متهمان بقتل نقاش في الزاوية الحمراء يمثلون الجريمة    حسن عبد الله يكشف جهود البنك المركزي لإجهاض عمليات الاحتيال المالي    بكام البلطى النهارده.... اسعار السمك اليوم الخميس 29يناير 2026 فى اسواق المنيا    صعود مؤشرات الأسهم الروسية في بداية تعاملات بورصة موسكو    جايل الهندية تقيم عروضا لعطاءات الاستحواذ على حصة في مشروع إسالة الغاز في أمريكا    استجابة ل الشروق.. حملة مكبرة لرفع مخلفات أرض ستوديو مصر بالعروبة    «التخطيط» تتعاون مع «شنايدر إلكتريك» لدفع العمل المناخي وتعزيز الأمن الغذائي    ألبان أطفال وملابس، الهلال الأحمر المصري يرسل قافلة المساعدات ال127 إلى غزة    انطلاق الفوج الثاني من قافلة المساعدات 127 إلى غزة    وزير «الخارجية» يبحث مع نظيره الفرنسي مستجدات الأوضاع الإقليمية    رئيس الوزراء البريطاني من بكين: عقدت اجتماعا مثمرا مع الرئيس الصيني وأحدثنا تقدما في الملفات الاقتصادية    حصاد مرحلة الدوري، 3 أندية تفشل في تحقيق الانتصار بالشامبيونز ليج    4 مباريات في افتتاح الجولة ال 21 بدوري المحترفين    تجديد حبس تشكيل عصابي تخصص في النصب على بائعي الموبايلات بالقاهرة    حالة الطقس في الكويت اليوم الخميس 29 يناير 2026    بعد نفيها للواقعة.. براءة زوج اتهمته زوجته بإلقائها من شرفة منزلهما ببورسعيد    فيديو.. أسباب نفاد باقة الإنترنت بسرعة وطرق الحماية من اختراق الراوتر    استكمالا لاحتفالات عيد الشرطة، دار الكتب والوثائق تكشف عن 7 أسطوانات نادرة لموسيقى "مدرسة البوليس"    اليوم.. استراحة معرفة تناقش ضرورة الشعر في زمن السرعة بمعرض القاهرة للكتاب    نائب وزير الصحة: خطة عاجلة لضبط المؤشرات السكانية وخفض القيصريات غير المبررة    طريقة عمل فطائر الهوت دون بالجبن للتدفئة في ليالي الشتاء الباردة    حماس: جاهزون لتسليم الحكم إلى لجنة التكنوقراط    مروة عبد المنعم تكشف تفاصيل تعرصها لسرقة مالية    تعطل حركة قطار "طنطا_منوف" بالمنوفية لمده 20 دقيقة    تنفيذ 24 قرار إزالة في 5 مراكز وحي فى أسيوط    وزير التعليم العالي يشهد احتفالية تكريم أوائل الثانوية العامة والأزهرية    وزير الخارجية يلتقي الدفعة 58 من الملحقين الدبلوماسيين المعينين حديثًا    بشير التابعي: خبرة الأهلي تقوده للقب الدوري وعلامات استفهام على الزمالك    الاتحاد الأوروبي يدرس تصنّف الحرس الثوري الإيراني «منظمة إرهابية»    عين لا تنام.. كاميرات المراقبة سلاح الداخلية فى كشف الجرائم    صحة الوادى الجديد: اعتماد مخازن التطعيمات بقطاع الصحة بالمحافظة    كم ساعة من النوم يحتاجها جسمك لتعافي العضلات فعليًا؟ العلم يجيب    مصرع شابين وإصابة 2 آخرين إثر تصادم درجتين بسيارة نقل فى الشرقية    الحرب قادمة| الرئيس الأمريكي يحذر إيران: أصابعنا علي الزناد    رحل وهو معتمر.. وفاة معلم من قنا بالأراضي المقدسة    متوسط العمر المتوقع في أمريكا يصل لأعلى مستوى على الإطلاق في عام 2024    بعثة الأهلى تصل مطار القاهرة استعدادا للسفر إلى تنزانيا    قرارات نارية| رسميًا.. «كاف» يعلن عقوبات السنغال والمغرب في نهائي «كأس أفريقيا»    الشرطة الداعم لسيدات مصر في حملة ال 16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة    عيد الشرطة بطولات ماسية.. 