مرة أخرى يخرج نتنياهو بتصريح صادم، لا لأنه جديد في مضمونه، بل لأنه يكشف بوضوح الطريقة التى يفكر بها الرجل الذى يقود حكومة الاحتلال. فقد أعلن أن «الإسلام، سواء كان سنيا أو شيعيا، يشكل تهديدا للعالم بأسره»، داعيًا إلى إنشاء محور دولي لمواجهة ما وصفه بالمحورين السني والشيعي. هذا التصريح لم يصدر فى لحظة عابرة أو فى زلة لسان، بل جاء خلال مؤتمر لجهاز الأمن العام الإسرائيلى، فى خطاب يعكس رؤية سياسية كاملة تقوم على فكرة واحدة تحويل الصراع السياسي إلى صراع دينى شامل. المفارقة الصارخة أن الرجل الذى يتحدث عن تهديد للعالم هو نفسه المطلوب منذ عام 2024 للمثول أمام المحكمة الدولية بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لكن بدلا من الإجابة عن هذه الاتهامات، يبدو أن نتنياهو اختار الطريق الأسهل توسيع دائرة العداء. في السياسة، عندما يعجز القائد عن حل أزماته الداخلية، يبحث عن عدو خارجى أكبر، هذه قاعدة قديمة فى التاريخ ونتنياهو يعرف جيدا أن تحويل الإسلام كله إلى خصم حضارى يمنحه مساحة واسعة للمناورة السياسية. فبدلاً من الحديث عن الاحتلال، وعن حقوق الفلسطينيين، وعن الانتقادات الدولية المتزايدة لإسرائيل، يجرى نقل النقاش إلى معركة كبرى عنوانها الدفاع عن العالم فى مواجهة الإسلام، إنها محاولة واضحة لإعادة صياغة الصراع، بحيث لا يبدو صراعاً على الأرض والحقوق، بل صراعا بين حضارتين. هذه اللغة ليست جديدة فى السياسة الدولية، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تبنى على أساس ديني. فالعالم اليوم ليس فى حاجة إلى تحالفات تقوم على تقسيم البشر وفق عقائدهم، بل إلى شراكات تقوم على المصالح المشتركة واحترام التنوع. عندما يتحول الإسلام، بكل مذاهبه وثقافاته وشعوبه، إلى تهديد عالمى فى خطاب سياسى، فإننا لا نكون أمام تحليل استراتيجى، بل أمام خطاب تعبوى هدفه التحريض وبناء الجدران النفسية بين الشعوب. الإسلام ليس كتلة سياسية واحدة، ولا جيشا موحدا، بل دين يعتنقه ما يقرب من مليارى إنسان حول العالم. بينهم شعوب وثقافات ودول ونظم سياسية مختلفة،هل يمكن حقا اختزال كل هؤلاء في صورة تهديد عالمي؟