقابة علي الصحافة، وجري تعيين رقيب في كل صحيفة يقرأ كل الموضوعات بل ويفتش عن ما قد يكون كامنا خلف السطور. وقبل هزيمة يونيو بسنوات قليلة ولدي تأسيس الاتحاد الاشتراكي كان الرئيس جمال عبد الناصر قد أخذ يحذر من ما أسماه بالطبقة الجديدة، وكان نظام يوليو قد رفع حينذاك شعار تذويب الفوارق بين الطبقات مفترضا أنه قد صفي الطبقات القديمة نهائيا خاصة بعد موجتين من الإصلاح الزراعي والتأميم وقرار إشراك العمال في مجالس إدارة الشركات والحصول علي نصيب سنوي من أرباحها. ووقعت الهزيمة لتكشف للجميع أن النظام القديم كان قد بني لنفسه دعائم قوية في أهم مؤسسات الدولة وهي القوات المسلحة التي كانت قد أشعلت الثورة واسقطت الملكية عام 1952 ثم خاضت معركة كبري ضد الغرب حين أمم جمال عبد الناصر قناة السويس وحققت البلاد نصرا سياسيا هائلا بعد عدوان 1956 الذي شنته انجلترا وفرنسا وإسرائيل عليها. واستفادت الطبقات القديمة لأوسع مدي من الفيود التي فرضتها ثورة يوليو علي الحريات السياسية حين اختارت نظام الحزب الواحد الذي نشأ في حضن السلطة، واستطاعت هذه الطبقات أن تفرع الكثير من انجازات الثورة الاجتماعية من مضامينها التقدمية في ظل صراع طبقي ضار لم يجد متنفسا فكريا صحيا في ظل سيادة أفكار «الإجماع» والكل في واحد» التي قام عليها الحزب، سواء كان «هيئة التحرير» أو «الاتحاد القومي» أو «الاتحاد الاشتراكي» حيث جري قمع التعددية الموجودة في المجتمع ، وهو القمع الذي استفاد من الشعبية الكاسحة التي حظيت بها قيادة جمال عبد الناصر. ولما كانت جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها سنة 1928 تعتبر نفسها هي جماعة المسلمين وترفض فكرة التعدد من حيث المبدأ فإنها بعد شهر عسل قصير مع ثورة يوليو التي استثنتها وحدها من قرار حل الأحزاب في يناير عام 1953، ولكنها سرعان ما دخلت في صدام عنيف مع الثورة حول السلطة، ووصل بها الأمر إلي أن دبرت محاولة لاغتيال جمال عبد الناصر وهو يلقي خطابا في ميدان المنشية بالاسكندرية، وباءت المحاولة بالفشل وجرت محاكمة المجرمين، وصدر قرار بحل الجماعة. وبقرار الحل بدأ مسلسل جديد للصراع بين الثورة وجماعة الإخوان المسلمين إذ وقفت الجماعة- وباسم الدين- ضد كل الإجراءات التقدمية والإنجازات الاجتماعية والوطنية لثورة يوليو، وأخذت تمارس نشاطها سرا علي نطاق واسع علي جبهتين، جبهة الفكر وانحازت في هذه الجبهة للرؤي والأفكار التقليدية السنية المحافظة، وعارضت كل النزعات المستنيرة والتقدمية التي تتطلع لإصلاح الفكر الديني، وجبهة التنظيم المسلح التي خرجت من تحت عباءته بعد ذلك المجموعات الجهادية المختلفة من «سيد قطب» أحد المؤسسين الفكريين والتنظيمين لهذه الجماعات وصولا إلي شكري مصطفي وعبد السلام فرج وبعد ذلك آل الزمر وخالد الاسلامبولي وعمر عبد الرحمن والذين قتلوا السادات وقاموا بالعدوان علي ممتلكات المواطنين المسيحيين والسياح وقتل المفكر «فرج فودة» ومحاولة قتل نجيب محفوظ. وحين منح الرئيس السادات لهذه الجماعات قبلة الحياة ليستخدمهم في صراعه ضد اليسار الشيوعي والناصري في مطلع السبعينيات ثم وقعت حرب 1973 التي اطلقت فورة