74 عاما في خدمة الوطن    مصطفى عسل يتأهل إلى نهائى بطولة الأبطال للاسكواش بأمريكا    تروبين حارس بنفيكا عن هدفه ضد ريال مدريد: طلبوا منى التقدم ولا أعرف السبب    صناعة القارئ عبر بوابة معرض الكتاب    ذكرى (جمعة الغضب).. الشارع ومعه الإخوان في مواجهة مبارك وداخليته    فضل دعاء صلاة الفجر وأهميته في حياة المسلم    دعاء الرزق.. باب الفرج وتوسعة الأرزاق باليقين والعمل    سداسية ليفربول ورباعية برشلونة.. تعرف على أهم نتائج الجولة الختامية من مرحلة الدوري بأبطال أوروربا    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. الخميس 29 يناير    إصابة شخصين إثر اندلع حريق داخل عقار بإحدى قرى المنيا    الدكتور مصطفى حجازي يوقع كتابه الجديد «قبض الريح» في معرض الكتاب    الباحثة شيماء سعيد بعد إطلاق كتابها «المهمشون في سينما إبراهيم أصلان»: أتمنى تحويل رواية «وردية ليل» إلى فيلم سينمائي    د.حماد عبدالله يكتب: سمات المدن الجميلة (الحب ) !!    تشيلسي لثمن النهائي.. ونابولي يودع دوري الأبطال    ندوة مناقشة رواية «ثمرة طه إلياس».. حمدي النورج: التنوّع سمة أصيلة لدى كبار المبدعين    مجلس القضاء الأعلى يحتوي أزمة التعيينات.. إجراءات تعيين دفعات جديدة من أعضاء النيابة العامة وزيادة أعداد المقبولين الأبرز    الأكاديمية الوطنية للتدريب تختتم برنامج تأهيل أعضاء مجلس النواب الجدد    وزارة الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان تضحيات لا تنسى    موعد صلاة العصر اليوم الأربعاء 28يناير 2026 بتوقيت المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أحلام الحضارات القديمة ..
مدارس وجداول وخوف من الآلهة
نشر في آخر ساعة يوم 06 - 09 - 2011

قدماء المصريين اهتموا بالأحلام وأنشأوا لأجلها »مدرسة«
تفسير الأحلام في
»معبد النوم« مهنة مربحة في العصر البطلمي
أحلام الحضارات القديمة ..
تحتمس الرابع تحايل علي إخوته برؤيا مزيفة للاستيلاء علي العرش
سورة يوسف
تناولت أبرز حلم
في القصص القرآني
أقدم تفاسير الأحلام الهندية يعود لكتاب »الفيدا« المقدس
ارتبطت الأحلام بالإنسان أينما حل وأينما كان، فالحلم خلق يوم خلق الإنسان، لذلك اختلفت رؤية كل أمة في تفسيرها لهذا الزائر الغريب الذي يزور الإنسان في نومه يحمل أحيانا خيرا يتحقق وشرا يتخوف منه، لذا لم يكن غريبا أن تهول الشعوب البدائية من أمر الأحلام وما يتراءي فيها، إذ كانوا يعتقدون أنهم يرون في منامهم صورا تأتي من عالم ينتمي إلي ما فوق الإدارك البشري، بل واعتبروها رسائل من الآلهة تحذر من غضبتها وتمني بنعمتها في وقت كان الإنسان يعبد الطبيعة في مظاهرها المختلفة. ومع الاهتمام لدي الشعوب الهمجية بالأحلام بدأت تظهر وظيفة الساحر والعراف التي تهتم بتفسير الأحلام وتوضيح أوامر الآلهة وما يجب فعله لتجنب غضبها واستدرار عطفها.
عندما بدأ الإنسان يصعد سلم الحضارة بدأت رؤيته للأحلام تتغير ففي مصر القديمة كانت "مدرسة إهناسيا" متخصصة في تفسير الأحلام. وحظي فن تفسير الأحلام باحترام بالغ، و كان الخبراء في هذا الفن محل إقبال شديد ويتلقون مكآفات سخية من الراعي والرعية علي حد سواء، وبحلول العصر البطلمي صار تفسير الأحلام مهنة مربحة فكان يتم استئجار المتخصصين ليحلموا لصالح زبائنهم بالإضافة إلي تفسير الأحلام التي تراودهم. عندما يبحث شخص عن إجابة لأمر مقلق أو شفاء من علة، يوظف كاهن لينام داخل (معبد النوم) أو مركز للعرافة ويمكن للسائل أن يدفع أجرا ليمضي ليله داخل معبد النوم بنفسه حتي يتلقي عونا إلهياً في أُمور الصحة.
