لطالما كانت مصر «قلب العروبة النابض»، بموقعها الجغرافى الفريد، وتاريخها السياسى العريق، وقوتها الناعمة وثقلها الإقليمى وقد ساعدتها هذه المؤهلات على أن تكون دائماً سنداً ودعماً لأشقائها العرب فى مواجهة التحديات المشتركة والمواقف المصيرية التى شهدتها المنطقة.. فالعلاقة بين مصر والدول العربية لم تكن أبداً مجرد تحالفات سياسية عابرة أو مصالح اقتصادية متبادلة، بل هى «عروة وثقى» استمدت قوتها من وحدة اللغة، الدين، والثقافة وأوشاج التاريخ والجغرافيا. فالقاهرة هى المنارة التى يقصدها طالب العلم العربى، والملاذ الذى تلجأ إليه الشعوب فى أوقات المحن. ومنذ تأسيس جامعة الدول العربية، حملت مصر على عاتقها قضايا الأمة، مؤمنة بأن أمنها القومى يبدأ من استقرار كل عاصمة عربية من المحيط إلى الخليج. اقرأ أيضًا | «بكلمكم عنكم» السيسى للمصريين: الاستقرار اللى إحنا فيه النهاردة ثمنه تضحيات كبيرة وتتجلى قوة هذه الروابط فى المواقف الدبلوماسية الموحدة لمصر وأشقائها العرب فى المحافل الدولية، التى تعكس وحدة المصير هذا الترابط يتجاوز حدود السياسة ليصل إلى «الوجدان الشعبى»، حيث يجد المواطن العربى فى مصر بيته الثانى، ويجد المصرى فى أشقائه العرب السند والعضد. فى ظل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة التى يشهدها العالم اليوم، تبرز أهمية تعزيز هذا التكاتف. فالتحديات التى تواجه المنطقة لا يمكن مواجهتها فرادى. لذا، تعمل مصر دائماً على تفعيل العمل العربى المشترك، مدفوعةً بإيمان عميق بأن قوة العرب فى وحدتهم، وأن مصر القوية هى قوة لأشقائها، كما أن أشقاءها الأقوياء هم ذخر لها.. وقد تجلى هذا التعاون بوضوح فى السنوات الأخيرة عبر مواقف عملية وتحركات دبلوماسية وميدانية دعمت استقرار عدد من الدول العربية فى لحظات حرجة. ففى ليبيا، لعبت مصر دوراً محورياً فى دعم مؤسسات الدولة ومنع انزلاق البلاد للفوضى الكاملة. وتجلى الدور المصرى فى «إعلان القاهرة» الذى كان طوق نجاة لليبيين، حيث رسمت القيادة المصرية فى يونيو 2020 «خطاً أحمر» (سرت - الجفرة)، وهو الموقف التاريخى الذى منع تقسيم البلاد. كما امتد الدعم المصرى لرعاية الحوارات الوطنية لتوحيد المؤسسات السياسية والعسكرية مع التأكيد الدائم على أن الحل يجب أن يكون «ليبياً-ليبياً» بعيداً عن إملاءات القوى الأجنبية. وفى السودان، تحركت مصر فور اندلاع الأزمة، واستضافت لقاءات للقوى السودانية، وسعت لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة، كما قدمت دعماً إنسانياً واستقبلت آلاف السودانيين على الصعيد الفلسطينى، اعتبرت مصر القضية الفلسطينية أمن قومى. ومنذ حرب 1948، قدمت آلاف الشهداء للدفاع عن الحق الفلسطينى، وظلت «الرئة» التى يتنفس منها الشعب الفلسطينى سياسياً ودبلوماسياً. وتبرز أهمية مصر فى كونها الوسيط الذى لا غنى عنه فى صياغة اتفاقيات الهدنة ووقف إطلاق النار، مع التزامها التاريخى ب «حل الدولتين» ورفض محاولات تصفية القضية وتهجير الفلسطينيين. وتُعد القاهرة أبرز الوسطاء المقبولين إقليمياً ودولياً فى هذا الملف، لقدرتها على التواصل مع جميع الأطراف والحفاظ على توازن دقيق فى مواقفها. اما الموقف المصرى من غزو الكويت عام 1990 فكان تاريخياً؛ حيث قادت القاهرة الجهود داخل جامعة الدول العربية لإدانة الغزو، وشاركت ب 35 ألف مقاتل ضمن «قوات درع الصحراء»، لتكون القوة العربية الأكبر والأكثر تأثيراً فى تحرير الكويت. اقتصادياً، تسعى مصر لتعزيز التكامل العربى عبر مشروعات الربط الكهربائى والتعاون بمجالات الطاقة والنقل، فضلاً عن استضافتها لاستثمارات عربية ضخمة، بما يسهم فى خلق شبكة مصالح مشتركة تدعم الاستقرار الإقليمى. هذه المواقف الراسخة تقف بالمرصاد لكل محاولات الفتنة وبث الانقسام داخل الصف العربى، كما هو الحال فى المرحلة الراهنة، حيث تعود مصر لتؤكد ثوابتها القائمة على تغليب الحوار، والحفاظ على تماسك البيت العربى، ما يسهم فى دحض الشائعات وإفشال الحملات التى تستهدف زرع الشكوك بين الشعوب.