النفظ، تحولت بلدان الخليج المحافظة دينيا إلي بنك مفتوح علي مصراعيه دون حدود أو قيود لتمويل الجماعات الإسلامية بكل فصائلها، وهو ما تواكب مع سياسة الانفتاح الاقتصادي التي أدت إلي تقليص انفاق الدولة علي الخدمات وانسحابها من الميدان الاجتماعي، ليحل الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية المختلفة محلها ويستثمروا الفقر المدقع لشرائح واسعة من المصريين لبناء قاعدة اجتماعية صلبة جرت أخونتها وهو ما انعكس بشكل واضح في نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية هذا العام. وكانت النتيجة المنطقية للقيود الصارمة علي الحريات السياسية عبر تاريخ يوليو كله – حتي بعد ادخال نظام التعددية الحزبية المقيدة في ظل الرئيس السادات عام 1976- كانت هذه النتيجة هي اضعاف قوي المعارضة الديمقراطية يسارية وليبرالية بينما انفتح المجال العام أمام الإخوان المسلمين بحكم غزارة الاموال وسلطة الدين، وفساد التعليم التلقيني، والإعلام التجاري الاستهلاكي والسياسات الاقتصادية والاجتماعية للرأسمالية الطفيلية والوحشية. وأنتج ذلك كله خللا فادحا في توازن القوي المجتمعية وعاد المشهد السياسي للاستقطاب بين قوتين رئيسيتين بعد ثورة 25 يناير 2011 تماما مثلما كان الحال بعد ثورة يوليو 1952، القوات المسلحة من جهة والإسلام السياسي في الجبهة الأخري، وتبلورت قوة الجيش- تبلورت باعتباره مدافعا عن الدولة المدنية المصرية الحديثة في مواجهة النزوع القوي والمتسرع للإسلام السياسي لأخونة كل من الدولة والمجتمع التزاما ببرنامج يسمونه إسلاميا. ورغم الأساس الطبقي العميق والواضح للسلطة الآن في المجتمع المصري، وحقيقة أن الفروق في السياسات الاجتماعية والاقتصادية بين برنامج الإخوان المسلمين وسياسات «مبارك» التي كان الجيش قد ساندها في الغالب الأعم هي فروق لا تذكر، رغم كل ذلك فإن الأولوية القصوي تبرز الآن في ميدان الدفاع عن الدولة المصرية ضد اختطافها من قبل الإخوان المسلمين وتنظيمهم العالمي وتحالفاتهم الإقليمية الخليجية، التي تستهدف حماية المصالح الأمريكية في المنطقة دون حماية حقوق الشعوب وبخاصة حق الشعب الفلسطيني في التحرر والاستغلال وهو الحق الذي لا يلقي سوي تأييد خطابي وإنشائي. والأهم من ذلك كله هو أن هذا المآل يتناقض كلية مع أهداف ثورة الشعب المصري في يناير والتي اندلعت لاستكمال ثورة يوليو 1952 من أجل «العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية». ونتذكر من هذا الصدد ما قاله كمال الهلباوي وهو المتحدث الرسمي السابق في الخارج باسم جماعة الإخوان المسلمين الذي استقال من الجماعة قائلا : «أنتم آخر من التحق بثورة 25 يناير وأول من خرج منها». كانت الدولة المدنية المصرية حصادا غاليا وعزيزا علينا لثورة 1919 ولثورة يوليو 1952، وفي حين نحتفل بعيد يوليو الستين الآن بعد ثورة يناير التي سوف تتواصل لنستكملها، علينا أن نخوض نحن اليساريين والليبراليين معركة الدفاع عن الدولة المدنية بكل قوة حتي يكون بوسعنا أن نحقق أهداف ثورة يناير في مستقبل قريب بعد أن تنقشع الغمة وتنحسر سطوة كل من البورجوازية الدينية والبورجوازية العسكرية.