تتسارع الأزمات وتتشابك التحديات بين ضغوط الأسواق العالمية، وتهديدات سلاسل الإمداد، ومخاوف الطاقة وتقلبات الاقتصاد الدولى، بينما تتحرك الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى على أكثر من محور لحماية الداخل وتحصين الجبهة الوطنية من ارتدادات المشهد الملتهب حولها.. فمن الأمن الغذائى إلى أمن الطاقة، ومن استقرار السوق إلى تعزيز الاحتياطى النقدى، بدا نشاط الرئيس خلال الأيام الماضية أشبه بغرفة إدارة أزمات مفتوحة، تتابع التفاصيل الدقيقة لحياة المصريين وتضع حماية غذاء مواطنيها، واستقرار التيار الكهربائى، وضبط الأسعار، وتأمين احتياجات الصناعة والإنتاج فى مُقدمة الأولويات. فى رسائل واضحة وحاسمة عكست الاجتماعات الرئاسية الثلاثة المُتتالية التى عقدها الرئيس إدراكًا عميقًا لحساسية المرحلة، وإصرارًا على استخدام كل أدوات الدولة للحفاظ على التوازن الداخلى، ومنع انتقال تداعيات التوترات الإقليمية للشارع المصرى، بما يؤكد أن حماية المواطن واستقرار الدولة يظلان فى صدارة أجندة القيادة السياسية. الرئيس عقد اجتماعًا لمُتابعة منظومة الأمن الغذائى بما فى ذلك إنتاج وتوزيع السلع الاستراتيجية لضمان وجود مخزون آمن لمُدد زمنية مُطمئنة، مما يُسهم فى ضبط الأسواق وتوازن الأسعار، ولاسيما فى ظل الأحداث التى تشهدها المنطقة، والتى أثرت بشكل سلبى على سلاسل الإمداد والتمويل، والتطورات ذات الصلة برغيف الخبز المدعم، ووضع المخابز فى مصر، والجهود المبذولة لمجابهة غلاء أسعار المنتجات الغذائية، وأكد السيسى أهمية العمل وفق رؤية موحدة تستهدف تعظيم الاستفادة من الإمكانات المُتاحة، وتحسين جودة الخدمات المُقدمة للمواطنين وتعزيز كفاءة الأسواق وتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، مُشددًا على ضرورة استخدام الدولة لكل آليات ضبط السوق والأسعار لتفادى غلاء الأسعار أو المُضاربات، كما وجه بتعزيز جهود إقامة شراكات مع القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية بمجال تجارة التجزئة وإقامة السلاسل التجارية، والتوسع فى زيادة الإنتاجية الزراعية وتحسين جودة المحاصيل، والمُحافظة على استمرارية المخزون الاستراتيجى وتعزيزه، ومواصلة العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتى من السلع الزراعية والثروة الحيوانية والسمكية والداجنة. ويرى الخُبراء أن توجيهات الرئيس بشأن ضبط الأسواق والأسعار تُمثل خطوة حاسمة فى مسار تعزيز الاستقرار الاقتصادى وحماية المواطن من تداعيات الأزمات العالمية، ويُشدد النائب ميشيل الجمل عضو مجلس الشيوخ عن حزب مستقبل وطن على أن الدولة تتحرك برؤية شاملة تضع فى مُقدمة أولوياتها تأمين احتياجات المواطنين الأساسية والحفاظ على توازن الأسواق، بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية وتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين فى ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، موضحًا أن حرص القيادة السياسية على مُتابعة منظومة الأمن الغذائى بشكل دورى يعكس إدراكًا عميقًا بحجم التحديات التى يشهدها العالم، خاصة فى ظل الاضطرابات التى تؤثر على سلاسل الإمداد والتوريد، مؤكدًا أن الحفاظ على مخزون استراتيجى آمن من السلع الأساسية يعد صمام أمان حقيقيا للاقتصاد الوطنى، ويُسهم بشكل مباشر فى منع حدوث أزمات مفاجئة أو ارتفاعات غير مبررة فى الأسعار، فضلًا عن تعزيز قدرة الدولة على التدخل السريع فى الأوقات الحرجة. ضبط الأسواق ولفت ميشيل إلى أن توجيهات الرئيس باستخدام كافة آليات ضبط الأسواق والتصدى للممارسات الاحتكارية