لم أكتب هذا الرأي من موقع الناقدة الفنية، فلست متخصصة في تحليل الأعمال الدرامية، ولكنني أكتب من موقع أكثر قربًا وصدقًا من زاوية مشاهدة لامرأة مصرية عادية، تتابع ما يُعرض عليها، وتتأثر شاءت أم أبت بالصور والرسائل التي تقدمها الدراما. خلال موسم دراما رمضان 2026، لا يمكن إنكار أن بعض الأعمال حققت نجاحًا لافتًا على المستوى الفني والتمثيلي، وقدمت حبكات مشوقة جذبت المشاهدين. إلا أن هذا النجاح لم يمنع ملاحظة اتجاه متكرر في تقديم صورة المرأة، وهي صورة يغلب عليها الطابع السلبي. من أبرز هذه النماذج، ما قُدم في "حكاية نرجس"، حيث نتابع قصة امرأة تعرضت للتنمر والأذى النفسي، لتتحول تدريجيًا من ضحية إلى شخصية مضطربة نفسيًا تنخرط في سلوك إجرامي بخطف الأطفال الرضع، في محاولة لتعويض حرمانها العاطفي، قبل أن تنتهي قصتها نهاية مأساوية بالانتحار، ورغم تعاطف المشاهد مع معاناتها، إلا أن الرسالة النهائية ظلت مرتبكة بين إدانة الفعل وتبريره. هذا التنميط النفسي لم يقتصر على صراع المرأة مع ذاتها، بل امتد ليشمل تمثيلها في سياق العلاقات الأسرية، حيث امتدت إلى عدد من الأعمال الدرامية مثل "أب ولكن" و"كان ياما كان"، " المتر سمير"، والتي تناولت في إطار إنساني التحديات النفسية والاجتماعية التي يواجهها الأب بعد الطلاق، وما يترتب عليها من صراعات معقدة تنعكس بشكل مباشر على الأبناء. وهنا يظهر في هذه الأعمال نمط متكرر لصورة المرأة التي تُحمل أبناءها تبعات الخلاف، أو تدفع بهم بشكل مباشر أو غير مباشر إلى قلب الصراع، وهو طرح وإن كان يعكس جانبًا من الواقع، إلا أن تكراره دون تقديم نماذج أكثر توازنًا قد يرسخ تصورًا أحاديًا لطبيعة العلاقة بعد الانفصال تجعل من الأم طرفًا في معادلة الصراع، بدلًا من كونها عنصر احتواء واستقرار. لا ننكر بالطبع وجود نماذج إيجابية في بعض الأعمال، قدمت المرأة بصورة قوية ومتزنة وواعية، إلا أنها لم تكن الغالبة، ولم تحظ بنفس مساحة التأثير أو الانتشار، مقارنة بالنماذج السلبية التي طغت على المشهد. تكمن الإشكالية الحقيقية هنا في "تكرار النمط"، فحين تتكرر صورة المرأة المضطربة، أو المنتقمة، أو التي تنزلق نحو السلوكيات المتطرفة، فإن ذلك لا يظل مجرد طرح درامي، بل يتحول بمرور الوقت إلى صورة ذهنية راسخة لدى الجمهور، خاصة لدى الأجيال الأصغر سنًا. وتزداد المفارقة وضوحًا حين ندرك أن هذه الأعمال عُرضت خلال شهر مارس، الذي يشهد احتفاءً عالميًا بالمرأة تقديرًا لدورها كأم في عيد الأم، ففي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات التقدير والتمكين، تأتي بعض الأعمال الدرامية لتقدم نماذج تُضعف هذه الصورة أو تشوهها. إن الدراما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي أداة قوية لتشكيل الوعي الجماعي وصناعة التصورات المجتمعية، ويظل هذا الدور أكثر وضوحًا حين نلتفت إلى الأعمال التي قدمت شخصيات نسائية قوية ومتزنة في أدوار مؤثرة وملهمة تركت أثرًا في وجدان الجمهور بعيدًا عن الصور النمطية السلبية، وأثبتت قدرة الدراما على تقديم المرأة ليس مجرد ضحية، بل فاعلًا ومؤثرًا في مجتمعه. ومن أبرز هذه النماذج التاريخية مسلسل "هي والمستحيل" (إنتاج 1979)، الذي جسد رحلة "زينب"، الفتاة البسيطة والأمية التي تواجه الظلم وتصمم على التغلب على الفقر والجهل، فتسعى للتعلم وتحقيق أحلامها رغم العقبات، ليصبح العمل رمزًا للكفاح ضد الأمية واليأس، ويقدم مثالًا حيًا على قدرة الدراما على تقديم قصص ملهمة للمرأة. كما يقدم التاريخ الدرامي المصري نموذجًا آخر للأم المكافحة في مسلسل "الشهد والدموع" (إنتاج 1983)، الذي لا يزال يلقى اهتمام الجمهور حتى بعد أكثر من أربعة عقود على عرضه الأول، حيث تواجه "زينب" بعد وفاة زوجها صعوبات الحياة وتعمل على تربية أبنائها وتوفير سبل العيش لهم، مما يجعلها تمثل صورة قوية لامرأة مصرية تقاوم المصاعب وتواجه التحديات من أجل أبنائها. ومن ثم، فإن مسئولية صُناع الدراما لا تقتصر على جذب المشاهد، بل تمتد إلى ما يتركونه من أثر في العقول والوجدان. ليس المطلوب تقديم صورة مثالية أو تجميل الواقع، ولكن المطلوب هو التوازن أن نرى المرأة كما هي في الواقع قوية وضعيفة، صلبة وهشة، ناجحة ومجتهدة، لا أن تُختزل في شخصيات مضطربة أو أدوار نمطية متكررة.