شكلت المرأة محطات رئيسية في حياة شابلن.. وصاحبته في رحلته الطويلة منذ الطفولة حتي رقاد اللحد.. تضفرت حكاياتهن مع حكايته خلال مشواره الفني, ونجزم بأنهما التصقا وصارا لا يمكن الفصل بينهما، ليصبح التأريخ لفنه مرتبط بأحداث كانت للمرأة مشاهد مؤثرة بها، بل حركت الأحداث في كثير منها, مثلت القوة والضعف, النجاح والفشل, الدعم والاحباط, وأحيانا النور بكل بهاءه والعتمة بوحشة غياهبها. استفاد “شابلن” من وجودهن, ونهلن من شهرته, لكنهن لم ينجحن في السير فوق جثته, ففي الوقت المناسب كان يعلن بجرأة انتهاء شهر العسل ويعاود العمل مرة أخري, ثم يبحث عن آخريات تلهمه وتشحذ عزيمته, هكذا ظلت المرأة حاجته الملحة لمواصلة الحياة، رغم أن كلهن اعلن العصيان عليه, وكان هو أقوي من أن ينهار أو تتصدع رغبته المحمومة, ثابر في تحد لمواصلة الطريق حتي وجد ضالته أخيرا بعد ثلاث زيجات فاشلة وعلاقات عابرة ظللتها المتعة والفضول في اكتشاف أسرار بدت اعجازية حتي آلف الأمر. اعتاد شابلن أن يقتطف الثمار الناضجة من فوق شجرة الرغبة, دون أن يعر انتباهه لتلك الساقطات علي الأرض, أو التي امتدت إليها ايادي الآخرين, وإن حاول في بعض المرات العبث معهن للاكتشاف أو اارضاءً لرغبات نازعته. عرف النجاح وبلغ القمة، غرر به أحيانا حتي دفع ليقضم التفاحة رغما عنه أو بارادته, وعندما استفاق كان الداء استفحل ولم يشف منه سوي بتفاحة أخري لها مذاق طيب ورائحة خلابة .. وأحيانا أخري أوقع بعضهن في شباكه وأغرانهن بثماره, ربما من باب التباهي والمغالاة في عشق الذات. - الإعلانات - نزل النهر كثيرا ليتطهر فاقترف الخطيئة بغرض التوبة, ولم ينساق إلي حضيض الغواية, كان قادرا في اللحظات الأخيرة علي الاستيقاظ من سبات العشق إلي يقظة الطموح في تقديم فن يتحلق حوله الناس ويحقق له الشهرة والمال والألق والنساء أيضا. ظلت المرأة معضلته الرئيسية التي لم ينجح في فك طلاسمها، إلا بعد مرور نصف قرن من الزمان, وجاء الاستقرار في شكله الطبيعي بعد أن تقاعد عن العمل، فلم يرضي الفن بالتعايش مع المرأة، ولم ترضي المرأة بالتعايش مع الفن، كان لزاما أن ينسحب احداهما ليفسح مكان للآخر، ربما يكون “شابلن” عجز عن فهم النساء ولم يدرك أولوياتهن العاطفية والإنسانية, واولي عنايته بفنه أكثر من عنايته بهن, وربما يكون أكثر الرجال فهما لطبيعتهن وادراكا لمواقيت الخريف والربيع ومواسم الحصاد, قد تكون الغيرة تملكتهن من نجاحه, أو أن الرجل عشق الترحال علي صدورهن ولم يعشق الاقامة الجبرية, علي اية الاحوال هناك حقيقة لا يمكن اغفالها أن توتر علاقته بالمرأة صاحبه نجاح فني مذهل، وأن نجاحه كان بالضرورة يجلب عليها الفاتنات الساحرات. لا أحد يستطيع أن ينكر بعد قراءة شابلن أنه كان دنجوان من طراز نادر وشيك، يعرف جيدا كيف يحتفي بالمرأة ويثمن امكاناتها الجسدية والعقلية، ويبرع في وصفها وصفا دقيقا ومغريا دون تجريح أو تلميح خارج النص، لديه ذاكرة خصبة وعفية عندما يتذكر إحداهن وكأنه للتو غادر مجلسها وقد تعلق بيديه رائحة عطرها, ومن يتأمل زوجاته وعشيقاته يكتشف جمالهن الساحر الذي يخلب العقول ويذهب بالمنطق، لذا لم يفوت الفرصة في اقتناء العديد منهن, ولم يحرم غريزته من مذاقهن، انساق إليهن في نهم حتي يلتقط في يديه البدر في لحظة اكتماله. نستطيع القول أن الاستغناء عن المرأة فضيلة لم يفكر شابلن يوما في التحلي بها, فكان العصيان والتمرد وأحيانا الالحاد بالتقرب من الخطيئة ليكتشف أسرار المتعة حتي وأن كلفه ذلك الكثير، لم تمر عليه الجميلات مرور الكرام، فكانت محطته اجبارية للنزول لم يملكن القرار فيها, ولم يكن يستطيع أن يترفع عن القرب منهم. “”لم تكن النساء يثرن اهتمامي بتاتا خلال عملي, بل فقط بين فيلمين, حين أكون عاطلا تماما عن العمل, أكون عندئذ قابلا للوقوع في شباكهن. وكما يقول هربرت جورج ويلز: “يأتي وقت خلال النهار بعد أن أمضينا فترة ما قبل الظهر في كتابة بعد الصفحات, وفترة بعد الظهر في الرد علي الرسائل, ولم يعد لدينا ما نفعله, عندئذ تحل ساعة الضجر, هذه الساعة هي ساعة الحب”” من السذاجة وقصر النظر التعويل علي شهارات العشاق بعر كتابة كلمات النهاية علي حكاياتهم, فنادرا ما نجد من يقيم الأمور تقييما منطقيا منصفا. فالعاشق الذي يري وجه حبيبته محتلا وجه القمر في خمرة عشقه, هو ذاته الذي يراها مسخا مرعبا في غمرة حزنه, فالمبالغة الشديدة في الحالتين تكون أداة أساسية للوصف, والمصادفة عندما تكررت أكثر من مرة تسقط عنها براءة القدرية, وتستوجب الفحص والتدقيق والقصد الناتج عن طباع وسلوك المرء, لذا ليس من الحكمة تعميد الحكايات من أفواه أصحابها, هناك دائما تكون الحاجة لشهود عيان أو أطراف أخري شريطة أن يتصفوا بالحيادية ولديهم حقائق ومواقف تدلل علي ما يسوقونه من روايات. الرغبة في الامتلاك وتضخيم الذات صفة مشتركة عند الرجل والمرأة تتناقص وتتزايد طرديا وعكسيا وفقا لشخصية كل واحد منهما, ليست كل الأمزجة متوافقة, وغالبا في حالات العشق لا تري العيون العيوب وتضخم من المميزات, لكن مع الصدام والانفصال تتضائل الحسنات وتفترش السيئات لتحتل المكان بكامله, ويا ليت الامر ينتهي عند هذا الحد بل احيانا يمتد ليشمل التشهير التجريس. احتلت المرأة في حياة “شابلن” عناوين مهمة تصدرت مانشيتات الصحافة, وتميزت جميعها بالاثارة التي لم تخلو من الفضائح، والتجريح في بعضا منها, ورغم ذلك لم تتمكن منه أو تعرقل طريقه, كان قادرا علي تجاوزها ولم يحسب لتداعياتها أي حساب, فعندما قوبل بالاستهجان من ارتباطه بالفتيات الصغيرات الذي تجاوز أعمارهن بفارق كبير من السنوات, نجده في المرة التالية ينتهج نفس النهج, وكأنه أسلوب حياة وشروط لا يقبل التنازل عنها, ورغم ما حاق به من فضائح نسائية لم يكن ليحتملها كائن من كان, استطاع في النهاية أن يبقي “شابلن” بأعماله وتاريخه وقيمته الفنية التي بقيت بعيدا عن الثرثرة والانتهاكات الذي كان سببا رئيسيا في صنعها, تحلي “شابلن” بطبيعة خاصة, فلم ينظر وراءه قط, ولو كان فعلها مرة ما تحرك خطوة واحدة نحو غاياته, وفي النهاية لم تبق من حكاياته سوي حكاية واحدة، هي الخلود والتفرد. *** هانا تشابلين ممثلة الميلاد: 11 أغسطس، 1865، والورث، المملكة المتحدة الوفاة: 28 أغسطس، 1928 ، كاليفورنيا، الولاياتالمتحدة الزوج: تشارلز سبنسر تشابلين (1885–1901) الابناء: تشارلي ، سيدني الأم هي الأم, هناك في لندن الفيكتورية أو في القاهرة الخديوية، تحمل صفات واحدة وملامح واحدة ودفء واحد.. فهل يكفي أن نقول الأم .. أم نردد تلك الكلمات المعادة والتي قد تفقد سحرها مع التكرار، لم تكن هانا الأم وشابلن الابن يتشاركان في مهنة واحدة وهي الفن, بل كانت رفيقة معاناة وألم وحالات شديدة من البؤس عاناها سويا وتجرعا ويلاتها. مثلت المرأة النحلة التي ذاق عسلها وتألم من لدغاتها, ومثلما كانت مصدر إلهام وواحة رحبة ارتكن إليها لالتقاط الانفاس, كانت أيضا مصدر لكثير من القلاقل التي واجهها بين الحين والحين, فالأم المعلمة والراعية عاني معها الامرين, كانت حالتها تزداد سوءا بالتوازي مع تحقيق نجاحات في مسيرته الفنية, ورغم أن “شابلن” حاول قدر طاقته تجميل صورتها في مذكراته, إلا أن الطبيب النفسي ستيفن وايزمان والذي وضع كتاب”شابلن: حياة في فيلم ” يكشف كثير من الأسرار التي تغافل عنها شابلن, حيث يقول “هجرت، سيدة كانت تعرف باسم (ليللي هارلي)، خليلها فجأة. كان اسم السيدة الحقيقي (هانا هاريت هيل)، أما خليلها فلم يكن سوي شارلي “شابلن” (الأب). تركت (هانا) وراءها أيضا عملها المؤقت كمدرسة موسيقي كي تبحر إلي جنوب أفريقيا لتتزوج رجلا ظنت أنه ينتمي إلي أسرة أرستقراطية وأنه قد ورث مقاطعة ثرية. والحقيقة، فأن هذا الرجل، ويدعي سيدني هوكس، لم يكن سوي رجلا معدما من أحد الأحياء الشعبية في لندن، يعتقد بأنه كان قد استغل (هانا) لأغراض الدعارة. عادت هانا إلي لندن وإلي المسرح بعد ذلك بطفل غير شرعي ومرض الزهري. وكان هذا الابن غير الشرعي (سيدني). أما ليللي، فهي كغيرها من النساء في حينه لم تكشف عن مرضها لبضع سنوات. كما عادت هانا أيضا إلي خليلها، شارلي “شابلن” (الأب)، الذي كانت قد هجرته من قبل, وسرعان ما تركت والده مرة اخرى مع شخص اكثر شهرة هو ” ليو درايدن ” بعد ان انجبت ابنا ثالثا، وفي عام 1898 كانت الفاتنة ليللي قد أدخلت المستشفي وشخصت باصابتها بداء الزهري، فيما انتقل شارلي وأخيه غير الشقيق للعيش مع والده الذي كان يسكن مع عشيقته. بيدّ أنه سرعان ما توفي الأب (شارلي شابلن) بعد ذلك بفترة قصيرة بسبب إدمانه علي الكحول، ولم يكن شارلي عندها قد تجاوز الاثني عشر عاما, تفاقمت حالة ليللي تدريجيا لتصل إلي حالة الجنون، وهي أمور لا شك أنها تركت بصمات عميقة وواضحة ليس علي شخصية ابنها شارلي “شابلن” والتي امتدت إلي سلوكه وتصرفاته اليومية وعلاقاته بالنساء بل وهوسه بالنظافة حيث عرف عنه استحمامه أكثر من عشرة مرات يوميا”. يرجح كثير من كتاب السيرة أن “هانا” مثلت نقطة ضعف الوحيدة في حياة “شابلن” الذي حاول مرارا أن يعوضها عن أيام البؤس التي عاشتها, لكن سوء حالتها الصحية كان يذهب بأحلامه في ادراج الحياة, فلم تعي هانا المكانة التي وصل إليها شابلن, ولم تنعم في رحابها حتي وأن بدا أنها تمتعت بثمار ذلك من خلال ما وفره لها من سبل راحة وخدمة واعتناء, فما تبقي من عقل وحكمة لم يستوعبا بالقدر الكافي, وكأن أقدارها كتبت عليها أن تعيش تراجيديا الحياة, بينما ابنها يوزع السعادة والبسمات مجانا علي الجميع دون استثناء وبوفرة جعلته يستحوذ علي الضحكات في سنوات طويلة ومازال, ربما عذبه ذلك كثيرا, فالأم لم تسعفها قدراتها العقلية من التحليق في هذا الفراغ الثري. يقول ستيف ويسمان –كاتب- “علمته امه حب المسرح وحب الابداع, لكن حالتها كانت تزداد سوءا, كانت تحلق في الناس شاردة وكان ذلك يفطر قلبه ويصيبه بالالم”. أما دايفيد روبنسون – كاتب- “حرصت أن تخبره قصص من الكتاب المقدس وتثقفه بقصص موسيقية, وكانت بارعة في التقليد, لكن الصدمة الكبري كانت عندما اخبره اطفال الحي الذي يسكن به أن أمه اصبحت مجنونة تقوم بتوزيع الفحم علي الناس في الشارع, مما اضطر أن يقوم باصطحابها بنفسه وهو لم يبلغ الرابعة عشر إلي المصحة, وكان هذا اشد أنواع العذاب والالم الذي تعرض له في حياته, خصوصا أن شقيقة سيدني كان في ذلك الوقت بالمدرسة