تمثل رسالة واضحة بأن الدولة لن تسمح بأى تلاعب يمس استقرار الأسعار أو يضر بالمواطن، منوهًا بأن تطوير البورصة السلعية وتعزيز الشفافية فى تداول السلع يُسهمان فى تحقيق عدالة التسعير، ويُحدان من أى محاولات للاستغلال أو المُغالاة، كما يُعززان من ثقة المواطنين فى كفاءة منظومة السوق وقدرة الدولة على ضبطها، مُضيفًا أن اهتمام الدولة بدعم المزارعين وزيادة سعر توريد القمح وصرف مُستحقاتهم بشكل فورى يعكس توجهًا جادًا نحو تحقيق الاكتفاء الذاتى وتعزيز الإنتاج المحلى، وهو ما يُسهم فى تقليل الاعتماد على الاستيراد، ويدعم استقرار السوق، إلى جانب تشجيع التوسع فى استخدام التكنولوجيا الحديثة فى الزراعة والإنتاج بما يرفع الكفاءة ويُحقق الاستدامة، مؤكدًا أن هذه الخطوات تُسهم فى بناء قاعدة إنتاجية قوية قادرة على مواجهة التحديات المُستقبلية، مُختتمًا بأن توجيهات الرئيس بتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص وجذب الاستثمارات فى مجال التجارة والتجزئة تمثل ركيزة أساسية لتطوير منظومة الأسواق فى مصر، مشيرًا إلى أن تكامل جهود الدولة مع القطاع الخاص يُسهم فى تحسين جودة الخدمات وتوفير السلع بأسعار مُناسبة، بما يُحقق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، ويُعزز من قدرة الاقتصاد المصرى على مواجهة التحديات وتحقيق النمو المُستدام، فضلًا عن خلق فرص عمل جديدة ودعم مسارات التنمية الشاملة بمُختلف القطاعات. ومن جانبه يُشير الدكتور سمير صبرى عضو مجلس النواب إلى أن القيادة السياسية تعتبر الغذاء قضية أمن قومى وليس مجرد سلعة أو خدمة، موضحًا أن الرئيس منذ توليه المسئولية شدد على ضرورة عدم التعامل مع غذاء المصريين بمنطق الربح والخسارة، بل باعتباره ملفًا استراتيجيًا ذا أبعاد سياسية وأمنية، منوهًا بأن الدولة وجهت مؤسساتها للعمل على هذا الملف الحيوى مع إتاحة الفرصة للقطاع الخاص للمشاركة، وهو ما تحقق بالفعل خلال السنوات الماضية، مُضيفًا أن الرقعة الزراعية كانت تتعرض للتآكل، إلا أن الدولة نجحت فى وقف ذلك عبر التشريعات والتوسع فى استصلاح الأراضى من خلال مشروعات قومية كبرى مثل الريف المصرى الجديد وتوشكى الخير وشرق العوينات والدلتا الجديدة ومُستقبل مصر، مؤكدًا أنها مشروعات قائمة على أرض الواقع، مؤكدًا أن الدولة نجحت فى استصلاح نحو 3 ملايين فدان، ما أسهم فى زيادة الرقعة الزراعية ل11 مليون فدان، إلى جانب تطوير منظومة سلاسل القيمة المُضافة والتخزين من خلال مشروع الصوامع، وهذه الجهود أسهمت فى تقليل فاتورة استيراد القمح مع زيادة الإنتاج المحلى من 8 ل 10 ملايين طن. تأمين الطاقة وفى إطار مُتابعته لتعزيز استقرار الشبكة القومية للكهرباء وتلبية للطلب المُتزايد على الطاقة عقد السيسى اجتماعًا لاستعراض موقف المشروعات فى مجال الطاقة الجديدة والمُتجددة، والقدرات المُستهدف إضافتها من طاقة الرياح والطاقة الشمسية وأنظمة بطاريات التخزين للشبكة القومية للكهرباء، وأكد الرئيس ضرورة التوسع المدروس فى مشروعات الطاقة الجديدة والُمتجددة وخفض الاعتماد على الوقود التقليدى، وخلق مزيج طاقة مُتوازن؛ بما يُجسد سعى الدولة فى التحول لمركز إقليمى رائد للطاقة الخضراء، موجهًا بمواصلة تكامل العمل بين وزارات الكهرباء، والبترول، والمالية، لتسريع إدخال قدرات إضافية من الطاقة النظيفة وتوفير التمويلات اللازمة لها، وحرص الرئيس على مُتابعة الإجراءات التى يتم اتخاذها للتعامل مع تداعيات الأوضاع الإقليمية، خصوصًا ما يتعلق بتأمين التغذية الكهربائية وضمان استمرارية وإتاحة التيار الكهربائى لجميع