قامت قوات الأمن السودانية بمحاولة جديدة لفض الاعتصام أمام مقر وزارة الدفاع وسط العاصمة الخرطوم، ومع تبادل أطلاق النار سقط قتلى بينهم جنديان و4 من المعتصمين، ذلك بعد محاولات أخرى باءت بالفشل إثر تصدي قوة من الجيش لحماية المتظاهرين، حيث أطلقت القوات الرصاص فى الهواء فى محاولة لتفريق آلاف المعتصمين الذين يطالبون بتغيير النظام وتنحي الرئيس البشير، إلا أن محاولات الآمن المتتالية لم تحل دون تدفق مزيد من المحتجين إلى موقع الاعتصام أمام مقر القيادة للجيش، الذي وقف إلى جانب المتظاهرين وقام بحماية اعتصامهم. وذلك بعد تظاهرات حاشدة السبت الماضى بمدن السودان وصل على إثرها آلاف المتظاهرين، الذين تزايدت أعدادهم وفاق الرقم المقدر أكثر من المليون إلى محيط مقر قيادة الجيش فى الخرطوم قرب مقر إقامة الرئيس عمر البشير، للمطالبة بتنحيه وحكومته للمرة الأولى منذ بداية الاحتجاجات وناشد المعتصمون قوات الجيش الانحياز إلى الشعب ضد الرئيس وحكومته، فيما حالت قوات الجيش دون الاعتداء على المحتجين السلميين رغم وقوع اشتباكات متفرقة بينها وبين قوات الأجهزة الأمنية التي كانت تراقب الموقف، متجنبة الاصطدام بالجيش، الذى تدخلت قواته، لمنع الأمن من فض الاعتصام أمام مقر وزارة الدفاع، فيما أقر «مجلس الدفاع والأمن الوطني» بأهمية الاستماع لمطالب المحتجين. فيما اصرالمتظاهرون على الاستمرار فى الاعتصام وعدم المغادرة قبل إنجاز مهمتهم وسقوط النظام واستقالة البشير، ومعهم المعارضة تحت تحالف «قوى الحرية والتغيير»، لتمسكها باستقالة البشير وحكومته، حيث خيّرت الجيش بين الانحياز للشعب أو للبشير، مؤكدة أملها فى اتخاذ الجيش موقفاً مشابهاً لمواقفه السابقة فى ثورتي أكتوبر1964 ضد حكم الفريق إبراهيم عبود، وفى أبريل1985 ضد نظام جعفر النميري. وشلت الاحتجاجات الحياة فى الخرطوم بشكل شبه كامل، إذ سد المتظاهرون من جهتهم مداخل وسط الخرطومالشرقية والشمالية، وأغلقوا جسري «الجيش» والجامعة اللذين يربطان الخرطوم بالخرطوم بحري، وسدوها بالحجارة وبالحشود البشرية، وتعطل عمل كثير من الدوائر الرسمية، فيما أعلنت مؤسسات خاصة اليومين الماضيين عطلة، كما أغلق المحتجون شوارع الجامعة والجمهورية والبلدية، وهي أكبر شوارع الخرطوم عند تقاطعها مع شارع «قيادة الجيش»، ومنعوا مرور السيارات عدا تلك التي تحمل الأغذية والمياه والمؤن، بالإضافة إلى سيارات الجيش، أما وسط العاصمة فقد بدأ مشلولاً بالكامل، خصوصاً مناطق السوقين العربي والأفرنجي اللتين تناقصت فيهما أعداد السيارات والمارة وتركزت الكثافة البشرية عند محطات المواصلات العامة، إلى الغرب والجنوب الغربي من مركزها، وقد حاول نشطاء وتجمع المهنيين دعوة المواطنين لتوفير «الخيام والمظلات» للمحتجين، بعد ان بلغت درجة الحرارة الأيام الماضية 42 دجة مئوية. ومع اقتراب التظاهرات السودانية من دخول شهرها الخامس، يرى نشطاء وخبراء سودانيون ان السبب فى طول المدة حتى الآن هو أن طرفى المعادلة، أي النظام الحاكم والمحتجون بفئاتهم المختلفة ارتاحا كرها إلى صيغة تمديد وجود الناس فى الشوارع خوفا من مواجهة مصير مجهول، فكل طرف لديه من الهشاشة ما يجعل المعادلة النهائية متقاربة فى ظل الأوضاع المتدهورة فى السودان والتى تجعل من الممكن أن يستمر الأمر لمدة طويلة، لعدم قدرة كل طرف على الحسم والقبض على المفاتيح الرئيسية، وخوفا من المعطيات القاتمة للمرحلة اللاحقة، أما إذا تمكن أحد الطرفين من كسب الجولة لصالحه بتسجيل النقاط أو الضربة القاضية، فإن