أما كتب تفسير الأحلام فقد خضعت لحراسة مشددة في زمن الفراعنة باعتبارها سراً من أسرار رجال الكهانة فلم يكن يرجع إليها إلا كبار الكهنة. ولم يبق من هذه الكتب سوي واحد فقط كتب خلال عصر الاسرة التاسعة عشرة، وهو يخص كاتب اسمه "كين خر خو بشف "كان شغوفا بجمع نصوص من السحر و الشعر و الطب و تفسير الأحلام .و احتوي هذا الكتيب علي أكثر من مائتين من تفسيرات الأحلام التي فسرت علي أنها كلام الآلهة.
أما أشهر الأحلام في تاريخ مصر القديمة فكان حلما لتحتمس الرابع (حكم مصر في الفترة 1401- 1391 ق.م) فقد كان لوالد تحتمس، أمنحتب الثاني خمسة أبناء يتسابقون علي خلافة أبيهم، حتي ادعي تحتمس الرابع أن أبو الهول تحدث إليه في الحلم وأخبره أنه إذا قام بإزالة الرمال المتراكمة عن تمثاله وحافظ عليه فإنه سيمنحه تاج مصر. وقد وجدت هذه الرؤيا مسجلة علي لوحة بين يدي تمثال أبوالهول، وتُعد هذه اللوحة دليلا علي أن تحتمس لم يكن الوريث الحقيقي لعرش مصر وأن إخوته كانوا عقبة في سبيل توليه العرش مما جعله يختلق قصة الرؤيا كنوع من التحايل للاستيلاء علي عرش البلاد بدون حق شرعي، وقد أزال تحتمس الرابع بالفعل الرمال عن تمثال أبو الهول وأقام حوله سورا بناه من الطوب اللبن.
وفي نهاية العصور الفرعونية وتحديدا الأسرة الثلاثين عندما بدأت الدولة في التفكك وبدأت المدن اليونانية في التدخل في شئون مصر أشيع أن الفرعون نختنبو الثاني أرسل حلما إلي أوليمبيا ملكة مقدونيا، عبر تمثال شمعي. حيث أعد دواءً باستخدام أعشاب مسببة للأحلام، وصنع تمثالا شمعيا و نقش عليه اسمها .و دهن التمثال بالخلطة العشبية واستحضر حلما معينا لها. وفي تلك الليلة حلمت أن آمون جاء إلي فراشها وأبلغها أنها ستلد طفلا عظيما وبعد تسعة شهور أنجبت ابنا هو الإسكندر الأكبر، الذي جاء إلي مصر مطالبا بحقه في حكم مصر بناء علي بنوته للإله آمون، فدخل مصر قائد جيش وخرج منها إلها.
إذا تركنا مصر وانتقلنا إلي العراق وجدنا أن البابليين اهتموا بعالم الأحلام فبحسب المنظور الديني البابلي تُعدّ كل تجربة في عالم الأحلام خطرة. ولذا، كان هناك اهتمام بالغ منذ أقدم العصور السومرية "لتحرير" الطاقة السحرية المركزة في الحلم. و يُعبَّر عن هذا التحرير في الطقوس البابلية بفعل "شارو" الذي يعني حرر (من الشر أو الخطيئة) فكان سرد حلم علي أحدهم هو الطريقة الأكمل للتحرر ذاتيًا و لإبعاد الآثار السلبية للتجربة الحلمية.
أما التفسير البابلي للأحلام فكان يتم بواسطة جداول خاصة. و كان واضع هذه الجداول لايتردد باختراع المزيد منها ليستنفد كل الاحتمالات الممكنة. ولذا كانت قائمته تصويرًا للواقعين الحسي و التحليلي معًا. ومع ذلك فإن هذا المسرد ما كان ليكفي دون وجود العراف القادر علي فهم الرسالة الإلهية. و تثبت المفردات المستخدمة صلة الحلم البابلي بالعالم السفلي، الأمر الذي يتوافق مع كون الإله المرسل للأحلام هو إله الشمس قائد نفوس الموتي في الليل. ومثلما كان الأمر بالنسبة للمصريين، فإن جداول الأحلام تصف اهتمامات و حاجات البابليين، وتُظهر اهتمامًا خاصًا بالحصول علي الأطفال وعلي المناصب والثروة، و هي تعكس أيضًا الخوف من المرض و المصائب.