الاستخدامات، وتحسين كفاءة الطاقة فى القطاع الصناعى وتنفيذ خطة العمل للصيف والاستعدادات اللازمة للتعامل مع ارتفاع الأحمال وزيادة الاستهلاك. ويُشير الدكتور ثروت راغب أستاذ هندسة البترول والطاقة، إلى أن العالم يشهد تسارعًا كبيرًا نحو الطاقة المُتجددة والنظيفة نتيجة الأزمات السياسية والبيئية، موضحًا أن اضطرابات الإمدادات أدت لنقص عالمى يقدر بنحو 20 مليون برميل نفط يوميًا، مؤكدًا أن الاعتماد على الطاقة النظيفة أصبح حلًا مُكملًا للنفط والغاز وليس بديلًا كاملًا، مُشيرًا إلى أن مصر تستهدف رفع نسبة الطاقة المُتجددة ل42% من مزيج الطاقة بحلول 2030، موضحًا أن مصر تعتمد على مصادر مُتعددة للطاقة المُتجددة مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والسد العالى، وخزان أسوان، إضافة لمشروع محطة الضبعة النووية التى من المُقرر أن تدخل الخدمة بحلول 2027، مما يُمثل إضافة قوية لمزيج الطاقة المصرى، منوهًا بأن البلاد تعمل أيضًا على توسيع مشروعات الهيدروجين الأخضر والأمونيا النظيفة، كوسيلة لتقليل فاتورة استيراد الطاقة وتعزيز الاستدامة فى قطاع الكهرباء والطاقة. أداء الاقتصاد المحاور المُتعلقة بأداء الاقتصاد المصرى كانت على مائدة اجتماع ثالث للرئيس السيسى مع الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء وحسن عبدالله محافظ البنك المركزى، حيث أكد الرئيس ضرورة مُواصلة العمل نحو تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مُستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجى من السلع المُختلفة، ووجه باستمرار الجهود لخفض مُعدلات التضخم، وتواصل التنسيق بين الحكومة والبنك المركزى لضمان الحفاظ على سعر صرف مرن ومُوحد للعملة الأجنبية، كما وجه بتعزيز الحوافز للاستفادة من الفرص الاقتصادية المُتاحة، وإتاحة الفرص للقطاع الخاص لدفع النمو الاقتصادى بما يُسهم فى جذب المزيد من التدفقات الاستثمارية، وتلبية الاحتياجات التمويلية اللازمة لتعزيز الجهود التنموية مع الاستمرار فى إتاحة الموارد الدولارية بشكل كافٍ بما ينعكس بصورة إيجابية على توفير مخزون مُطمئن من السلع المُختلفة. ويؤكد الدكتور وليد جاب الله عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء أن هذا الاجتماع يُعد مُتابعة مُباشرة لأداء الحكومة فى ظل ظروف اقتصادية استثنائية عالميًا، موضحًا أن عرض الحكومة لعملها أمام الرئيس فى هذه المرحلة يُعد أمرًا إيجابيًا، خصوصًا مع مُتابعة تنفيذ السياسات المالية والنقدية وأداء الموازنة العامة بجانب التنسيق المُستمر بين الحكومة والبنك المركزى لتحقيق المُستهدفات الاقتصادية، وعلى رأسها السيطرة على الدين وزيادة الموارد الدولارية، مُشيرًا إلى أن الدولة المصرية تنجح فى تحقيق توازن بين استمرار برنامج الإصلاح الاقتصادى من ناحية والتعامل مع التداعيات المُتسارعة للأحداث العالمية، وعلى رأسها الحرب الإيرانية وتأثيراتها على الاقتصاد الدولى، مُضيفًا أن هذا التوازن انعكس على استقرار الأوضاع الداخلية، حيث لا تزال السلع مُتوافرة بالأسواق، وتستمر الدولة فى تقديم حوافز اجتماعية، بالتوازى مع تطبيق سياسات تعتمد على آليات السوق الحرة مثل سعر الصرف المرن وأسعار الطاقة المرنة، مؤكدًا أن تبنى سعر صرف مرن بشكل استباقى أسهم فى الحفاظ على استقرار المؤشرات الاقتصادية، موضحًا أن تراجع الجنيه يتم بمعدلات محدودة دون حدوث حالة ذعر فى الأسواق، كما لم تظهر سوق سوداء للعملة، وهو ما يعكس فاعلية السياسات الاقتصادية الحالية. اقرأ أيضا: وزيرا التخطيط والعمل يناقشان رفع كفاءة ومرونة سوق العمل