مع تصاعد العمليات العسكرية بين الولاياتالمتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تحاول الصحف العالمية ومراكز التحليل الاستراتيجي الإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحًا في المشهد الدولي: كم ستستمر هذه الحرب؟ اللافت أن التقديرات المنشورة في الصحف والمواقع الدولية الكبرى لا تتفق على موعد واحد لنهاية المواجهة، لكنها تتقاطع عند حقيقة أساسية مفادها أن الحرب قد تكون قصيرة نسبيًا عسكريًا، لكنها قد تفتح الباب أمام صراع طويل سياسيًا واستراتيجيًا في الشرق الأوسط. اقرأ أيضًا| الوكالة الفرنسية: سماع دوي انفجارات في أنحاء مختلفة من الدوحة في هذا السياق، نقل موقع «ماركت ووتش» الأمريكي عن الخبير الجيوسياسي ماركو بابيتش، كبير المحللين في مؤسسة «بي سي إيه للأبحاث» الكندية، تقديرًا لافتًا حول مدة الحرب. فبحسب تحليله، هناك احتمال يقترب من 60% أن تستمر الحرب نحو أسبوعين فقط قبل أن تبدأ الضغوط الدولية في فرض مسار نحو التهدئة. ويستند بابيتش إلى ما وصفه ب«معادلة الألم الاستراتيجي»، أي قدرة إيران على تحمّل الضربات العسكرية مقابل الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تدفع جميع الأطراف نحو وقف التصعيد. وترى «ماركت ووتش» أن أحد أهم العوامل التي قد تدفع إلى إنهاء الحرب سريعًا يتمثل في القلق الدولي المتزايد بشأن مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، فاستمرار التوتر في هذه المنطقة قد يؤدي إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة، وهو ما يدفع القوى الكبرى إلى الضغط لوقف العمليات العسكرية قبل أن تتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية. لكن في المقابل، تشير تقارير أخرى إلى أن الحرب قد تستمر لفترة أطول مما يتوقعه البعض. وبدورها ذكرت «واشنطن بوست» في تقاريرها الميدانية أن المواجهة دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا مع استمرار الضربات المتبادلة واتساع نطاق العمليات العسكرية في المنطقة، وهو ما يعكس احتمال استمرار القتال لعدة أسابيع قبل الوصول إلى نقطة التهدئة. كما نقلت تقارير صحفية غربية عن مصادر عسكرية إسرائيلية أن الخطط العملياتية الحالية قد تمتد لعدة أسابيع إضافية بهدف استكمال ضرب البنية الصاروخية الإيرانية وتقليص قدراتها العسكرية، ما يعني أن الحرب قد تتجاوز التقديرات الأولية التي تحدثت عن مواجهة قصيرة. وفي خضم هذه التقديرات، يحذر كبار كتاب الرأي في الصحافة الدولية من قراءة الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية محدودة فقط. ففي مقال تحليلي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، يرى الكاتب الأمريكي الشهير توماس فريدمان أن الحرب بين إسرائيل وإيران قد تتحول بسهولة إلى صراع استنزاف طويل إذا لم تحقق الضربات العسكرية أهدافها السياسية بسرعة. ويشير فريدمان إلى أن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في أن تخرج إيران من الحرب ضعيفة لكنها قادرة على إعادة بناء قدراتها العسكرية، ما قد يفتح الباب أمام جولات متكررة من المواجهة بين أقوى قوتين عسكريتين في الشرق الأوسط. ويضيف أن أخطر ما في هذه الحرب ليس فقط حجم الضربات العسكرية، بل غياب تصور واضح لشكل المنطقة بعد توقف القتال. من جانبه، يحذر الكاتب والمحلل السياسي الأمريكي فريد زكريا في مقالاته وتحليلاته المنشورة في صحيفة «واشنطن بوست» وبرنامجه التحليلي على شبكة «سي إن إن» من أن انهيار النظام الإيراني نتيجة الحرب قد يخلق فوضى إقليمية خطيرة. ويرى زكريا أن فكرة إسقاط النظام بالقوة العسكرية قد تؤدي إلى حرب أهلية داخل إيران تشبه ما حدث في دول أخرى بالمنطقة، وهو ما قد يحول الصراع إلى أزمة إقليمية طويلة تتجاوز حدود المواجهة الحالية. ويضيف زكريا أن إيران دولة كبيرة متعددة القوميات والعرقيات، وأن انهيار السلطة المركزية فيها قد يؤدي إلى صراعات داخلية معقدة، ما يعني أن نهاية الحرب العسكرية قد لا تعني بالضرورة نهاية الأزمة. أما على المستوى الاقتصادي، فقد حذرت تقارير نشرها موقع «بيزنس إنسايدر» الأمريكي من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى صدمة كبيرة في أسواق الطاقة العالمية، وتشير هذه التحليلات إلى أن أسعار النفط قفزت بالفعل إلى مستويات مرتفعة مع تصاعد التوتر في الخليج العربي، وسط مخاوف من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز. اقرأ أيضًا| واشنطن بوست: رغم اقتراب ترامب من إعلان النصر على إيران لايزال الواقع أكثر تعقيدًا وتضيف التقارير الاقتصادية أن الاقتصاد العالمي قد لا يتحمل حربًا طويلة في واحدة من أهم مناطق إنتاج الطاقة في العالم، وهو ما قد يدفع القوى الكبرى إلى تكثيف الضغوط الدبلوماسية من أجل التوصل إلى تسوية سياسية. في المقابل، تشير تقارير وكالة «أسوشيتد برس» إلى أن اتساع نطاق الهجمات في المنطقة، بما في ذلك ضربات طالت منشآت وممرات حيوية للطاقة والتجارة، يزيد من تعقيد المشهد ويجعل من الصعب التنبؤ بموعد دقيق لنهاية الحرب. ويرى عدد من المحللين الغربيين أن الحرب الحالية قد تمثل نقطة تحول استراتيجية في الشرق الأوسط. فالمواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل والولاياتالمتحدة تمثل مرحلة جديدة بعد سنوات طويلة من الحروب غير المباشرة والصراعات بالوكالة. وفي ضوء هذه القراءات المتباينة، تبدو الصورة التي ترسمها الصحف العالمية أكثر تعقيدًا مما يظهر في ساحات القتال. فبين تقديرات تتحدث عن حرب قصيرة قد تنتهي خلال أسابيع، وتحذيرات من صراع طويل قد يمتد لسنوات عبر الحروب غير المباشرة، يتفق معظم الخبراء على أن هذه الحرب تعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط. وبينما تتواصل العمليات العسكرية وتتزايد الضغوط الدولية لاحتواء التصعيد، يبقى المؤكد أن نهاية الحرب لن تُحسم فقط في ساحات المعارك، بل أيضًا في حسابات السياسة الدولية وأسواق الطاقة وموازين القوة الإقليمية. وهو ما يجعل السؤال الحقيقي الذي تطرحه الصحف العالمية ليس فقط متى تنتهي الحرب على إيران، بل كيف سيبدو الشرق الأوسط بعد انتهائها. اقرأ أيضًا| ترامب: نجري محادثات مع إيران لكنها غير مستعدة لاتفاق ينهي الحرب