البحرية, مما اضطره في غيابهما لافتراش الارصفة والبحث في صناديق القمامة عن ما يسد جوعه”. في 3 مارس 1921 أرسل “شابلن” في طلب امه إلي هوليود لتستقر بجواره, ويبدو أن الأم لم تكن شفيت تماما فأثناء عبورها بوابة الدخول سألها ضابط الجوازات هل أنت والدة شابلن: أجابت نعم.. وانت بالتأكيد يسوع المسيح. استطاع “شابلن” أن يوفر لها بيتا مناسبا في كاليفورنيا واستأجر عائلة لرعايتها والاعتناء بها, وكان نادرا ما يزورها, فرؤيتها كانت محبطة ومؤلمة بالنسبة إليه, فقد كانت حزينة ومأساوية وكأن الضحك فارقها للابد، داومت علي زيارته في بيفرلي هيلز لتري والديه من ليتا جراي “تشارلي وسيدني” ونصحته في إحدي المرات بالتخلص من تلك الازعاجات التي نشأت بينه وبين ليتا جراي بالسفر إلي الشرق للاستجمام رغم ندرة احاديثها, كانت تعي جيدا حجم الشهرة التي وصل إليها وثروته التي تتفاقم لكنها لم تبد رأيا حولهما. لم تكن امور “هانا” تسير علي وتيرة واحدة, فأحيانا كانت تتصرف بشكل مبالغ فيه يثير استياء من يحيط بها, واحيانا كانت تبدي آراء قيمة حول بعض الامور والتي كانت تكشف عن وعي وعمق شديدين, ثم تعاود ليصدر منها تصرف آخر مغاير للمألوف والطبيعي, اثناء انشغال “شابلن” بإخراج فيلم «السيرك» تلقي رسالة بنقلها إلي المستشفي، واخبره الأطباء بأن نكستها قد تكون خطيرة, عندما وصل إلى المستشفى كانت في شبه غيبوبة بسبب دواء أعطوه لها بقصد تخفيف الألم. في اللحظات الاخيرة “همست لها برفق، أمي هاأنذا شارلي، ثم تناولت يدها بين يدي فاستجابت في ضعف ضاغطة عليهما، وفي اليوم التالي أُبلغت أنها ماتت وكنت قد تهيأت لهذا النبأ ، حتى بعد الموت كان تعبير وجهها يبدو مهموما ، كما لو كانت تتوقع مزيدا من الألم”. اخيرا ترحل “هانا” بعد رحلة من العذاب بدأت من انجلترا وانتهت بأمريكا حيث دفنت في هوليود بجوار ابنه “نورمان” من زوجته الأولي ميلدرد هاريس, ولم يحضر “سيدني” مراسم دفنها لمرضه. وقد رثاها الشاعر جارسيا لوركا: ماتت والدة شارلو التابوت أهدي لها من طرف المستر هنري فورد شارلو في الشباك لا يتوقف عن البكاء دموعه فتافيت خبز قريبا من المقبرة يقبلها مخترع منذ الصباح لم تمطر السماء في الطابق الداخلي ثلاثة عصافير ميكانيكية تغني بدون انقطاع لو شئت لأمكنني بعث الآلهة من جديد». توضح هذه السطور, وسطور سابقة في الكتاب عن علاقة “شابلن” بأمه, وهي علاقة متشابكة ومعقدة لا تخلو من الدموع والضحكات القليلة, وكثير من الشفقة والحب والارتباط والتقدير لامرأة تخلي عنها الزوج والعشيق والأيام, وكذلك موهبتها في ذروة شبابها, بينما كانت في أشد الحاجة لواحدة فقط تيسر لها الراحة والطمأنينة, لكن الدنيا عاندتها بقسوة, ربما كانت تصرفات “هانا” في شبابها اتسمت بالتهور والجرأة, لكن العنوان الكبير في حياتها أنها تألمت كثيرا وذاقت صنوف من عذابات المرض والحاجة والنكران, ومرت عليها تجارب قاسية لم تستطع احتمالها وذهبت بما تبقي من حكمة, وظل “شابلن” شاهدا علي الكثير منها, بل تقاسم ايام معها بالغت في اسودادها وقتامتها.. كان لذلك تأثيرا سلبيا عليه تَكشف في علاقاته النسائية التي انتهت نهايات خالفت نهايات افلامه التي ازدحمت بالضحكات, وكأن الرجل يحاول أن يعادل بها الدموع التي تناثرت بكثرة في حياته, لم يدخر وسعا في اسعادها وتعويضها عما فات, لكن الوقت ظل العقبة التي احالت دون اتمام هذا السعي, لم ينجو “شابلن” من تلك الاحداث معافا بل تركت آثارها الغائرة التي لم تندمل, فهل كان ارتباطه بالفتيات الصغيرات تعزية لأمه وما حاق بها. يرجح كثيرون من الاطباء النفسيين أن ارتباط “شابلن” بالصغيرات كان لخشيته من العجز, وربما أراد “شابلن” أن يحصل علي اثمن وانضر ما يملكونه. صحيح أن الشهرة بدلت سنوات العذاب بأخري فرحة, والجوع بالوفرة, والعدمية بالتوهج, لكن ظل جرحا في القلب ينزف أفقده القدرة علي امتلاك قلوب حبيباته, رغم قدرته الفائقة في تحليلهن والكشف عما يجول به وجدانهن, لكن ظل هناك شيئا ناقصا في اتمام العلاقات لنهايات مرضية, أغلب الظن أن “شابلن” كان حماسه يفتر بعد فترة من العلاقة, يبدأ متوهجا مقبلا ثم سرعان ما ينطفئ هذا التوهج, خصوصا في ظل وفرة من المعجبات اللائي حاولن خطب وده. “لست أدري إذا كنت أعطيت أمي صورة جديرة بها, لكن ما أعرفه هو أنها تحملت دائما قسمتها الثقيلة من الحياة بمرح. كانت الطيبة والرحمة فضيلتيها الرئيسيتين. ومع أنها كانت تقية ورعة, كانت تحب الخطأة وتتماهي معهم دائما. لم يكن ثمة ذرة واحدة من الابتذال في شخصها, وأيا كان التعبير الذي كانت تستخدمه كانت تلجأ دائما إلي الصيغة المناسبة. وبالرغم من البؤس الذي كنا مجبرين علي أن نعيش ضمن ظروفه, حالت بيننا, سيدني وأنا, وبين أن نصير من السوقة, وأفهمتنا بأننا لسنا ناتج الفقر وحسب, بل أننا كائنان فريدان ومهمان”. *** لويز لا يمكننا اغفال لويز عندما نسرد للنساء في حياة شابلن, فرغم أنها عشيقة والده, ورغم أنه لم يعش معها فترة طويلة, وكان يبلغ من العمر ثمانية سنوات, فإن ذاكرته ظلت خصبة وهو يحكي عن تفاصيل تؤكد بأنها لم تمر مرور الكرام في حياته, وقد يلحظ البعض أنه تعاطف معها رغم عدم وجود تأكيدات صريحة لذلك, ولولا الجفاء الذي نشأ بينها وبين أخوه سيدني (غير الشقيق), كان من الممكن أن تشهد علاقته بها اجواء مختلفة, فعندما يوصفها يحاول أن يكون حياديا “فاتنة – طويلة ومتناسقة”, كما أنه كان يلق باللوم علي والده الذي كان يسرف في الشرب ويتغيب بالايام عن البيت, واوعز حالتها المتدنية إلي الكآبة التي تعيشها, لكنه لم يصرح بأنه كان يكرهها بل كان يخشاها فقط لعلاقاتها مع سيدني, ويؤكد ذلك بقوله” أنها لم تضربني ولا هددتني بالضرب” وسمعها ذات مرة تقول لصديقتها أنها لا تجد غضاضة في الاعتناء به, وحينما اشتد خلاف بينها وبين والده ذات مرة والقي في وجهها بفرشاة أشفق عليها، الحقت لويز بمأوي لامبيث هي وابنها وماتت بعد أربع سنوات من رحيل الأب. عندما شرع “شابلن” في كتابة سيرته الذاتية, قالت له روائية معروفة “آمل أن تكون لديك شجاعة قول الحقيقة”.. وكانت تقصد أسراره الجنسية والعاطفية, وعلق “شابلن” علي ذلك “أن البوح بأسرار العاطفية والجنسية لا تتيح فهم طبيعة شخص” مؤكدا أنه يخالف فرويد “لا اعتقد أن الحياة الجنسية تشكل العنصر الأهم في السلوك, فمن شأن البرد, والجوع والخجل الناتج من الفقر أن تؤثر أكثر علي النفسيات”, ويتضح من هذا الرأي أن “شابلن” كانت نيته معقودة ألا يصرح بكل العلاقات العاطفية والنزوات الجنسية, والامر لا يحتاج لتحليل وفطنة لاكتشاف ذلك من قراءة السيرة الذاتية, فالرجل كان مولع بالنساء ليس لقدرته علي وصفهن وصفا دقيقا بالمسافات والمساحات ودرجة نعومة الجسم, وأنما لأنه يعشق النساء وعلاقاته كثيرة ومتشابكة, كما أن ذلك سوف يسبغ السيرة بصبغة مختلفة تتفق مع دنجوان وليس أشهر نجم في القرن العشرين, و”شابلن” أذكي من أن يسرد حكاياته العاطفية علي حساب تاريخه الفني, هناك حكايات كثيرة لا يعلمها إلا أطرافها دفنت مع موتهم, وكل ما أذيع كان منشورا وعلي رؤوس الاشهاد, باستثناء حكاية فندق الالكسندريا والتي سردها بنفسه في مذكراته, والتي تكشف ما سبق وذكرناه من أن “شابلن” سريعا ما يخرج من شرنقة الوله بعد أن يطفئ ظمأ عاطفيا اطبق عليه, والواقعة كما حكاها “ذات مساء وصلت فيه إلي لوس انجلوس, عائدا من نيويورك, صعدت مبكرا إلي غرفتي وبدأت أخلع ثيابي وأنا أغني نغما كان شديد الرواج في ذلك الحين, وعندما كنت اتوقف شاردا مع أفكاري , يستأنف صوت نسائي قادم من الغرفة المجاورة الاغنية من النقطة التي توقفت عندها, وكنت اواصل بعد ذلك, إلي أن صار ذلك نوعا من اللعب حتي وصلنا إلي نهاية الاغنية, فاقترب من الباب الذي يفصل الغرفتين, وقلت بصوت هامس : كم هذا لطيف, وجاء صوتها : عفوا, فهمست : من البديهي انك تصلين للتو من نيويورك, واجابت: أنا لا اسمع ما تقول, فقلت : افتحي الباب اذن, فقالت سوف افتحه قليلا, لكن لا تفكر بالدخول, واختلست النظر إلي الغرفة لأري شقراء رائعة الجمال, لكنها قالت : لا تدخل, لكنها كانت تعلم من أنا وان غرفتينا متجاورتان, ثم طلبت مني عندما أراها في ردهات الفندق لا اعطي انطباعا بأني أعرفها.. وفي المساء التالي قرعت علي الباب وعدنا للهونا, وفي صباح اليوم التالي غادرت الفندق, واندمجت في عملي”. وهناك ايضا قصة امرأة لم يذكر شابلن اسمها التي التقاها في ألمانيا, وقد خرجت لتوها من قصة حب مع شاب مصري, علاقة عابرة جمعت بينهما, وكانا يدركان أنها ستنتهي حتما بعودته إلي أمريكا, لذا كان مقبول في علاقة كهذه أن يخصص لها مبلغا أسبوعيا نظير مرافقته إلي الملاهي والمطاعم والمهرجانات, يرقصون التانجو ويسبحون في اللهو حتي يبعثر الليل اطرافه, وتشرق شمس الصباح ليمارسوا من جديد الجنون الوقتي, لكن الامر لم يمضي كما كان مخطط له, فها هو شابلن يقع في حبها ويلف حول عنقه سحرها الذي يتمكن منه, وبات مجرد التفكير في العودة بمفرده أمر يدغدغ احشائه ويشطره نصفين, فكيف يستطيع أن ينسي تلك المرحة الفاتنة والجذابة. ذات صباح مشرق حدث المحظور بوجود غريمه المصري, العاشق السابق, في حفلة اقامها الكازينو, ليمتلئ المكان بغبار العاشقين, ويقررا العاشقان الجديدان الانسحاب تاركين الحلبة بعد أن كادا يختنقا من الاحراج والغضب, وفي طريقهما إلي الفندق, اخبرته بأنها نسيت قفازيها, فواصل طريقه إلي الفندق ورجعت هي لاحضارهما, لكن الامر طال وطال, حتي بدا أنه ليس للقفازين علاقة بهذا التأخير الذي دام ساعتين. وفي المساء كان شابلن يجهز نفسه لسماع كذبة تبرر بها التأخير, لكنها لم تفعل, الشك يقتل العاشق, رغم اتفاق المعاشرة الوقتية, فلما الحزن والغضب والوحدة, اسرع شابلن إلي غرفتها لكنها كانت خالية حتي من أنفاسها, وفي الصباح كان يعد المصيدة التي ستدخلها بقدميها, فأخبرها – كذبا- بأنه كلف من يتبعها فرآها مع عشيقها المصري, وكان يتمني مرة أخري أن تكذب عليه, لكنها لم تفعل وانهارت وهي تقسم بأنها لن تفعل ذلك ثانية, كانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير, وفي الصباح وهو يعد عدته للسفر إلي باريس راحت تبكي وتنتحب وتتوسل إليه الا يتركها, حتي اثارت شفقته عليها, واتفقا أن تصحبه إلي باريس وهناك يفترقان, وبالفعل سافرت معه, ثم توسلت مرة أخري أن يبقيها لنهاية النهار, وبقيت وتناولا الغداء وزارا