أما في الهند، فقد مرّت التفاسير بعدة مراحل تبين بوضوح تطور مفهوم الحلم و تفسيره خلالها، و يرجع أقدم تفاسير الأحلام الهندية إلي كتاب "الفيدا" المقدس ونجد فيه وصفا لنفسانيات الأفراد بحسب طبائعهم. فمثلاً: يري أصحاب الطبع الدموي في أحلامهم مشاهد جبال و أراضي وغابات تعصف فيها الرياح، و عددًا من الكواكب والنجوم المعتمة، والقمر وقد فقد نوره. في حين أن أصحاب الطبع الأكثر برودة يرون مشاهد أكثر اعتدالاً. ونلحظ في هذه الرمزية إشارات تعليمية حول طبيعة النفس أكثر منها تفاسيرا للأحلام.
والحق أن الحضارة الهندية تميزت بهذه التعاليم المهذبة للنفس فانعكست علي مجمل الحياة الإنسانية. و مع ذلك، نجد أن الأحلام خلال مرحلة أحدث استقلت عن طبائع البشر وأفسحت مجالاً للأحلام القادمة من أعماق النفس وذلك عبر رسائل الآلهة. ويتواتر ذكر الأحلام في الأدب الهندي، كما في ملحمتي المهابهاراتا والرامايانا وتتكرر في بعض القصص الشعبية الشبيهة بألف ليلة و ليلة، الأحلام التي يري فيها أمير فتاة في نومه فيغرم بها فيبحث عنها حتي يصل إليها. و تحفظ هذه الأحلام الأدبية المعاني التي تعبر عن مراحل بحث الإنسان الهندي عن المعرفة ويُعدّ الحديث عن الأحلام الهندية مدخلاً إلي دراسة أحلام الرؤي و التحقق وتفاسيرها و بخاصة في البوذية الهندية و الصينية، و سنعود إلي هذه النقطة لاحقًا.
و ينطبق ما ذكرناه عن التفسير الهندي علي الأحلام الصينية إلي حد كبير.
فقد كانت الأحلام الصينية تُصنَّف قديمًا وفق ثلاث مراتب. لكن هذا التصنيف غامض جدًا بالنسبة لنا اليوم وفي مرحلة تالية صُنّفت وفق ستة صنوف تعكس حالات نفسانية واضحة. و هي حلم الرعب و سببه حالة رعب، وحلم الفكرة و سببه ما كنا نفكر فيه قبل النوم، وحلم الأمس وسببه ما جري الحديث حوله أو ما حدث في اليوم السابق، وحلم الفرح وسببه حالة فرح، وحلم الخشية وسببه خوف من شيء ما. و يتم تفسير الأحلام وفق هذه التصانيف التي تشكل بالأحري تحليلاً لنفسية الحالم، إضافة إلي ما تشير إليه طاقة الحالم من توازن و تناغم مع العالم. فكل شيء في بنية وآلية الجسم بكليته، بما فيه الأحلام، يتوافق مع حدي الأرض والسماء (الين واليانج).
الحالم وفهمها
في اليونان لم يكن أرطميدوروس الوحيد الذي ترك لنا كتابًا في "تعبير الرؤيا" لكنه كان أول من عالج مفهوم الحلم وتفسيره بطريقة منهجية صحيحة. و قد عاش في القرن الميلادي الثاني في أفسس، لكن شهرته انتسبت إلي قرية والدته فلقب بالدالديائي، وقد اشتهر بتواضعه و اعترافه بخطئه إذا لم يحسن التفسير. وهو لم يعرف بالطبع مصطلح اللاوعي الحديث، لكنه كان يتعامل معه ويشعر به كمفهوم.
أما في بلاد اليونان فقد لعبت الأحلام دورا في تطور الحياة العقلية لدي تلك الأمة عاشقة الفسلفة، فقد ذكر هوميروس في إلياذته الكثير من الأحلام التي تدخل في الأحداث وتغير مصير ومسيرة ابطال عمله الخالد، وهو ما استلهمه منه كتاب المسرح اليوناني في تناولهم للأساطير ومعالجتها دراميا وتقف أسطورة الملك أوديب كنموذج صارخ علي مدي اعتناق اليونان لفكرة الأحلام وتأثيرها في حياة المرء.