الخطورة تكمن فى الترتيبات التالية، فقد اشتعلت التظاهرات خلال الأيام الماضية، وكأنها استمدت زخمها حيال المواجهة مع الرئيس البشير مما وصلت إليه التطورات فى الجزائر، حيث انتصرت إرادة الشعب فى تنحية الرئيس بوتفليقة عن المشهد تماما، وفى حالة تجاوب الجيش السوداني مع مطالب المواطنين وإجبار البشير على إعلان عدم الترشح فى الانتخابات الرئاسية المقبلة، فلن يكتفى المحتجون بذلك، بل يتوقع أن يرتفع السقف إلى تنحيته فورا وهو سيناريو سلكته انتفاضات عربية، حيث تبدأ شرارة التظاهر بهدف أمني وحقوقي أو سياسي أو اقتصادي محدد، ثم تتصاعد وتعلن الانتقام من أقطاب النظام برمته. وأكد الخبراء على ان الساحة السودانية تتهيأ لسيناريو قريب من ذلك، ربما تكون مشكلته الظاهرة مثل من سبقوه، تتعلق بعدم وجود قوى سياسية تستطيع التحكم فى زمام الأمور وقيادة المرحلة التالية لبر الأمان، بما يتواءم مع تطلعات الجماهير. من جانبه،واصل البشير تمسكه بسلطته طوال الأشهر الأربعة الماضية، دون الاستجابة لمطالب المحتجين، رافضاً تخليه عنها، إلّا عبر صندوق الانتخابات، وهو الأمر الذي ترفضه المعارضة، وتعتبره محاولة لكسب الزمن، واستمراراً لنهج حكومته فى المراوغة، وسعيه لتعديل الدستور للاستمرار فى الحكم لدورة رئاسية جديدة، وقام بعقد اجتماع طارئ مع مجلس الدفاع والأمن الوطني، ببيت الضيافة داخل القيادة العامة للجيش لمناقشة المستجدات، وقد أكد المجلس بعد الاجتماع على ضرورة الاستماع إلى مطالب المحتجين الذين «يمثلون شريحة من شرائح المجتمع وكذلك أكدوا أهمية جمع الصف الوطني وتحقيق السلام وضرورة الاحتكام لصوت العقل لتجنيب البلاد الانزلاق نحو الفتن، جاء ذلك بالتزامن مع حجب سلطات الاتصالات السودانية الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت مثل «فيسبوك» و»تويتر» و»واتساب»، ما اضطر النشطاء للعودة إلى استخدام «البروكسي»، وهو نفس ما فعلته السلطات بعد أيام من اندلاع الاحتجاجات فى 19 الماضي، بالاضافة الى اعلان وزارة الموارد المائية والري والكهرباء السودانية، عن انقطاع كامل للكهرباء فى البلاد ولم تقدم الوزارة تفسيرا لذلك، لكنها ذكرت فى بيان ان المهندسين والفنيين يحاولون إعادة تشغيل المحطات وتغذية الشبكة. بينما حذر»تجمع المهنيين السودانيين» مما سماه «مخططات مكشوفة من الأجهزة الأمنية والموالين من قادة الجيش لتفريق الحشود وتفريغ ساحة الاعتصام»، حيث أصدر التجمع نداء عاجلا عبر بيان تضمن الاشارة والتأكيد على ان الحشود ستصمد بصمود الثوار، وزيادة تماسكهم، ووطنية الشرفاء من الجيش، مناشدا جميع الثوار فى بحري وشرق النيل والكلاكلات وأم درمان، وكل مناطق الخرطوم الحضور إلى القيادة العامة للمساندة، ودعا التجمع لمليونية وزارة الدفاع بالتزامن مع ذكرى انتفاضة أبريل التي أطاحت بالجنرال جعفر النميري فى العام 1985. من جانبها، اعلنت «لجنة أطباء السودان المركزية»، إن 6 أشخاص لقوا مصرعهم، بعضهم أصيب بالرصاص بالقرب من مقر قيادة الجيش، حيث مقر إقامة البشير، فيما أصيب عدد من المحتجين بإصابات خطيرة إثر إطلاق القوات الأمنية الأعيرة النارية عشوائياً وقنابل الغاز المسيل للدموع، أحدهم لقي مصرعه فى مدينة أم درمان، وقتلت سيدة فى أحد معسكرات النازحين فى إقليم دارفور، وقد سارعت اللجنة لتوفير المستلزمات الطبية للمعتصمين، بما فى ذلك إتاحة عدد من الأطباء وسيارات الإسعاف فى المكان، ووجهت نداء للصيادلة والمواطنين لتوفير الأدوية والمحاليل ومعدات التعامل مع الغازات للمواطنين.