معا لامالميزلان حيث كان يعيش نابليون وجوزفين, وانفض اليوم ولم تفلح محاولات التوسل والبكاء ليعود مرة أخري إلي لندن وتنتهي القصة التي بدأت بالضحكات بكثير من الدموع. *** هيتي كيلي راقصة الميلاد: 1893 الوفاة:1920 شرارة الحب الأولي التي اصابت قلب “شابلن” جاءت في وقت لم يحدد فيه شيئا, ولم يتحدد شيئا لمستقبله, فقد كان ارتياده للمسرح والعمل نمطا من الحياة ليس أكثر من ذلك, طريقة لمواصلة العيش ومجابهة متطلباتها, كان التحدي الاكبر أن يستمر دون توقف حتي لا يعيد ذكري أيام مضت لم تحمل غير الاسف والحسرة والتي وصفها بمرارة بالعار الاجتماعي, بدأ يحس الشاب الذي لم يتجاوز التاسعة عشر برغبة في الاحتياج والغواية فاغترف ما شاء من ثمرات فحولته, وارتشف كئوس لم تسكره, بل كانت تعيد له الوعي, ولم يستهويه شيئا, كان في حاجة إلي مغامرة أو خيال جديد يبحر به في عوالم أخري تفصله عن واقعه المتكرر والذي بدأ يضيق به. أغلب الظن أن “شابلن” اتخذ قرار بالعشق, فالشاب أصبح ممثلا كوميديا معروفا, حقق نجاحات مع فرقة الفريد كارنو وتداول اسمه كثيرا هنا وهناك, لكنه كان يشعر بأنه آلة تبحث عن لقمة العيش لطرد أشباح الجوع والشظف, وأدرك حينها أنه بحاجة لمغامرة عاطفية تحرك المياه الراكدة داخله, فانكب يبحث دون وعي عن هذا السحر وتلك المغامرة, وحدث ما كان يصبو إليه, ففي ستريتام امباير حيث كان يؤدي دور سكير في اسكتش العصافير المتمتمة وأثناء جلوسه في الكواليس انتظارا لتأدية فقرته بعد انتهاء فقرة لفرقة “يانكي دودل غورلز” حدث أن انزلقت قدم إحدي فتيات الفرقة “هيتي كيلي” فأنفجرت الاخريات بالضحك, لكن الحادث وقع عليه كالصدمة عندما التقت عينه بتلك البائسة التي كانت مثار ضحك أقرانها, ليجد نفسه وقد ألقي كيوبيد بسهامه المتتالية مخترقه قلبه, حيث يصفها “شابلن” “عينين كبيرتين قائمتين تبرقان مكرا, في وجه بيضوي بهي لظبية رشيقة, لها شفتان ممتلئتان ساحرتان وأسنان رائعة”, حاول “شابلن” خطب ودها بترتيب لقاء بينهما بعد ظهر أحد أيام فوافقت الفتاة التي لم يكن عمرها يتجاوز الخامسة عشرة. هناك قصص من الحب تنتهي قبل أن تبدأ, كانت حكاية “شابلن” وهيتي من ذلك النوع, بعدما فشل “شابلن” في ادارتها بالشكل اللائق, وكان اندفاعه سببا في اخافة هيتي, كما أن تعجله في انجاز العلاقة في وقت قصير دون معرفة تفاصيل عن حياتها أمر في غاية الغرابة جعلها ترتاب في الأمر برمته خصوصا أن تجاربها معدمة, وتكاد تري الحياة في بواكيرها الأولي, أغلب الظن أن “شابلن” كان مبهورا بهيتي لحد الانصياع التام إليها دون تفكير وخشي أن تضيع من يديه, فعندما اتفقا بعد الميعاد الاول أن يصحبها إلي تمريناتها الصباحية, انهي عمله في الساعة الثانية صباحا وتوجه فجرا لانتظارها, حاول أن يحتفظ بها فحصدت يديه الريح واطبقت علي الفراغ والوحشة اللذين رفاقاه سنين طويلة. وربما لم تجد “هيتي” في شابلن فتي لاحلامها التي داعبت خيالها. قبل هذا الحادث الرومانسي كانت حياة “شابلن” تفتقد للشغف العاطفي وأجواءه المخملية: دلالات الورود وروائحها, إشراقة صباح جميل تلطف من برودته أشعة الحب الملتهبة, لهفة انتظار الحبيب بآخر ما تبقي من نبضات قلب اضناه العشق وأحرقته اللوعة.. تجاوز الزمان والمكان عبر نغمات حالمة تحلق في اللامعقول وتسبح في بحار بعيدة, عتاب الليل الذي يجر قدميه ببطء لإهانة كبرياء العاشقين.. البحث عن كلمات جديدة لم يتم تداولها احتراما لفيض من المشاعر تكاد تفطر احشاء من يحملها.. الاعياء والقوة في آن واحد.. التقاء الشمس والقمر بغية تسفيه الطبيعة واخضاعها.. نحت الاسماء علي صفحات المياه دون ملامة من أمواج تستحي الاقتراب منها وطمسها.. فتن “شابلن” بالحالة العاطفية وعشم نفسه باستدعاء كل قصص الحب واختزالها في حكايته, حاول أن يعزي أيام الحرمان من خلال “هيتي” التي لم تفهم رغباته المكنونة, والذي لم يفلح في تصديرها والتعبير عنها.. انساق وراء النتيجة التي ترضيه.. تُري هل حاول “شابلن” أن يعيد تجربة “هانا” الأم و”تشارلز” الأب, من جديد وبعثها للحياة, لقد تزامل الأب والأم ومثلا معا في الميلودراما الايرلندية “شاموس اوبريان” قبل أن يولد, فهل يستطيع أن يكتب حكاية جديدة مع “هيتي” التي تمتهن الفن مثل أمه؟ هل أراد أن يصحح مسار الأيام حتي يمحي من ذاكرته الصورة السلبية عن والده التي ترسخت في ذاكرته؟ وهل كان يعفي أمه من اللوم علي احترافها البغاء أو تعدد علاقاتها؟ ألقي “شابلن” كثيرا من اللوم علي الأب الذي هجر أمه وعاش مع عشيقته “لويز”, ليعانيان معا ويذوقا العذاب الوانا باهتة وفاقعة, لكن “الابن” أيضا ابحر في تجاربه وعلاقاته التي فاقت ما فعله الأب عشرات المرات, حتي اتهمته إحدي زوجاته بأنه ترك ابنيه ولم يعد يصرف عليهما, ذات التهمة التي كانت ترددها “هانا” وفاوض بعضهن في التسويات المالية حتي وصلت لساحات المحاكم. الفرق بين “شابلن” ووالده, أن الأول كان لديه أموال اذابت الجليد, والثاني تملك منه الشرب وقلة الحيلة. اسئلة كثيرة قد تتبادر لذهن البعض, نطرحها ليس بغرض اهالة الثري, وإنما لنذكر أنفسنا أنها كانت تعتمل في رأس “شابلن” وترهق سكينته، ربما هذا ما جعل علاقاته النسائية متوترة. بكل هذه الأوشام المنحوته في وجدانه أقبل “شابلن” علي “هيتي” محاولا كتابة سطور ناصعة في حكاية لم تتم, حاول قدر طاقته أن يسبغها بملامح مختلفة تشعبت بالرغبة في النجاح وليس التعبير عن مشاعر فياضة, حيث يقول “في الواقع لم تكن الرغبة في علاقة مهمة بعواطفي, إن ما كان يهمني بوجه خاص إنما صحبتها, فالتقاء الأناقة والجمال في وضعي كان أمرا نادرا” كلمات تشرح كثير من الأمور, وتطرح كثيرا من الاسئلة. أن اقامة علاقة عاطفية ترتب كثيرا من الفوضي الانسانية التي لحقت به في طفولته وصباه, وتجعله يشعر بأنه يشبه الآخرين. استعد “شابلن” للقاء “هيتي” مرتديا بذلة قاتمة أنيقة وربطة عنق سوداء, حاملا عصي من الابنوس, وكان قد عزم النية علي اصطحابها للتروكاديرو, فقام بسحب ثلاثة ليرات من المصرف, ولم يكن اختيار المكان مصادفة, بل كان مرتب له ليتوافق مع الحالة التي أراد “شابلن” أن تراه عليها الحبيبة, مكان فخم وشيك يرتاده الصفوة, تعزف الموسيقي لرواده أثناء تناولهم الطعام, مشبع بأجواء حالمة وأنيقة قد تساعد علي تصدير انطباع جيد للفاتنة الصغيرة, وتنقله بلا شك لطبقة اجتماعية أخري تطلع إليها. تلاقي العاشقان الصغيران ونجح “شابلن” في اصطحاب “هيتي” للمكان وفق الخطة المعدة مسبقا, وحاول اقناعها بالعشاء, لكنها رفضت واكتفت بساندوتش, وقد اربكه هذا بعض الشيء لأنه اضطر أن يطلب عشاء ليبرر شغلهما مائدة في مطعم أنيق, ويا ليته ما فعل, فقد مثل العشاء محنة أخري كان في غني عنها, حاول قدر طاقته أن يبدو طبيعيا في التعامل مع الاطباق واغطية المائدة, لكن كل ما كان يحدث حوله لم يكن مألوفا أو طبيعيا, وبدلا من أن يقفز في أول لقاء لبراح أوسع خنقته طقوس لم يألفها ولم ينجح في التظاهر بتناغمه ما مع يحيط به, فكان الخروج من التروكاديرو فرصة لالتقاط هواء يملأ صدور كادت أن تختنق, تجاذبا اطراف الحديث في موضوعات شتي, مثلت ل”هيتي” قتل الوقت والتسلية, وكانت بالنسبة ل”شابلن” بداية تقويم جديد لحياته. مال “شابلن” بكل عواطفه تجاه “هيتي” وانجذب إليها بشكل مبالغ فيه, وازدادت هذه العاطفة لتطمح في اكثر من الاعجاب وبدا متعجلا في تحقيق تقدم آخر تمثل في الاستحواذ بعدما أقنع نفسه بأن الاقدار اختارت له هذه الفتاة فأفلت زمام التعقل من يديه وانفرطت مسبحة التروي. اتفقا علي اللقاء صباحا اثناء مرور “هيتي” لتأدية تمريناتها الصباحية, ولأن القلب ملتاع بالهوي, مشغوف برؤية الحبيبة, لم يستطع “شابلن” الذهاب للنوم بعد تأدية فقرته التمثيلية والتي انتهت في الثانية صباحا, وذهب لينتظر هيتي في وقت مبكر قارب ساعات الفجر الاولي, ورغم تكاسل الشمس في القدوم وتباطئ القمر الذي كان مهيأ للرحيل تحامل العاشق علي نفسه ومضغ الوقت بين ثنايا احشائه حتي يمضي, ورغم أن الوقت لم يكن كافيا لكنه كان مرضيا علي اية الاحوال, وتكررت اللقاءات الصباحية ثلاث مرات, وفي المرة الرابعة كان اللقاء الأخير, فماذا حدث في هذا اللقاء, يقول شابلن: “كنت أعرفها منذ ثلاثة صباحات, ثلاثة صباحات قصيرة كانت تجعل ما تبقي من النهار غير موجود حتي الصباح التالي. لكن موقفها تغير في الصباح الرابع, استقبلتني ببرود, ومن دون حماس, ورفضت أن تأخذ يدي. وقد لمتها علي ذلك واتهمتها مازحا بأنها لا تحبني. ودار لقاء بيننا: هي: انت تنتظر الكثير, وأنا في الخامسة عشرة من العمر, وأنت تكبرني بأربع سنوات؟ هو: أنت لا تحبينني؟ هي: لا أدري هو: أنت لا تعرفين, إذن أنت لا تحبينني؟ – أترين أي نبي أنا؟ لقد قلت لك آني قد أتاسف لكوني التقيتك يوما. هي: لا أدري هو: أتتزوجيني؟ هي: أنا صغيرة جدا. هو: حسنا, لو كنت مضطرة للزواج, أكنت تتزوجيني أنا أو شخصا أخر؟ هي: لا أدري.. فأنا أحبك..لكن.. هو: لكن أنت لا تحبينني. – المحزن أنني تركت الأمور تمضي بعيدا, أعتقد أن من الافضل أن ننفصل ولا يعود يري أحدنا الأخر. – وداعا.. هي: أنا متأسفة. بقي مشهد أخير عندما قابل “شابلن” والدة هيتي واقنعها بالسماح له برؤيتها في محاولة لاعادة المياه إلي مجاريها, لكن الحقيقة أن المياه لم تسر في مجري من الاصل فابتلعت الأرض الجافة النذر القليل من المياه التي القيت بها, وكان لقاءً باردا تبادلا فيها كلمات بطعم الثلج ليمضي كل منهما في طريقه غير سالما أو معافا من آثار تركت علاماتها عبر الزمن, فكلما تداعت الذكري خفق القلب ونازعته مشاعر مرتبكة, وحدث ذات مرة واثناء سفرة ل”شابلن” إلي باريس علم أن فرقة هيتي تلعب في الفولي برجير, وعندما ذهب إليها اخبرته إحدي زميلاتها بأنها سافرت إلي موسكو في الصباح. تمر الأيام ولا حيلة للمرء من توقف سريانها.. عام مضي علي تلك الحادثة, لكن الفتي مازال يتجرع جرعات الحسرة والالم, وفي إحدي نوبات الحزن غامر بالذهاب ناحية منزلها ليفاجئ بلافتة مكتوب عليها “للايجار”, تملكه الحزن رغم أن العلاقة بينهما ذهبت لتسبح في نهر التايمز وغرقت في قاعه, إلا أن المحبين لا يقطعون الأمل في المصادفات التي تلقيها السماء, ليفاجئ بهيتي واقفة أمامه بشحمها ولحمها بأناقتها المعهودة ورقتها التي أسرت قلبه, وعندما أستفسر عن سبب وجودها في هذا المكان, أخبرته بأنها تقوم بزيارة لإحدي صديقاتها, كان “شابلن” في ذاك الوقت يمر بوعكة صحية تركت أثارها عليه, مما استدعي عطفها وحزنها عليه, تجاذبا الحديث واخبرته بأنها ستطير إلي باريس عند اختها التي تزوجت ملياديرا, وطلبت منه أن يصحبها لبيت اخيها فوافق وسهر ليلته هناك, مرت سنوات كثيرة وبلغ “شابلن” ذورته شهرته وفي ذلك الحين وردت إليه رسالة في بريده كانت من هيتي كيلي, تذكره فيها بفتاة بلهاء احبها منذ عشر سنوات, واذا كان يرغب في رؤيتها, فيسعدها ذلك, وأثناء زيارته لانجلترا في 1922 كان يعتزم أن يزور “هيتي” ويعشم نفسه بمقابلة خارج السياق يتم فيها محاكاة الماضي, لكنه فوجئ وهو علي مداخل انجلترا بخبر وفاتها لتكتب السطور الاخيرة من الحكاية بشجن في الوجدان ويحرم مرة اخري من لقاء يجمعه بها, ورغم أن اللقاء لم يكن ليعيد شيئا مما فات. *** مابل نورماند ممثلة – مخرجة – كاتبة سيناريو الميلاد : 9 نوفمبر 1892 الوفاة :23 فبراير 1930 الزوج: ليو كودي (1926 – 1930)