أحلام الانبياء
اما في الكتب المقدسة التوراة والانجيل والقرآن فقد شغل تفسير الأحلام جزءاً لا بأس به في تلك الكتب وتعد قصة سيدنا يوسف أبرز القصص القرآني في الدلالة علي ما لعالم الأحلام من أهمية فقصة سيدنا يوسف عليه السلام التي ذكرها القرآن كاملة تلخص مفهوم الرؤيا منذ بداية القصة برؤيا سيدنا يوسف لأحد عشر كوكبا والشمس والقمر وتفسير والده سيدنا يعقوب (عليه السلام) مرورا بتفسير يوسف (عليه السلام) لرؤيا صاحبيه في السجن انتهاء بحلم ملك مصر بالسبع بقرات العجاف وأخري السمان.
وأشار القرآن الكريم إلي واقعة ترتبط برسولنا ([) حيث رأي النبي في عالم المنام الكفار قليلين فشد ذلك من معنوياته قبل حرب الكفار في موقعة بدر فقال تعالي "إذا يريكهم الله في منامك قليلا" (الأنفال:(43
وفي رؤيا منامية أخري لنبي الإسلام جاءت بشارة فتح مكة،حيث رأي رسول الله في منامه ليلا أن المسلمين قد دخلوا المسجد الحرام و هم يؤدون المناسك آمنين فحكي ذلك لأصحابه وعبر لهم رؤياه بأنهم سيدخلون المسجد الحرام في القريب العاجل ثم أمر أصحابه بعد فترة وجيزة بالتوجه نحو مكة المكرمة للحج.
عندما بدأ الإنسان يصعد سلم الحضارة بدأت رؤيته للأحلام تتغير ففي مصر القديمة كانت "مدرسة إهناسيا" متخصصة في تفسير الأحلام. وحظي فن تفسير الأحلام باحترام بالغ، و كان الخبراء في هذا الفن محل إقبال شديد ويتلقون مكآفات سخية من الراعي والرعية علي حد سواء، وبحلول العصر البطلمي صار تفسير الأحلام مهنة مربحة فكان يتم استئجار المتخصصين ليحلموا لصالح زبائنهم بالإضافة إلي تفسير الأحلام التي تراودهم. عندما يبحث شخص عن إجابة لأمر مقلق أو شفاء من علة، يوظف كاهن لينام داخل (معبد النوم) أو مركز للعرافة ويمكن للسائل أن يدفع أجرا ليمضي ليله داخل معبد النوم بنفسه حتي يتلقي عونا إلهياً في أُمور الصحة.
أما كتب تفسير الأحلام فقد خضعت لحراسة مشددة في زمن الفراعنة باعتبارها سراً من أسرار رجال الكهانة فلم يكن يرجع إليها إلا كبار الكهنة. ولم يبق من هذه الكتب سوي واحد فقط كتب خلال عصر الاسرة التاسعة عشرة، وهو يخص كاتب اسمه "كين خر خو بشف "كان شغوفا بجمع نصوص من السحر و الشعر و الطب و تفسير الأحلام .و احتوي هذا الكتيب علي أكثر من مائتين من تفسيرات الأحلام التي فسرت علي أنها كلام الآلهة.
أما أشهر الأحلام في تاريخ مصر القديمة فكان حلما لتحتمس الرابع (حكم مصر في الفترة 1401- 1391 ق.م) فقد كان لوالد تحتمس، أمنحتب الثاني خمسة أبناء يتسابقون علي خلافة أبيهم، حتي ادعي تحتمس الرابع أن أبو الهول تحدث إليه في الحلم وأخبره أنه إذا قام بإزالة الرمال المتراكمة عن تمثاله وحافظ عليه فإنه سيمنحه تاج مصر. وقد وجدت هذه الرؤيا مسجلة علي لوحة بين يدي تمثال أبوالهول، وتُعد هذه اللوحة دليلا علي أن تحتمس لم يكن الوريث الحقيقي لعرش مصر وأن إخوته كانوا عقبة في سبيل توليه العرش مما جعله يختلق قصة الرؤيا كنوع من التحايل للاستيلاء علي عرش البلاد بدون حق شرعي، وقد أزال تحتمس الرابع بالفعل الرمال عن تمثال أبو الهول وأقام حوله سورا بناه من الطوب اللبن.