جميلة وساحرة ورقيقة, لها عينين واسعتين واهداب طويلة وشفتين ممتلئتين مرفوعتين بلطف في زاوية ثغرها, معبرتين عن الدعابة وكنوز الرحمة والحلم, هادئة الطباع خفيفة الظل, كما أنها تتمتع بشعبية وشخصية قوية لم تعكر صفو انوثتها, كانت محط انظار واعجاب كل العاملين بستوديو كيستون, حيث تعرف عليها شابلن هناك في بداية التحاقه للعمل به, تلقي تقدير الجميع الذين يسعون لتلبية كل مطالبها, تعلق قلب شابلن بها من النظرة الأولي, ومثلت البريق الذي كان يزدان به كيستون في ذلك الوقت, عندما اسند لها ماك سينيت المغرومة به مهمة اخراج بعض الافلام التي كانت تكتبها وهي لم تبلغ بعد العشرون عاما, اشعل ذلك الغصب في صدر شابلن رغم انه لم يخف افتتانه بها, وفي أول تعاون بينهما بصفتها مخرجة وقع صدام شاهده جميع العاملين الذين كانوا يعبدونها حتي حاول بعضهم الانقضاض علي شابلن, لكنها منعتهم من فعل ذلك, ربما حاول شابلن استفزازها, لكنها كانت صارمة وحادة فيما أبداه من ملاحظات وطلبت منه أن يمتثل لأوامرها وهو ما رفضه بشدة, ورغم ذلك ينصرف اعجابه بها خصوصا وانه كان يري بنفسه تواضعها مع العمال وسخاءها مع ابنة مساعدتها. كثيرا ما اختلي شابلن بها في الذهاب إلي السينما أو تناول العشاء, وعشم نفسه أن يكون هذا بداية لعلاقة عشق, لكن مابل كان قلبها مشغول بماك سينيت وأتاحت هذه العلاقة بسينيت فرص عديدة لملاقاتها والجلوس معها بصحبته, وان كانت لم تخف اعجابها بشابلن علي المستوي الانساني والفني واعتبرته صديقا وأخا ولا شيء غير ذلك رغم محاولات شابلن المتكررة خلال 12 فيلما اشتركا بهما سويا. ورغم ما حاق بعلاقتهما الفنية من مشاحنات لكنها لم تضمر له غلا أو حقدا, وكانت تستطيع أن تتخلص منه بسهولة, لكن طباعها الحسنة منعها من اقتراف ذلك الفعل, بل ظلت علي الدوام ودودة وراقية, ربما هذا جعل شابلن متيما بها وساعيا أن يكون لطيفا معها, منتهزا الفرص للتعبير عما يجيش به قلبه, ورغم صغر سن “مابل” كانت رجاحة عقلها وحسن تصرفها سببا في دوام علاقتهما, فإذا كان شابلن فشل في الاحتفاظ بها كحبيبة, فإنها نجحت باقتدار في الاحتفاظ به كصديق وحولت هذا الحب إلي طاقة ايجابية استفاد منها الأثنان محتفظين بماك سينيت الداعم لهما ومكتشفهما. لم ينس شابلن ذات مرة وهو يضع معطفها الفرو علي كتفيها إن قام بتقبيلها فبادلته القبلة حتي انسابت ارادتهما لولا أن آخرين كانوا ينتظرونهما, وعندما حاول شابلن مرة أخري إعادة المحاولة جاء رفضها لطيفا بأنهما لا ينفعان بعضهما البعض, وانتهت القصة قبل أن تبدأ واحتفظ شابلن بقبلة ظلت عزاء له يذكره بها حينما كان يشتد به الحنين إليها.. حرص شابلن علي تدشين علاقة عاطفية مع مابل الساحرة فهو لم يخف اعجابه الشديد بها, وأسفه الذي عبر عنه لعدم اتمام هذه العلاقة, لكن أقداره بخلت عليه, ومن يتتبع الاحداث بعد ذلك يدرك أن ذلك كان من حسن طالعه, فكل علاقاته العاطفية التي انتهت بالفراق, لم تخلف سوي التجاهل والنسيان وبعض المشاعر السلبية. أن شابلن مثل أي رجل يحتاج للمرأة, لكن واحدة لا تكفي, خصوصا إذا كانت لديها تاريخ صلاحية, ينطفئ بعده جذوة الحب تدريجيا حتي يختفي احمرارها الملتهب وهو أمر طبيعيا يحدث مع جميع العاشقين فيستسلمون له, أما شابلن فكان يعشق في الحب جنونه وجنوحه وبداياته المتحلقة في الافق البعيد والحاملة معها نسمات الرومانسية ونزق التغيير, فعندما يبدأ القلب معاودة سريان خفقانه المعتاد عند هذا الحد تدق ساعة الرحيل, ويبدأ البحث عن أخري, يحدث هذا مع بدايات الصعود والتألق, فكل مرحلة جديدة تحتاج لوجه جديد يرصد انصهاراتها ويضع لها عنوانا يناسبها, ولا يشترط المستوي الاجتماعي والثقافي, فالأمر يتوقف علي استعداد العاشق لقبول هذه أو تلك, والحالة المزاجية التي لا تضع شروط جودة أو متانة. كانت هناك بعض العلاقات العابرة التي لم تدم طويلا, فماري دورو التي جسد أمامها دور “بيلي” في مسرحية “شارلوك هولمز” في بداياته كان يشعر تجاهها بعاطفة شديدة لم يجرؤ علي الاعتراف بها, وبعد سنين طويلة يلتقيان في نيويورك ويصيرا اصدقاء, وفيكتوريا شيريل التي شاركته بطولة فيلم اضواء المدينة لم تدم سوي أسابيع تصوير الفيلم. تعدد العلاقات النسائية عند الفنان يرتبط بمدي النجاح الذي يحققه أو الفشل الذي يخفق فيه, أما الحالات المعتدلة والمعترف بها مجتمعيا, لا تشهد أي شيئا خارقا أو خارج التوقعات, أمرأة واحدة تجعل الحياة نمطية وروتينية, يغلفها الهدوء وراحة البال والاستقرار الاجتماعي المنضبط الذي يتحرك في مسارات معتدلة يقبلها المحيطون, وقد لا تشبع العاشق ولا تحرض علي الاتيان بما هو خارج التوقعات, وشابلن كان يعشق حالة الحب ذاتها وبداياته التي لا تخضع للقيود, ووفق شروطه الخاصة والتي أحيانا يتخلي عنها عندما تلح الحاجة بظهور فاتنة أخري تعوض ما أكلته الأيام من توهق وانسحاق. *** بيجي بيرس ممثلة الميلاد: 4 يونيو 1894 الوفاة : 26 فبراير 1975 في علاقته بالفاتنة بيجي بيرس توافرت كل الشروط لاقامة علاقة عاطفية تحمل مواصفات تتفق وطباع شابلن الرومانسية, فقد تعرف عليها شابلن في ستوديو كيستون, حيث كانت تعمل ممثلة به قبل التحاقه بالاستوديو, وتخصصت بالادوار المساعدة, واشترك في عمل واحد معها, تمتعت “بيجي” بجمال صارخ وملامح نحتت برهافة مع عنق ذي بياض باهر وقامة رائعة, احبها شابلن من النظرة الاولي وخفق قلبه لها, وبادلته الحب بنفس القوة والعنفوان, راقت له وراق لها, واكمل كل منهما النصف الثاني لدي الآخر, يبدأ صباحهما بالحب الساخن والكلمات المعسولة التي تحمل علي جناحيها طيور النورس, وينتهي ليلا بخناقة حامية تزيد من سهد الليل وأرقه حتي يأتي الصباح فينسونا ما عكر صفو الالتئام, عشقها وعشقته وتبادلا جرعات الحب سويا علي مرأي ومسمع الكثيرون, جرفهما الحب إلي المناطق البعيدة التي لم تطأها أقدامهما من قبل, احتلا في نهارات الايام ولياليها الجزء الاكبر منها, لم يتسرب الملل إليهما, وظلا الولع والوله يتزايدان مع الوقت, كثيرا ما ذهب إليها في بيت أسرتها فلم يكن يطيق الابتعاد عنها, وكانت تنتظر قدومه علي أحر من الجمر, لم ينفصلا في البيت والشارع والمطعم والمتنزهات حتي الاستوديو استطاعا أن يفسحوا فيه وقتا للعشق وتبادل كلمات الغرام, وعندما تأتي أيام الاجازات يكملان حالات العشق والهيام, توغل فيهما العشق والتهب وبلغ مراتب تنذر بالخطر, حتي بدأت تظهر علامات التملك من جانبها ومن جانبه, حاولا المقاومة لدوام العلاقة لكنهما فشلا في النهاية, بعد قصة من العشق الملتهب كاد أن ينتهي بالزواج لولا أن تراجع “شابلن” الذي كان يري أن الحرية مغامرة رائعة سيقيدها الزواج. يعترف شابلن وهو يكتب سطور النهاية في مذكراته عن هذه العلاقة الاستثنائية “كانت “بيجي” تحبني, لكنها قضية خاسرة, كانت تقاوم وكنت اقاوم إلي حين تخليت فيه عن مساعي, يائسا, في ذلك الوقت لم تكن لدي الرغبة في الزواج, وما من امرأة كانت علي مستوي الصورة الغامضة التي كنت أحلم بها في أعماقي”, فالرجل لم يكن يعرف علي وجه الدقة مواصفات بعينها تجعله يدخل قفص الزواج, خصوصا في وقت كان محط أنظار النساء وهي فرصة لم يجرؤ شابلن علي تفويتها بأي حال من الأحوال. *** ادنا بورفيانس الميلاد :21 أكتوبر 1895 الوفاة : 11 يناير 1958 الزوج : جون ب. سكوير واحدة من اكتشافات شابلن, تعرف عليها في 1916 عندما كان يبحث عن وجه نسائي يشاركه أفلامه, ولم يكن متأكدا أنها ستبلي بلاءا حسنا, لكنها خيبت ظنه, وقدمت 35 فيلما حتي أصبحت وجها مألوفا لدي جماهير شابلن, خصوصا وأنها أول من استوعبت “شارلو” وبادلته الحب والعطف دون قيد أو شرط, يصفها شابلن بأنها “فتاة جميلة, صامتة.. رصينة.. متحفظة.. لها عينين واسعتين رائعتين وأسنان جميلة وفم لطيف”, أول أفلامها معه فيلم A night out عاشا قصة حب تناقلتها الصحف, اصطحبها “شابلن” معه في رحلة إلي هونولو دامت شهرا, لم تخلو دعوة أو سهرة ل”شابلن” في مكان إلا وشوهدت معه وهي تتأبط ذراعه, سواء كانت اعياد أو حفلات للصليب الأحمر أو سهرات خاصة, كان نهارهما تصوير الأفلام, وفي الليل يتناولان العشاء معا, اقتربا من بعض حتي صارا الاثنين كيان واحد في الكادر السينمائي أو الحياتي, وبدا في الافق مشروع زواج لا يعطله سوي الاعلان عنه, لكن “شابلن” كان يعطي لنفسه فسحة من الوقت قبل أن يقبل علي هذه الخطوة رغم الحب الكبير الذي يكنه لها, لكن ولادة هذا الحب صاحبة انطلاق جامح لنجوميته وهو الأمر الذي لم يكن في صالح “إدنا”, فالنجومية تعني اصطفاف طوابير المعجبات في أي مكان يذهب إليه شابلن, وهي كانت تغار عليه بشدة, وجاء علي لسان “شابلن” “إذا ابدي أحد اهتماما بي في مناسبة, كانت تختفي, ثم يأتي أحد ليخبرني أنها أغمي عليها, ورغم أن ذلك كان يسعدني ويداعب غروري, لكن مع الوقت بدأت هذه الطريقة تضايقني”, ومع كثرة المعجبات اللائي كن يبدن اعجابهن به أنساق وراءه واهملها بعض الشيء, مما دفعها للانجذاب ناحية النجم الوسيم توماس مايغان وأقامت معه علاقة جنسية, عرف تفاصيلها من الممثلة “فاني وارد” وشعر باهانة شديدة وغضب عارم, ولما فاتحها في الامر أنكرت في بادئ الامر, ثم حاول “شابلن” من ناحيته أن يعيد المياه إلي مجاريها, وفعلت هي نفس الامر, وبعد ثلاثة أسابيع علي تلك الواقعة وأثناء ذهاب “إدنا” إلي الاستوديو لاستلام متعلقات مالية لها, رأها بصحبة رجل, وعندما اقترب منها قالت له “هل تعرف تومي مايغان” لم يظهر “شابلن” غضبه وتبادل معه المزاح وانصرفوا جميعهم, في تلك اللحظة أصبحت أدنا الحبيبة والزوجة المنتظرة أمرأة غريبة عنه يراها لأول مرة, فانقطعت العلاقة وغاص في العمل حيث كان النجاح مذهلا وقادرا علي أن ينسيه نفسه. “كنت اتعامل بجدية مع عملي, ومثل بلزاك, الذي كان يقدر أن ليلة حب تمثل التضحية بصفحة في رواية, كنت أعتقد أيضا أن ذلك يعني التضحية بيوم عمل جيد في الاستوديو” كانت ادنا أحد أهم حبيباته وأكثرهن مشاركة معه في الافلام, ذاقا معها النجاح, وحمل لديها كثير من الذكريات الجميلة سواء داخل البلاتوه أو خارجه, وساعدها كثيرا , فقد تحولت من فتاة نصف كئيبة إلي نجمة سينمائية قدمها في بطولة منفردة “امرأة من باريس”. وفي هذا السياق يري بعض المحللين، أن “شابلن” حاول الاستيعاض ببورفيانس عن أمه لذلك كان ارتباطه بها كبيرا, وسارت علاقتهما غريبة تناقضية، ثم حدث أن جاء “شابلن” بأمه من إنكلترا. وبدا عليه هنا أنه لم يعد في حاجة إلى علاقته بإدنا, وهو قول يحتمل الصواب, لكنه أيضا يحتمل الخطأ, فشابلن كانت شخصية متغيرة تبحث باستمرار عن الجديد سواء في الفن أو في الحب. ساعدت خيبة الامل التي لحقت بفيلم «امرأة من باريس»، علي تجمد المياه حتي اصبحت جليدا وانفصلا تماماً، حياتياً وفنياً، وثمة من بين النقاد من ينقب على الدوام داخل الفيلم سعياً للبحث عن إشارات تعزز هذه الفرضية: فرضية أن يكون «امرأة من باريس» إشارة على ذلك كله، ومهما يكن من أمر، فإن “شابلن” نفسه أعلن لاحقاً في صدر هذا الفيلم، وبصرف النظر عن مسألة علاقته مع ادنا بورفيانس بقوله: «إن فيلمي هذا لم يحقق النجاح الذي كنت آمله له… وأعتقد أن السبب في ذلك هو سوداوية نهايته التي لا تترك أي أمل»، وربما كان ما يقوله صحيحاً. ولكن الأرجح أن غيابه عن الفيلم كان العامل الأساس في عدم نجاحه, أو ان “إدنا” ساعدت للوصول لهذه النتيجة. شاركت “إدنا” في العمل مع شابلن في في 35 فيلما واحتلت النصيب الاكبر في عدد المشاركات السينمائية, فلم يقترب أحد من هذه النسبة, واقتسمت معه النجاح الذي شهد العصر الذهبي لسينما شابلن, ولا يمكن عند التأريخ لسينما شابلن اغفال اسمها أو المرور عليه سريعا. وبقي الشريط السينمائي مدللا علي أن العلاقة التي كانت تربط بينهما أكثر من كونها علاقة فنية فقط, وهو الامر الذي لم ينفيه احدا منهما, ويبدو أن اقدارهما شاءت أن تظل العلاقة باقية ببقاء أفلامهما, وربما هذا اقصي ما كانت تتمناه “ادنا”, ورغم أن “اونا” أم ابناءه بقيت في السيرة الذاتية له, لكن “ادنا” بقيت في ذاكرة الجماهير, ورغم انفصال شابلن وادنا عاطفيا, ظل شابلن حريص علي أن يكون هناك تعاونا فنيا, لكنها – علي حد قول شابلن- تصورت أنها ربة العمل. ورغم انتقال شابلن إلي سويسرا فإنه ظل يدفع لها راتب حتي وفاتها. *** ميلدرد هاريس الميلاد: 29 نوفمبر 1901 الوفاة: 20 يوليو 1944 الزوج: تشارلي شابلن (1918-1920) ايفرت تيرينس ماكغفرن (1924-1929) وليام ب. فلكينستين (1934 -1944) لم يحتاج المرء إلي فراسة أو ذكاء ليكتشف أن زواج شارلي “شابلن” الأول من “ميلدرد” هاريس (16 عاما) كان خطأ كبيرا اقترفه بمحض ارادته، فالأمر لم يكن أن يتجاوز بأي حال من الاحوال سوي علاقة عابرة يرتشفان فيها المتعة ويمضي كلا منهما إلي طريقه, لكن “ميلدرد” الصغيرة الحالمة والطموحة كانت تخطط للارتباط من “شابلن” الذي لديه كلمة السر لفتح مغارة علي بابا, فنان مشهور وغني, ويمكنه أيضا أن يزيل آفاق غائمة في الفن تيسر لها الطريق للتحليق في سماء هوليوود. تم الزواج بعد اسابيع قليلة من تعارفهما, ولم يكن “شابلن” مستعدا لذلك, لكن عندما أخبرته “ميلدرد” بأنها حامل, خشي علي نفسه من الملاحقة القانونية لأنها كانت تحت السن القانوني (قاصر), فكان عليه اتمامه وهو في الغالب لم يكن مستعدا لذلك, لكنها الضرورة التي جعلته يسرع بالامور دون أن يفهم أشياء كثيرة عرقلت استمراره ودوام العشرة بينهما, رغم انه لاحت في الافق علامات واضحة تؤكد باختلاف الطباع والميول والاهداف. بدأت الحكاية في نهايات عام 1917 عندما تلقي “شابلن” دعوة من صديقه المنتج اليهودي “صمويل غولدون” لقضاء يوما علي الشاطئ, فلبي الدعوة, وكان يوما مرحا تجمع فيه فتيات جميلات ونجوم مرموقين، وبعد مرور ساعات قصيرة من ذلك النهار وصلت إلي صحبتهم الممثلة الجميلة “ميلدرد” هاريس وكان محط أنظار الجميع, مصطحبة رجل يدعي “هام”, ويبدو الامر حتي تلك اللحظة عاديا ومألوفا، وقد لاحظ “شابلن” أن “ميلدرد” تلاحق بنظراتها الممثل الامريكي “ايليوب ديكستر” الذي لم يلتفت إليها اطلاقا، وعندما تحضر “شابلن” للرحيل طلبت منه “ميلدرد” أن ينقلها معه إلي المدينة، لانها تشاجرت مع صديقها “هام” ورحل تاركها بمفردها بعد أن لاحظ تعقبها لايليوت مما اثار الغيرة في قلبه. وبعد أن ركبت معه السيارة، حاول استيضاح الامر عن صديقها “هام” اعترفت له بأنها تجد في “ايليوت” رجلا رائعا. الأمر لا يحتاج لتفسير أو توضيح، سيدة بصحبة رجل، تغازل رجل آخر, وكان طبيعيا أن يشعر “شابلن” تجاهها بأنها فتاة بلهاء ثرثارة, وأن التخلص منها بانزالها إلي مكان اقامتها بمثابة استعادة لانفاسه مرة أخري, ثم عاد إلي مكان اقامته “الاتلنتيك كلوب” لم تمض سوي خمس دقائق حتي رن جرس التليفون, وكانت الانسة هاريس, وجرت المكالمة الاتية: هي: ماذا تفعل؟ لم أجد ما اجيب به في اول الامر، فعلاقتنا لم يمر عليها سوي ساعات قليلة، لكني اجبتها بأنني استعد النوم، وبدأت في توجيه اسئلة عادية وساذجة وقمت بدوري بالرد حتي انني وجدت نفسي اغازلها مع مرور الوقت!!!! وعندما سألتني متي أراك؟ قلت لها بسخرية أنها بذلك تخون ايليوت، لافاجئ بها تقول بأنها ليست مهتمة به، مما دعني لالغاء النوم ودعوتها لتناول العشاء معي بالخارج!!!! ثم يضيف ” ومع أنها كانت جميلة وناعمة في ذلك المساء، لم يكن لدي المرح أو الحماس اللذان يثيرهما في نفسي عموما وجود فتاة جميلة معي.. لم يكن ممكنا أن يكون اهتمامها بي أكثر من اهتمام جسدي!!! وقد كان القيام في هذا الاتجاه بخطوات حالمة تولد لدي شعور بأنها تتوقعها مني، امرا يتطلب جهدا كبيرا!!!!! ويبدو من كل ما سبق بأن الانسة هاريس فرضت نفسها عليه فرضا قسريا، ويبدو ايضا من خلال ما سبق أن “شابلن” لم يمانع في اي شيء سواء كانت لديه رغبة أو أن الامر كان يستلزم جهدا لاثارته, تعاقبت اللقاءات بعد ذلك في أماكن عامة وأماكن مغلقة, وبدأت عاطفة تسري في الوجدان من قبل الاثنان, واندفع “شابلن” في علاقة كانت مرشحة للفشل. تزوج شارلي من “ميلدرد” هاريس، وكان زواجه منها نوعا من الكوميديا، حيث تساءل بعد أن تزوجها “هل هذه هي الفتاة التي كنت أريدها؟ كنت في ورطة! فمع أني لم أكن في حالة عشق، كنت أريد أن أصبح عاشقا!! وقد تزوجنا فعلا ، كنت أريد أن ينجح زواجنا. لكن بالنسبة ل”ميلدرد” كان الزواج مغامرة، لم يكن لديها إحساس بالواقع, ولم تكن تسمع كلمة واحدة مما أقوله لها, وكان ما يغيظني حقا أشد الغيظ هو موافقتها المستمرة على كلامي، ثم القيام بالعكس تماما!!”. انجبت “ميلدرد” طفلها الاول “نورمان” والذي جاء مشوها ومات بعد ثلاثة ايام من ولادته, وقد مثل رحيله صدمة كبيرة – كما يقول دايفيد روبنسون- ربما هذا ما جعله يفكر في عمل فيلم عن الطفل. اجمع كل كتاب السيرة والمحللين علي أن “ميلدرد” هاريس كانت اختيار خطأ, خططت له بعناية كما يقول “جيفري فانس” – كاتب سيرة- واعتبرت أن “شابلن” هدف ثمين يجب ألا يفلت من يديها, فتوالت اللقاءات بينهما وأدعت أنها حامل رغم انها لم تكن ذلك, وهو ما جعل “شابلن” يسرع بالزواج منها حتي لا يفتضح أمره, لكن بعد الزواج حملت منه. أما دايفيد روبنسون فيقول أن فترة زواجه من “ميلدرد” كانت الاقل ابداعا في مسيرته الفنية, كان يبدأ بكتابة فيلم ثم يتوقف عن اكماله, تصادف ذلك مع وجود مشكلات في انتاج وتوزيع الافلام, فقام بتكوين شركة الفنانين المتحدثين مع صديقيه ماري بيكفورد ودوجلاس بيرفانكس, وأثناء توقيع عقد الشركة لاحظ الجميع حالة الحزن التي بدا عليها, ولم تنجح عينيه في اخفاء الألم الذي كان يعتصره, وباءت محاولاته بالفشل في أن يبدو طبيعيا أمام الكاميرات التي صورت هذا الحدث. عندما تلقت “ميلدرد” عرضا من شركة جولدن مترو ماير عرضا بتقديم 6 افلام مقابل 50 ألف دولار, اخبرها “شابلن” أن يمكنه الحصول لها علي نفس المبلغ للفيلم الواحد, فأبدت موافقتها, لكنها وقعت العقد مع الشركة وضربت بكلامه عرض الحائط, وسرعان ما نشبت خلافات بينها وبين الشركة, فطلبت منه التدخل, لكنه بالطبع رفض لأنها لم تسمع نصائحه في هذا الشأن, مرت الأيام بينهما متشابه افتقدت للحميمية والود, وبدا البيت حزينا, ساعد علي ذلك غياب “ميلدرد” عن البيت بالايام في رحلات مع اصدقاءها, حتي جاء اليوم الذي اخبره فيه صديقيه ماري بيكفورد ودوغلاس فايرنكس عن الشائعات التي تحوم حول زوجته, لم يرغب “شابلن” في تصعيد الامر واتفق معها علي الطلاق بهدوء, وطلب منها أن يتركا الامر للمحامين ليتفقا علي الصيغة النهائية. لم يمر سوي أربعة أيام علي رحيله طفله بدأ في اجراء تجارب مع اطفال صغار لاختيار أحدهم ليشاركه بطولة فيلم “الطفل” حتي وقع اختياره علي “جاكي كوجان”, وقد ساعدت موهبة “جاكي” علي تطوير فكرة الفيلم, حيث كان يملك موهبة خالصة وذكاء حاد, وبدأت الفكرة تتبلور حول متشرد يتبني طفل يجده ملقي بالشارع, أثناء تحضير الفيلم اتهمته “ميلدرد” علي صفحات الجرائد أنه هرب من منزل الزوجية منذ عدة شهور, وان هذا التصرف يؤكد انه لا يريد العيش معها, وقامت بتفويض المحامين لرفع قضايا الطلاق. لم تكن السنوات العشر هي الفارق الوحيد بين “شابلن” و”ميلدرد”, لكن رجاحة العقل والحكم علي الامور بنظرة واقعية مثل فارق صارخ اجهز علي العلاقة, فرغم أنها كانت تتمتع بجمال ملائكي لا تخطأه العين, كانت رغباتها هي الدافع الذي يحرك مشاعرها وبوتيرة سريعة افتقدت للذكاء والعمق, ولم تكن دافعا لشابلن بأي حال من الاحوال, فاثناء فترة زواجهما لم يقدم سوي فيلم Sunny Side وعلي حد قوله انجزه “بخلع الضرس”. لم تترك الصحافة الامر يمر دون التعليق عليه, وبدأت المقالات ورسوم الكاريكاتير تتهكم علي الرجل الذي كانت نجاحات أفلامه تملأ صفحاتها, خصوصا ان “ميلدرد” كانت تغزي هذه الصحف بالاخبار الكاذبة لتكسب دعما في قضيتها التي رفعتها ضد شابلن. ومن ناحية