وفي نهاية العصور الفرعونية وتحديدا الأسرة الثلاثين عندما بدأت الدولة في التفكك وبدأت المدن اليونانية في التدخل في شئون مصر أشيع أن الفرعون نختنبو الثاني أرسل حلما إلي أوليمبيا ملكة مقدونيا، عبر تمثال شمعي. حيث أعد دواءً باستخدام أعشاب مسببة للأحلام، وصنع تمثالا شمعيا و نقش عليه اسمها .و دهن التمثال بالخلطة العشبية واستحضر حلما معينا لها. وفي تلك الليلة حلمت أن آمون جاء إلي فراشها وأبلغها أنها ستلد طفلا عظيما وبعد تسعة شهور أنجبت ابنا هو الإسكندر الأكبر، الذي جاء إلي مصر مطالبا بحقه في حكم مصر بناء علي بنوته للإله آمون، فدخل مصر قائد جيش وخرج منها إلها.
إذا تركنا مصر وانتقلنا إلي العراق وجدنا أن البابليين اهتموا بعالم الأحلام فبحسب المنظور الديني البابلي تُعدّ كل تجربة في عالم الأحلام خطرة. ولذا، كان هناك اهتمام بالغ منذ أقدم العصور السومرية "لتحرير" الطاقة السحرية المركزة في الحلم. و يُعبَّر عن هذا التحرير في الطقوس البابلية بفعل "شارو" الذي يعني حرر (من الشر أو الخطيئة) فكان سرد حلم علي أحدهم هو الطريقة الأكمل للتحرر ذاتيًا و لإبعاد الآثار السلبية للتجربة الحلمية.
أما التفسير البابلي للأحلام فكان يتم بواسطة جداول خاصة. و كان واضع هذه الجداول لايتردد باختراع المزيد منها ليستنفد كل الاحتمالات الممكنة. ولذا كانت قائمته تصويرًا للواقعين الحسي و التحليلي معًا. ومع ذلك فإن هذا المسرد ما كان ليكفي دون وجود العراف القادر علي فهم الرسالة الإلهية. و تثبت المفردات المستخدمة صلة الحلم البابلي بالعالم السفلي، الأمر الذي يتوافق مع كون الإله المرسل للأحلام هو إله الشمس قائد نفوس الموتي في الليل. ومثلما كان الأمر بالنسبة للمصريين، فإن جداول الأحلام تصف اهتمامات و حاجات البابليين، وتُظهر اهتمامًا خاصًا بالحصول علي الأطفال وعلي المناصب والثروة، و هي تعكس أيضًا الخوف من المرض و المصائب.
أما في الهند، فقد مرّت التفاسير بعدة مراحل تبين بوضوح تطور مفهوم الحلم و تفسيره خلالها، و يرجع أقدم تفاسير الأحلام الهندية إلي كتاب "الفيدا" المقدس ونجد فيه وصفا لنفسانيات الأفراد بحسب طبائعهم. فمثلاً: يري أصحاب الطبع الدموي في أحلامهم مشاهد جبال و أراضي وغابات تعصف فيها الرياح، و عددًا من الكواكب والنجوم المعتمة، والقمر وقد فقد نوره. في حين أن أصحاب الطبع الأكثر برودة يرون مشاهد أكثر اعتدالاً. ونلحظ في هذه الرمزية إشارات تعليمية حول طبيعة النفس أكثر منها تفاسيرا للأحلام.
والحق أن الحضارة الهندية تميزت بهذه التعاليم المهذبة للنفس فانعكست علي مجمل الحياة الإنسانية. و مع ذلك، نجد أن الأحلام خلال مرحلة أحدث استقلت عن طبائع البشر وأفسحت مجالاً للأحلام القادمة من أعماق النفس وذلك عبر رسائل الآلهة. ويتواتر ذكر الأحلام في الأدب الهندي، كما في ملحمتي المهابهاراتا والرامايانا وتتكرر في بعض القصص الشعبية الشبيهة بألف ليلة و ليلة، الأحلام التي يري فيها أمير فتاة في نومه فيغرم بها فيبحث عنها حتي يصل إليها. و تحفظ هذه الأحلام الأدبية المعاني التي تعبر عن مراحل بحث الإنسان الهندي عن المعرفة ويُعدّ الحديث عن الأحلام الهندية مدخلاً إلي دراسة أحلام الرؤي و التحقق وتفاسيرها و بخاصة في البوذية الهندية و الصينية، و سنعود إلي هذه النقطة لاحقًا.