أخري استغلت شركة الفورست ناشونال هذا الامر, وحاولت سحب فيلم “الطفل” منه لكنه نجح في الافلات منهما, تم تسوية الامر مع “ميلدرد” قضائيا وحدث الطلاق الرسمي في نوفمبر 1920 بحصول مليدرد علي 200 ألف دولار ونصف ممتلكاته, وانقطعت علاقتهما, لكنها تركت جرحا في قلبه نجح في تجاوزه بالعمل. *** ليتا جراي الميلاد : 15 أبريل 1908 الوفاة: 29 ديسمبر 1995 الزوج : تشارلي شابلن (1924-1927) هنري أغيري يوم آرثر باتسي بيزولونجو (1956-1966) الأطفال شارل و سيدني شابلن خرج شابلن من تجربة زواجه الاولي مثخن بالجراح, كانت اكثر آلامه رحيل طفله, ولجوء زوجته إلي القضاء لابتزازه ومحاولة الصحافة تشويه صورته بالتشهير به, ليدخل تجربة أخري مع مراهقة اخري “ليتا جراي” وكأنه لم يعي الدرس الأول الذي كبه خسائر جمة, وكان قد تعرف عليها اثناء تجارب اداء فيلم الطفل, ولأنها كانت صغيرة حينذاك (12 عام) انتعلت حذاء أمها وصففت شعرها لتبدو في عمر متقدم, واستطاعت أن تسلب عقل شابلن, فأوجد لها مشهد الحلم بالفيلم والتي تمثل فيها الملاك اللعوب, والغريب أن الغالبية العظمي من النقاد رأوا أن هذا المشهد ليس له علاقة من بعيد أو قريب بأحداث الفيلم, وبدا وكأنه سرياليا ولقيط, يمكن بسهولة حذفه، ورغم أن مساعدي شابلن اجمعوا بأنها ليست جذابة الصورة أو موهوبة علي نحو خاص, كان اصرار شابلن شديدا وحازما لم يستطع أحد أن يثنيه عنه. بعد ثلاث سنوات أسند لها شابلن بطولة فيلم “حمي الذهب” وأقام معها علاقة غرامية حملت علي أثرها, حاول شابلن أن يقنعها بالاجهاض, حتي لا تستطيع القيام بالدور, ولكنها عائلتها رفضت الفكرة من أساسها واجبروه علي الزواج من ابنتهم التي كانت تبلغ من العمر 15 عاما بينما شابلن يتجاوز هذا الرقم بعشرون عاما, ولأن “ليتا” في ذاك الوقت كانت قاصر, ذهب إلي المكسيك ليتم الزواج هناك لتكون المرة الثانية التي يتزوج فيها من مراهقة, ولكن هذه المرة تختلف عن سابقتها, لأنه اجبر عن غير ارادة, وهو ما صرح به بالفعل لليتا, قائلا: انه اضطر لذلك تجنبا للسجن لاسباب اجتماعية, والغريب أن تنجب ليتا جراي ابنين في سنتين متتاليتين 1925 و1926 (سيدني وتشارلز), فإذا كانت الحياة لا تطاق, كان أولي ألا يحرصا علي انجاب أطفال, خصوصا وأن شابلن تزوج رغما عنه, ومن ناحية أخري كانت ليتا تشكو من هجره للبيت, عموما لم يغير الطفلان الوضع بينهما واستمرت الاوضاع من سيء إلي اسوأ, وعندما بلغت “ليتا” الثامنة عشر هجرت البيت وطالبت شابلن بالطلاق لتضع النهاية لأسوأ علاقة نسائية عاشها شابلن. قالت ليتا في شكواها للمحكمة بأنه لا يتكفل بإطعام ولديهما، وأنه حتى لا يهتم برؤيتهما في الكريسماس, وكشفت وثيقة الطلاق التي تألفت من 50 صفحة ، أنه كان يطلب ممارسات جنسية مقززة ومهينة، وانه اضطر للزواج منها بعدما أغراها وهي بسن 15 وحملت منه بعد عام من ذلك. عاش شابلن في ذاك الوقت أصعب فترات حياته وهو يري الصحف تتناول حياته الخاصة وتتعرض لوالديه الصغيرين بهجوم شرس, ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل ذهبت الجمعيات النسائية هجومها ودعت إلي جمع التبرعات لاطعام اطفال شابلن مما كان له الأثر علي شعبيته, وسقط حكم المحكمة كالصاعقة علي رأس شابلن بعد أن حكمت بدفع 600 ألف دولار لزوجته و100 ألف دولار لكل ابن من ابنائه, ليكون المجموع 800 ألف دولار مسجلا أكبر نفقة دفعت لمرأة في ذلك الوقت في سابقة كانت الأولي, ويقال أن شعر رأسه في هذه الفترة تحول من اللون الاسود إلي اللون الأبيض بين عشية وضحاها. ربما هذا ما جعل شابلن يضمر لها الكراهية ليس بسبب ما اقترفته من ظلم عليه ساعد الصحافة علي التشهير به ووصفه الصحافة آنذاك بالمتفسخ والداعر, وانما لضخامة المبلغ التي حصلت عليه, وعندما كتب شابلن سيرة حياته اكتفي بالقول بأن لا يريد أن يدخل في أية تفاصيل حول هذه الزيجة, لأنه خرج منها بولدين يعتز بهما كثيرا, ولم يذكر اسم “جراي” بالاسم في مذكراته ولا تفاصيل عن علاقتهما، إلا أن جراي ناقشت علاقتهما بالتفصيل في 14 فصلا بمذكراتها التي ضمت 22 فصلا, وقالت أنها كانت مفتونة به كنجم كبير, وانها حاولت أن تعيش معه حياة هادئة لكن الطريقة التي تم بها الزواج ظلت شوكة في حلقه لم يفلح في ابتلاعها أو احتمال ألمها, وأضافت بأنه كان حاد الطباع أثناء العمل لا يقبل آراء مغايرة لرأيه, وأن العاملين لا يعرفون شيئا عن السيناريو أو المشاهد التي سيتم تصويرها أو حتي مشهد النهاية, أدمنت ليتا جراي الكحول, ولم تدخر وسعا في الادلاء بتصريحات واراء عن شابلن دون مناسبة, فكانت مصدر لجأت إليه الصحف في محاولة لتشويه شابلن حيث كانت تطلق عليه “نابليون العصر الذي يبحث عن الحب” و “غول الفتيات الصغيرات” و”أبخل من بخيل موليير”، تزوجت جراي 3 مرات قبل أن تتوفى في عام 1995 عن عمر 87 عاما. *** بولا نيجري الميلاد:3 يناير 1897 الوفاة:1 أغسطس 1987 الزوج : الكونت أوغينيوز دامبسكي (1919-1922) الأمير سيرج مديفاني (1937-1931)
ممثلة ألمانية علي قدر كبير من الجمال والفتنة, حالمة ورومانسية تشع سحر اخاذ, التقاها شابلن في زيارته الاولي لألمانيا 1922في مقابلة لم تستغرق اكثر من 20 دقيقة, ويبدو أنها كانت كافية لتشعل الحب من طرفها, جاءت إلي أمريكا عندما تعاقدت معها شركة الباراماونت لتقوم بأول بطولاتها في هوليود من خلال فيلم “بيلا دونا” وحاولت أن تقترب من شابلن الذي لم يمانع وانجذب إليها, ففي أول لقاء بينهما ازالت الحدود والمسافات قالت له بجرأة تحسد عليها “تشارلي! لماذا لم تصلني اذن اخبارك؟ فأنت لم تخابرني علي الاطلاق, ألا تري أني قطعت كل المسافة من المانيا إلي هنا لأراك؟” وقد وجد شابلن في تلك المبالغة مداعبة لغروره رغم عدم تصديق ما تقوله, وقبل أن يفوق بادرته قائلة :” أنت قاس جدا, لانك لم تخابرني, فمنذ زمن طويل وأنا انتظر اخبارك اين تعمل؟ اعطني رقم هاتفك وأنا اخابرك بنفسي”, ربما يكون لقاءهما في ألمانيا تجاوز اكثر من العشرون دقيقة التي حددها شابلن بدقة, فما الذي يجعلها تتحدث بهذه الاريحية والثقة دون اشارات سابقة تمهد لذلك, ولو لم يكن الأمر كذلك, لكان علي شابلن أن يخشي منها!! فتلك المقدمات المبالغ فيها غالبا ما تؤدي إلي نهايات كارثية, لكن الغريب أن شابلن امتثل للامر, ربما يكون خجل من تصرفها, لكن ظهورهما فيما بعد بالأماكن العامة والحفلات كان له معان أخري وتفسيرات جمة أثارت فضول الصحافة خصوصا مع الزيارات المنزلية من جانب الطرفين في تلال بيفرلي هيلز. لم تنتظر الصحافة تفسير هذه العلاقة من جانب أصحابها, وبدأت بالقاء الاحجار في المياه الراكدة عساها أن تكتشف ما تخبئه في القاع, وكان أول حجر عنوان في صحيفة ذائعة الصيت : “بولا مخطوبة إلي تشارلي”, لم يحرك الخبر ساكن لشابلن, بينما انزعجت “بولا” وطلبت منه أن ينشر تكذيبا, لكنه رفض, وخيرها أذا ارادت أن تفعل فلن يغضب, ويبدو ان هذا التصرف من جانب شابلن اغضبها ايضا, لكنها تحايلت علي الامر بادعاء المرض، وعند ذهاب شابلن إليها رجعت الامور لما كانت عليه, ولم يمر سوي ايام قليلة, حتي اتصل به أحد مدراء الباراماونت وطلب منه أن يحدد موقفه تجاه “بولا” أما بعقد ارتباط أو بالانفصال, وهو الامر الذي لم يقبله شابلن, واخبره بأن الباراماونت ليست طرف في الموضوع حتي تقحم نفسها, وعند هذا الحد أخبره الرجل أن شركته توظف ملايين الدولارات في هذه المرأة وان هذه الدعاية تضر بها وبالشركة, فأجابه شابلن “أذا كنتم تتخيلون أني سأتزوج من واحدة لمجرد حماية توظيفات الباراماونت , فأنتم تخطئون كثيرا!”. حاولت “بولا” ابتزاز شابلن عاطفيا ولم تفلح, ربما كان هذا من تدبير الباراماونت الذي كان لديها باع طويل في طرق الدعاية لنجومها, ولكن شابلن كان يعي ما يحاك ضده ولم ينساق في توريط اسمه في اية التزاماته, وعلي فرض أن “بولا نيجري” كانت تحبه ما كانت تسمح لأحد أن يتكلم نيابة عنها في أمر خاص لم يشكل خطورة علي تعاقداتها الفنية, حتي أنها بعد هذه الواقعة لم تقوم بالاتصال به ابدا, وأغلب الظن أن شابلن كان يقضي وقتا فحسب لأنه لم يحاول حتي توضيح الامر لها وكأنه تخلص من عبء بدأ يثقل كاهله. *** ماريون ديفيس ممثلة أمريكية – كاتبة سيناريو- منتجة الميلاد: 3 يناير 1897 الوفاة : 22 سبتمبر 1961 الزوج : هوراس براون نجمة ذائعة الصيت والشهرة, كانت علي علاقة بوليم هرست ملك الصحافة, والذي يملك العديد من المجلات والصحف, ولم يكن يمكن أن فتح جريدة أو مجلة من اصداراته دون العثور علي صورة كبيرة لماريون ديفيس, والغريب ان هذا الامر كان له مردود سيء في ابعاد الجماهير عن شباك التذاكر, رغم أنها كانت ممثلة ممتازة مليئة بالسحر والفتنة أضرتها كثيرا الدعاية الكاسحة التي كانت تحظي بها, ارتبطت بعلاقة صداقة مع شابلن, ويقال أنها تحولت إلي حب, كانت تقيم في بيتها في بيفرلي هيلز ثلاث مآدب عشاء اسبوعيا كان يحضرها ممثلي ونواب وصحفيين ولاعبي بولو وكبار القوم, وكذلك مساعدي وليم هرست الذي كان ينفق ملايين علي هذه الولائم, وكان وليم يغار علي ماريون من شابلن التي كانت تكن له الاحترام والتقدير وتسمع آراءه, وفي احدي المرات لم ينجح وليم هرست في اخفاء غضبه عندما شجعها شابلن علي القيام بدور سينمائي لم يكن يستسيغه, لكنها ارغمته علي الاعتذار له في نفس اليوم, حاول شابلن اقناعها بترك هرست ولكنها رفضت وظلت معه حتي آخر يوم في حياته. *** بوليت جودارد الميلاد : 3 يونيو 1910 الوفاة: 23 أبريل 1990 الزوج : إدغار جيمس (1926 – 1926) شارلي شابلن (1936 – 1942) بورغيس ميريديث (1944 – 1949) إريك ماريا ريمارك (1958 – 1970) تعرف علي بوليت جودارد علي يخت صديقه جو شنك, كانت مرحة ومسلية واستطاعت أن تزيح عن كاهله الكآبة, كانت خارجه لتوها من تجربة زواج انتهت بالطلاق, وكان شابلن في ذاك الوقت يعيش وحدة مفزعة حتي أنه كان يفكر في التقاعد والذهاب إلي الصين, وبوليت مطلقة وتعيش ايضا في وحدة, كانت ظروفهما مناسبة لبدء علاقة جديدة لكليهما, لم يمنعا مشاعرهما من الانطلاق, كثرت اللقاءات وتجاذبا الاحاديث لقتل الملل والتدثر ببعضهما البعض, تزايد الارتباط بينهما, فقام برحلة بحرية إلي كاتالينا علي متن يخت اشتراه شابلن خصيصا ومجهزا بربان وطاهي, واستقرا بالبحر تسعة أيامز استعاد شابلن بهجة الحياة مع بوليت بعد زيجتين انتهيا بتسويات مالية وجروح لم تندمل, واستعادا سويا تلك الالوان المبهجة التي افتقدها في تجاربهما الفاشلة, واقبلا علي المتعة يغترفان منها المزيد, كانا الاثنان في حاجة لتغيير نمط الحياة بنهل المتع اينما كانت, سباق خيل, ملاهي, مطاعم, منتجعات, سواحل, لم يتركا مكان دون أن يتركا به ذكري جميلة ولحظات من السعادة برا وجوا. ورغم هذه السعادة ظل هناك شيئا ناقصا وهو العمل, تقديم فيلم جديد يضخ الدماء في عروق شابلن من جديد, ولا سيما أن بوليت يمكنها أن تشاركه, فكان فيلم Modern Times الازمنة الحديثة 1936, والذي هوجم قبل أن يعرض بوصفه فيلما شيوعي, لكن انصف بعد عرضه ووصفه النقاد بأنه اقرب إلي بيان اجتماعي, واستطاع الفيلم أن يحقق نجاحا كبيرا في وقت كانت السينما الناطقة تسجل قفزات هائلة. كانت بوليت عوضا حقيقيا عن سابقتيها, وانعم شابلن في حضرتها بالهدوء والسكينة وراحة البال, وقدما معا فيلمين من اعظم أفلام شابلن السينمائية وبالتأكيد هما ما ظلا في تاريخ بوليت السينمائي, ذاقا معا النجاح والعمل والحياة, واكملا بعضهما البعض, أحبت بوليت شابلن, واحب شابلن بوليت, وحرصا الاثنان علي أن يقدما مسوغات هذا الحب في التعامل المتحضر. ساعدته بوليت المنطلقة, خفيفة الظل والمقبلة علي الحياة من التحليق بعيدا, فقرر اصطحابها في رحلة إلي هونولولو استمرت 5 أشهر تزوجا خلالها, ثم عادا أخيرا إلي بيفرلي هيلز, وكانت تنتظر اخبار سعيدة بنجاح فيلمه الاخير, وبعد عام تقريبا بدأ الالتصاق الروحي والجسدي والعقلي والمزاجي يتراجع رويدا رويدا, وخصوصا أن شابلن بدأ القلق يستولي عليه نتيجة الصمت التمثيلي الذي يعيشه. تلقي شابلن مخابرة من مدير خدمه يخبره بأن بوليت أتت إلي البيت وحزمت حقائبها ومضت, ولما عاد شابلن إلي البيت وجده حزينا جدا, فلم يكن يتمني أن تصل الامور إلي هذا الطريق بعد 8 سنوات من المشاركة الحياتية والعشرة والدفء, كان امرا قاسيا عليه, ويبدو أن بوليت تمتعت بمزايا وخصال انسجمت مع طباعه وتكوينه, وتطابق اسلوب حياتها وطريقته في العيش مع مزاجه, ورغم أنهم لم ينجبا اطفال ظلت هناك مشاعر خاصة وصادقة تختزن قلبيهما, ورغم ان الطلاق كان حتميا وتجلي في صورة راقية استمرت المياه الصافية تجري في قنواتهما دون تعكير او منغصات, وانتهي الرحلة أخيرا مثل الاخرتين, لكنها كانت تحمل مواصفات خاصة ورقيقة ومفعمة بالاحترام ليس مثل الزيجتين السابقتين ومن دون خسائر مادية أو نفسية والاغرب أنهما ظلا اصدقاء وهي شروط لم تتوافر من قبل, لم تثير أية مشاكل، ولم يثمر زواجهما عن أطفالا، عانت غودار بصمت من انصرافه عنها وتفضيله لعمله في غالبية الوقت، ومع هذا ظلت تحتفظ بحبه، وتطيل من حياتهما الزوجية أكبر فترة ممكنة، إلى تطلّقا من دون ضجة في أعقاب عرض فيلمه “الدكتاتور”. *** جوان باري الميلاد: 5 نوفمبر 1903 الوفاة: 10 أبريل 1989 الزوج : هنري فريدريك تايركس (1936- 1989) تعرف شابلن علي جوان باري عن طريق صديقه الممثل تيم دوران الذي اخبره ذات يوم انه علي موعد عشاء مع فتاة تحمل رسالة توصية من صديق للعمل في السينما, وسأله اذا كان يرغب أن ينضم إليهم, لم يمانع وذهب وكانت هناك سيدة أخري, وسهروا الاربعة معا, وفي اليوم التالي تقابلا علي العشاء ايضا, وجري التعارف المعتاد, واثناء حديث تليفوني طلبت باري من شابلن أن يدعوها للغداء, لكن شابلن اعتذر لأنه سيذهب إلي مزاد في سانتا بابرا, وسألها إن كانت ترغب أن يصحبها معه, توالت اللقاءات والاتصالات, وتطور الامر في حضورها المفاجئ إلي منزل شابلن دون ميعاد سابق وفي أوقات متأخرة, ورغم أن الأمر كان يصيبه بالضيق إلا أنه سرعان ما يرضخ أمام انوثتها التي وصفها بالاتي “امرأة شابة طويلة القامة وجميلة في الثانية والعشرين من العمر, متينة البنية, مع صدر كبير جدا يكشفه فستان مقور بصورة مثيرة للدوار, وهو الامر الذي كان يوقظ فضولي الجنسي”. كان شابلن في ذاك الوقت ينوي تقديم فيلم عن مسرحية “الظل والمادة” Shadow and Substance للكاتب بول فينسنت كارول, وعندما فاتح “جوان” في الامر, اخبرته بأنها رأت المسرحية وتتمني أن تجسد دور الفتاة, وبعد أن تأكد من موهبتها التمثيلية باجراء بعض المشاهد, ألحقها بدروس مسرح لدي ماكس راينهاردت, وتعاقد معها للعمل براتب 250 دولار اسبوعيا, واثناء الاعداد للفيلم كثيرا ما كانت تحضر جوان باري لمنزله وهي في حالة سكر شديدة حتي بدت الاجواء سخيفة وتمني لو لم يقابلها بسبب الازعاجات التي كانت تحدثها, اضافة إلي انه اكتشف بأنها لا تذهب لدروس التمثيل وعندما واجهها بالامر, اخبرته بأنها لا ترغب في التمثيل, وطلبت منه أن يدفع لها ولأمها ثمن تذكرة عودة إلي نيويورك وخمسة آلاف دولار وتقوم بتمزيق العقد, امتثل شابلن للامر ليخلص نفسه من مشاكلها المتكررة. بعد أيام أو اسابيع تلقي منها عدة برقيات فقام بتمزيقها دون أن يقرأها ولكنها عاودت الاتصال به أكثر من مرة, وأمام الحاحها وأسفها علي ما فعلته, وافق علي مقابلتها وبالفعل لم تبد أي ازعاج في ذلك اللقاء, بها وكانت في ذلك اليوم لطيفة وتمنت له التوفيق ومضت, ثم عادت تظهر مرة أخري بعد ثلاثة أشهر عندما فاجئه رئيس الخدم بأن “جوان” تقف بالخارج, فاخبره بعدم رغبته في رؤيتها وطلب منه طردها, لم تمتثل “جوان” وقامت بتحطيم زجاج البيت وهددت بالانتحار, وازاء هذه التصرفات تم استدعاء الشرطة التي كانت تتفهم وضع شابلن وحاولت معالجة الموضوع بعيدا عن اثبات الواقعة في محاضر البوليس حتي لا تستغلها الصحافة وطلب منها عدم التعرض حتي لا تلصق بها تهمة التشرد علي أن يدفع لها شابلن للمرة الثانية ثمن تذكرة عودة إلي إلي نيويورك. بعد كل هذه الازعاجات صرف شابلن النظر عن التعاون السينمائي مع جوان باري, وبدأ في البحث عن ممثلة تصلح لاداء الدور بدلا منها, مرت عدة شهور حتي ظهر شبح جوان باري مرة أخري في هوليود, ولكن هذه المرة بسيناريو جديد وخطة محكمة مدعية انها حامل ومفلسة, وبدأت تحوم حول منزل شابلن دون أن تفعل شيئا, لكن وجودها في محيط المنزل كان مثار قلق لشابلن الذي واجهها ذات يوم وهددها بأن سوف يستدعي لها الشرطة في حال وجودها في محيط المنزل, وفي صباح اليوم التالي كانت الصحافة تبدأ حملة من التشهير والاثارة وتتهم شابلن بأنه والد الطفل التي تحمل به جوان, وانه تركها وحيدة تلقي مصيرها في الشارع, وانها لا تملك شيئا من الدنيا, ولم يمضي اسبوع حتي رفعت جوان دعوي اعتراف بالأبوة, واضطر شابلن للجوء إلي محامي ليتولي القضية, بعد هذه الواقعة تزوج شابلن من أونا اونيل, رغم نصائح المحامي بعدم التعجل, بينما كانت تدور جلسات دعوي الاعتراف بالابوة في المحاكم. من الأهمية أن نشير هنا أن موجة عداء ظهرت ضد شابلن بعد عدة لقاءات جماهيرية كان يدعو فيها للوقوف بجانب روسيا ضد النازيين, وقد أثارت هذه الخطب حفيظة السياسيين لما له من تأثير, وقد أسر قاضي بالمحكمة العليا بأن هناك اتجاه للنيل منه. تم الاتفاق بين محامي شابلن وجوان علي اجراء اختبار الدم نظير دفع 25 الف دولار لها, وكانت فرصة شابلن ضئيلة للغاية ومثلت مغامرة كبيرة فلو ثبت تورطه سيعرض للسجن 20 عاما, لكنه أقبل عليها بيأس وقلة حيلة, ومثلت فرصة شابلن 1 إلي 14, لأن كل عائلة من عائلات الدم يشترك فيها عدد كبير جدا من الناس, فإذا كان دم الطفل من عائلة مختلفة عن عائلة الام والاب يكون قد جاء من شخص آخر, وعندما وضعت جوان طفلها واصبح يمكنه اجراء فحص الدم توجهوا إلي إحدي العيادات المتخصصة واثبت الفحص بأن شابلن ليس والد ا لطفل, استمرت القضية تنظر في المحكمة لصدور الحكم النهائي, وبعد مداولات استمرت أكثر من ثمان ساعات أسدل القاضي الستار علي القضية بأعلان شابلن برئ من كل القضايا التي نسبت إليه. ربما يكون شابلن قد انتهي وللابد من جوان باري المرأة المهووسة التي اقلقت مضجعه وازعجت حياته, لكن هناك مشاكل أخري كانت تنتظره, وهو ما سنعرف في موضع آخر من الكتاب. واحتلت جوان باري وليتا جراي اسوأ علاقتين عاطفيتين لشابلن علي مدار تاريخه. *** أونا اونيل الميلاد: 14 مايو 1925 الوفاة: 27 سبتمبر 1991 الزوج : تشارلي شابلن (1943- 1977) الأطفال جيرالدين شابلن (1944) مايكل شابلن (1946) جوزفين شابلن (1949) فيكتوريا شابلن (1951) يوجين شابلن (1953) جين شابلن (1957) أنيت شابلن (1959) كريستوفر شابلن (1962) الأب : يوجين أونيل (1888-1953) الأم: أغنيس بولتون (1893-1968) كانت اونا اونيل مرشحة لتجسيد دور “بريدجت” في فيلم “الاصل والظل” بعد ازمة جوان باري، وقد تم اختيارها عن طريق أحد المكاتب الفنية ليراها شابلن ويبت في أمرها، وكانت أونا لها تجارب قليلة في مسرح حيث أن عمرها لم يكن يتخطي السابعة عشر، وعندما رأها كانت الانطباعات الاولي جيدة للغاية، حيث جاء وصفه “لمحت جمالا وضاء، وسحر خفي، ونعومة فاتنة إلي أبعد الحدود، ومع أن دور “بريدجت” يتطلب فتاة في مثل سن “اونا” لكن صعوبته يحتاج لممثلة متمرسة، ربما هذا ما جعل شابلن يصرف النظر عن ترشيح “اونا”، ولكن بعد فترة وجيزة اتصل المكتب الفني ليخبره بأننا شركة فوكس بصدد التعاقد مع “اونا اونيل” ليتراجع شابلن عن وجهة نظره ويقوم بالتعاقد معها علي الفور. تمتعت “أونا” بحس فكاهي نادر وقدرة علي التسامح مع الآخرين، وبرجاحة وحكمة في الوقت نفسه تجعلها تقيم الامور وتزنها بمعيار من العقل، كما أنها لم تعش نزوات عمرها، كل هذه الخصال جعلت شابلن يقترب منها اكثر وأكثر ولو أن فارق السن كان يرعبه ويخيفه، ورغم ذلك تلاقت أبراجهما في رحابة وسعة ووجدت طرق ميسرة للثقة، أحبها شابلن كثيرا وفتنت هي به، وعندما فاتحها في الأمر لم تمانع بل شجعته علي الاسراع في اتمام الزواج. رغم ظهور باري جوان واثارتها للازعاجات لكنهما قررا الزواج برغم من أي شيء، كان شابلن أن زواجه من أونا التي تصغره بأكثر من ثلاثين عاما سيفتح عليه أبواب جهنم من الصحافة التي لن تترك الامر يمر دون تهكم، وحتي يقطع الطريق علي التكهنات قام بنشر بعض الصور لإحدي صحف وليم هرست لتنشرها بشكل حصري، كما كلف صديقة تدعي لويلا بارسونز تكتب موضوعا عن الزواج. بعد زواجها اتخذت أونا قرارا بعدم التمثيل والتفرغ لشابلن وللاولاد وقد ابهجه هذا القرار كثيرا, فزوجاته الثلاث السابقات عملن بالفن, ربما كان هذا فأل حسن استبشر به. وقررا الابتعاد فأجرا بيتا في سانتا باربرا مكثا فيه شهرين بعيدا عن عيون الصحافة وعدساتها، وإن كان ذلك من يهدأ من انفعالات شابلن وتوتره