و ينطبق ما ذكرناه عن التفسير الهندي علي الأحلام الصينية إلي حد كبير.
فقد كانت الأحلام الصينية تُصنَّف قديمًا وفق ثلاث مراتب. لكن هذا التصنيف غامض جدًا بالنسبة لنا اليوم وفي مرحلة تالية صُنّفت وفق ستة صنوف تعكس حالات نفسانية واضحة. و هي حلم الرعب و سببه حالة رعب، وحلم الفكرة و سببه ما كنا نفكر فيه قبل النوم، وحلم الأمس وسببه ما جري الحديث حوله أو ما حدث في اليوم السابق، وحلم الفرح وسببه حالة فرح، وحلم الخشية وسببه خوف من شيء ما. و يتم تفسير الأحلام وفق هذه التصانيف التي تشكل بالأحري تحليلاً لنفسية الحالم، إضافة إلي ما تشير إليه طاقة الحالم من توازن و تناغم مع العالم. فكل شيء في بنية وآلية الجسم بكليته، بما فيه الأحلام، يتوافق مع حدي الأرض والسماء (الين واليانج).
الحالم وفهمها
في اليونان لم يكن أرطميدوروس الوحيد الذي ترك لنا كتابًا في "تعبير الرؤيا" لكنه كان أول من عالج مفهوم الحلم وتفسيره بطريقة منهجية صحيحة. و قد عاش في القرن الميلادي الثاني في أفسس، لكن شهرته انتسبت إلي قرية والدته فلقب بالدالديائي، وقد اشتهر بتواضعه و اعترافه بخطئه إذا لم يحسن التفسير. وهو لم يعرف بالطبع مصطلح اللاوعي الحديث، لكنه كان يتعامل معه ويشعر به كمفهوم.
أما في بلاد اليونان فقد لعبت الأحلام دورا في تطور الحياة العقلية لدي تلك الأمة عاشقة الفسلفة، فقد ذكر هوميروس في إلياذته الكثير من الأحلام التي تدخل في الأحداث وتغير مصير ومسيرة ابطال عمله الخالد، وهو ما استلهمه منه كتاب المسرح اليوناني في تناولهم للأساطير ومعالجتها دراميا وتقف أسطورة الملك أوديب كنموذج صارخ علي مدي اعتناق اليونان لفكرة الأحلام وتأثيرها في حياة المرء.
أحلام الانبياء
اما في الكتب المقدسة التوراة والانجيل والقرآن فقد شغل تفسير الأحلام جزءاً لا بأس به في تلك الكتب وتعد قصة سيدنا يوسف أبرز القصص القرآني في الدلالة علي ما لعالم الأحلام من أهمية فقصة سيدنا يوسف عليه السلام التي ذكرها القرآن كاملة تلخص مفهوم الرؤيا منذ بداية القصة برؤيا سيدنا يوسف لأحد عشر كوكبا والشمس والقمر وتفسير والده سيدنا يعقوب (عليه السلام) مرورا بتفسير يوسف (عليه السلام) لرؤيا صاحبيه في السجن انتهاء بحلم ملك مصر بالسبع بقرات العجاف وأخري السمان.
وأشار القرآن الكريم إلي واقعة ترتبط برسولنا ([) حيث رأي النبي في عالم المنام الكفار قليلين فشد ذلك من معنوياته قبل حرب الكفار في موقعة بدر فقال تعالي "إذا يريكهم الله في منامك قليلا" (الأنفال:(43
وفي رؤيا منامية أخري لنبي الإسلام جاءت بشارة فتح مكة،حيث رأي رسول الله في منامه ليلا أن المسلمين قد دخلوا المسجد الحرام و هم يؤدون المناسك آمنين فحكي ذلك لأصحابه وعبر لهم رؤياه بأنهم سيدخلون المسجد الحرام في القريب العاجل ثم أمر أصحابه بعد فترة وجيزة بالتوجه نحو مكة المكرمة للحج.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.