ازاء زواجه من فتاة صغيرة في مقتبل عمرها، لكن أونا كانت عوضا في محو كل هذا القلائل التي انتابته وكانت عوضا عن الاكتئاب الذي حل به، وعندما رجعا إلي بيفرلي هيلز كانت هناك مفاجآت غير سارة تنتظرهما خاصة بقضية الأبوة التي رفعتها، كانت ايام عصيبة عاشها الاثنان يحترقان, ولأن الأزمة تظهر الاصدقاء من الاعداء، المحبين من الكارهين، فقد كشفت هذه الازمة عن معدن الكثير من هؤلاء وظل شابلن وأونا يحتفظان بعلاقات دافئة, رغم تهافت الصحافة لنقل الأخبار عنهما, لكنهما نجحا في أن يختفيا عن الانظار , غير ان هذا لم يمنعهما من الشعور بالخوف كلما قرع احدهم الباب، لأن كل شيء في ذلك الزواج كان يدعو للقلق: فارق السن بينهما، كما ان هوليوود كانت ترى في “شابلن” صورة الشخصية الاسطورية, وكان من الصعب على الصحافة ان تعتبر انها أمام «قصة حب» حقيقية. أما الجماعات المتعاطفة مع الآراء المتطرفة في الفضيلة والأخلاق في أميركا، فقد أصيبت بالصدمة، واعتبرت هذا الزواج بمثابة التحدي. مثلت أونا البطلة الحقيقية ولكن في الحياة, فقد عاشا قصة درامية, عاشت معه الملاحقات السياسية واستجوابات الكونغرس الضاغطة التي تسعى إلى أن يرحل إلى موطنه الأصلي إنكلترا. وبالفعل لم يجد وزوجته أونا بدًا من الرحيل ليس إلى إنكلترا بل إلى سويسرا، يعيشان معا في قصر اشتراه على شاطئ بحيرة فيفي كانت اونا قد تخلت عن كل احلامها في دخول هوليوود، وكل اسبوع، كانت تستقبل في بيتها كل هوليوود: غريتا غاربو، اولييا دو هايلند، هامفري بوغارت، جان فونتين، ايرول فلاين، دايد نيين، فريد ايستير، كانت اونا ترافق شارلي في كل المناسبات مثل غزال صامت… واحياناً، كانت تتابع دروساً حقيقية وجدية في السينما، كان شارلي يعطيها لاصدقائه وكان الأمر ساحراً. رغم فارق السن كانت قصة الحب التي كانت تجمع بينهما تشتد مع الايام وتقوي, ولم يمنع ذلك أونا من الغيرة عليه, وقد روت عنها صديقتها كارول ماتو حكاية تؤكد من خلالها أنها ظلت تغار عليه وبقوة وكأنه مازال في ذروة شبابه: «..كنا ذات يوم نتناول الطعام الى مائدة واحدة، عائلة شابلن، زوجي بيل وأنا. وكان شارلي مع زوجي يتذكران علاقات سابقة ومشتركة لهما. كانت أونا تستمع الى الأحاديث بأذن واحدة لأنها كان مضطرة الى مكالمتي وتبادل الأحاديث معي، فقد كان مر وقت ولم نلتق. وفي لحظة معينة، وكنا نأكل ركلني احدهم بقدمه مباشرة على عظمة رجلي الأمامية. كانت الضربة قوية الى درجة انني لم استطع ان اصدق ان احدهم قد يفعل ذلك. ورحت اتساءل مَنْ مِنَ الضيوف الثلاثة امامي قد تجرأ على ضربي بهذه القوة. ولكن عندما لاحظت ان الجميع بخير وكل واحد منهم يمضي وقتاً ممتعاً قررت عدم السؤال. ثم، بعد وقت، اقترحت اونا ان نقوم لإعادة ترتيب تبرجنا. قلت لها بصوت منحفض: – اشعر بالألم، ولا اعرف اذا كنت سأتمكن من المشي. – ماذا يجري؟ سألتني. عندما وصلنا الى الحمامات، امسكت بفستاني الطويل وكشفت عن بقعة زرقاء تماماً تحت ركبتي. – آه، لا! صرخت أونا. كنت أريد أن أصيب تشارلي وليس انتِ. – ماذا تقصدين. هل تضعين السكاكين في حذائك. – يا الهي، كنت غاضبة منه! – لماذا؟ – ألم تستمعي الى كلامهما؟ – ليس بالتمام! وأكملت أونا حديثها قائلة: – كانا يثرثران حول ربيكا ويست، الكاتبة، تعرفينها تلك التي كانت عشيقة ه.ج. ويلز ويقول عنها شارلي انها كانت مذهلة. هل تتخيلين ان زوجي كان يعترف لزوجك كم كان سهلاً عليه ان يغازلها.؟ وكان شارلي يقول ايضاً: «معها، كان الأمر مثل الكاتو (كعكة الحلوى!) اي لست مجبراً على الدوران من حول السرير نحو اربع ساعات بل على عكس ذلك، ما ان قلت لها «صباح الخير» حتى صارت في جيبي! ثم تنهدت اونا واضافت: – كارول لم اتمكن من ضبط نفسي، وفي هذه اللحظة قررت ان اركله. فكيف يتجرأ ان يتحدث عن غرامياته السابقة امامي؟ – كما تعلمين اونا، كان ذلك منذ سنوات. ربما كان ذلك قبل ان تولدي. ولكني اجد الأمر رائعاَ بأنك تغارين. – اغار؟ وهل تظنين انني اشعر بالغيرة؟ يجب ان تتعرفي الى شارلي في هذا الشأن! انه الرجل الأكثر غيرة والاكثر قلقاً الذي رأيته في حياتي بخصوص هذه الامور. – اونا، اجبتها، عودي الى الطاولة وقبليه، فهو لم يتلق الضربة. انا تلقيتها وهو لا يعلم حتى بأنك غاضبة. – كل تلك المومياءات التي نام معها! يا الهي! اشعر بالمرض حين اسمعه يتحدث عنهن. وهل تظنين بأنه لم يتعب بالتفكير فيهن؟ وماذا علي ان افعل حين يسدي الي ضربة مماثلة؟ ان ابقى جالسة هكذا، وبهدوء وأضحك وأجامل؟(…) قام الكاتب برتران مايير ستابلي الذي كتب قصة حياة كثير من المشاهير (مارلين مونرو، واودري هيبورن وآفا غاردنر والأميرة ثريا، وجون جون كينيدي والراقص نورييف والممثل جايمس دين) بتقديم كتاب عن أونا أونيل آخر زوجات شابلن بعنوان «زوجة شارلو» والكتاب يعرض سيرة لحياتها، وقد جاء بالكتاب تفاصيل حول موقف والد أونا الكاتب المسرحي الكبير يوجين اونيل من زواجها, وهي تفاصيل جديرة بالنشر لأن شابلن تجاوزها في مذكراته, حيث يقول “برتران”: ولدت اونا في العام 1925 وكانت مراهقة حين تعرفت الى شارلي “شابلن” وعارض والدها اونيل بقوة زواجها بشابلن، فانتظر هذا الأخير بلوغها الثامنة عشرة وتزوجا وكان “شابلن” في الرابعة والخمسين. رفض اونيل رؤية ابنته بعد ذلك غير انها صرحت بأن الأمر لم يؤثر كثيراً لأن والدها كان قد تخلى عن عائلته حين كانت هي في العام الثاني من عمرها وتركها مع والدتها وأخيها ليلحق بممثلة أغرم بها. وتربت اونا مع شقيقها شاين في كنف والدتها آنياس بولتون. في السابعة عشرة، كانت اونا في أوج جمالها وصارت حديث الصحافة البريطانية حين صورتها برفقة الروائي الشاب آنئذ ترومان كابوت وربطتها بعدها علاقة بشاب غامض يدعى ج.د. سالينجر الذي سيصبح بعد سنوات مشهوراً مع صدور كتابه «مصيدة القلوب». ويضيف الكاتب : في عام 1942، تم انتخاب «أونا» في مرتبة «غلامور غيرل» وتصدرت غلافات المجلات وكانت التوقعات ان تكون نجمة هوليودية في زمنها غير ان قرارها الزواج بشارلي “شابلن” غير كل مسار حياتها، فأنجبت له ثمانية اولاد وتمكنت من تحويل مسار حياته هو ايضا من صورة «الدون جوان» الى دور الزوج والأب المخلص بامتياز! لم يسطع نجم اونا في عالم السينما والمشاهير، غير ان احدى بناتها وهي «جيرالدين شابلن» دخلت عالم التمثيل ولمعت في دور مميز في فيلم «دكتور زيفاغو» الى جانب عمر الشريف ولا زالت تقدم أدواراً مميزة عبر مشاركات متفرقة، ومنذ أعوام بدأت ابنتها بالتمثيل وتدعى «أونا شابلن». ويتابع : بعد فوزها باللقب «غلامور غيرل»، واجهت الصحافة في مؤتمر صحفي مرتجل وسريع. سألها احد الصحافيين حول ما يمكن ان يفكر به والدها بعد نيلها هذا اللقب، فأجابت: «لا اعرف ولن أساله رأيه، وسوف يعلم بالخبر بنفسه»، صحافي آخر سألها عن رأيها بالحرب فأجابته: «أجد ان السؤال ليس في موقعه وبأن اعطي اجابة ورأياً حول الحرب وأنا جالسة هنا بهدوء في ملهى ليلي وثمة في الخارج صراع مسلح وهائج». ومنذ ذلك الوقت، بدأت تظهر صور أونا في الصحافة، وصار من الطبيعي ان يلحظها اوجين اونيل الوالد، فكتب الى محاميه النيويوركي هاري واينبرغر في 12 ايار ما يلي: عزيزي هاري: اريد ان أكون واضحا وصريحاً حول مسألة مغامرات أونا في اطلالاتها الغبية. ولا يمكن أن اغفر لها أنها تقدم عرضاً سخيفاً وغبياً وكأنه مجرد اعلان لملهى ليلي. وفي اجاباتها عن الأسئلة بدت وكأنها انسانة تفتقد الذوق وتفوهت بسخافات تشير الى ان رأسها فارغ. هل أنها فاقدة للبصيرة تجاه نفسها؟ وكل ما ستحصل عليه هو مشاعر الازدراء والقرف من الآخرين، ولن تنجح ابداً في تخطي هذه الفضيحة. وفي هذا الوقت المحدد من تاريخنا، اعتقد ان الناس ستشعر بالاهانة وستحمل لها كل المشاعر السلبية لمجرد انها تستغل وتتاجر باسم والدها وشهرته لتنجح في رؤية صورها في الصحافة. هذا الموضوع يشعرني بالغضب خاصة اننا نعيش ظروفاً قاسية، وأكثر ما أخافه ان تكون هذه الصبية قد ورثت عقلية ونفسية آل بولتون . وبالتأكيد ستكون هوليوود نقطة الوصول. انه أسوأ مكان على الكوكب لفتاة سخيفة مثلها، اذ يمكن ان يدمرها بين ليلة وضحاها. وهؤلاء الذين يبثون فيها الحماسة للمضي نحو مصير النجومية قد يدخلونها ويقحمون اسمي معها في فيلم سخيف وتكون نهاية كل شيء. وأنا اعرف أن ابنتي لا تمتلك موهبة تمثيلية على الاطلاق لكن كونها ابنتي استغلوا الأمر ليساهم هذا الموضوع في شهرتها لينقلب الدور عليها في النهاية. كلا لن ارضى بأن تذهب الى هوليوود واذا حصل فهذا سيكون ضد ارادتي، ونتيجة لذلك، لن اكتب لها ولن أراها ثانية. أنا أفكر جدياً بهذا يا هاري، تماماً كما تصرفت مع امها. فأنا لا اريد هذا النوع من البنات، وهي لا توحي لي الا بالتقزز… ولقد وصلت الى هذه النتيجة لأني لم اعد قادراً على تحمل عائلة آل بولتون حتى افرادها الذين يحملون دمي في عروقهم. واذا التقيت الفتاة، كن معها صريحاً وواضحاً. فاذا دخلت الى هوليوود، يكون قد انتهى الأمر بيننا الى الأبد!» (..) لم تنطفئ جذوة حب “شابلن” وأونيل، بل كانت تزداد قوة وترابطا وتماسكا على امتداد أربع وعشرين سنة كاملة. كانت أجمل وأقوى قصة حب عاشها “شابلن” في حياته، خلالها أنجبت له أونا أبناءه جيرالدين وجوزفين وفيكتوريا وميشيل. فارق “شابلن” الحياة وهو في سن السابعة والسبعين، كانت أونيل هي المرفأ الأخير الذي وجد فيه حنان الأم والحبيبة المعطاء بصمت. وبعد…. هذه كانت خيارات شابلن, ولو عاد الزمن به مرة أخري لأخترناهن واحدة تلو الأخري, تلك كانت قناعاته في ذلك الوقت, ربما أنساق وراء سحرهن ورغباته الجنسية, أو أحبهما بصدق وأحبوه وخالفت طباعهم بعضهم البعض, أو خدعوه, كلها احتمالات مقبولة من حيث المنطق, لكن ما أورده شابلن في مذكراته والاشارات الدالة علي شخصياتهم خصوصا مع ميلدرد هاريس تؤكد أن شابلن لم يكن منصفا, أيضا هناك “ادنا بيورفانس” التي كانت مرشحة للزواج من شابلن والتي شاركته في ثمانية أفلام, يري الكاتب أن ظلما وقع عليها مستندا علي احساسه فقط. ربما تكون انتهت حكاية شابلن مع النساء في هذه السطور, لكن هناك حكايات أخري لم يكشف عنها بعد, ولم يكشف عنها أبدا, فكل أطرافها جميعا تحت الثري, وربما يأتي آخرون يدللون بالبراهين والادلة عن حكايات أخري ساخنة أو باردة كان شابلن طرفا اصيلا بها, لكن ذلك لم يبدل من الامر شيئا, فسيظل شابلن الفنان عظيما في كل مكان وزمان..