الورق مكتوب صح، والسيناريو كما يقول الكتاب.. المؤلف عمار صبرى شاطر، و«حقّانى»، لم يقصر فى الأبعاد الدرامية للشخصيات، مهما كانت مساحة الدور، كان فقط فى حاجة إلى مخرج محترف مثل سامح علاء يحقق له ما يتمنى، ويمتلك الرؤية المطلوبة، والقدرة على عدم المجاملة فى اختيار الممثلين، حتى لا يتعرض المسلسل لخسارة هو فى غنى عنها، لأنه يقدم عملاً استثنائياً مضبوطاً بالشعرة. ولكن المدهش حقاً أن ما فعلته ريهام عبد الغفور فى «حكاية نرجس»، لم يكن مكتوباً على الورق، وفوق طموحات كل مخرج. بلاغة الست ريهام لم تكن فى الكلام الذى تنطق به، ولكن فى الصمت الذى تخزّنه.. ليست فى الانفعالات التى تظهر على ملامحها، بل فى المشاعر التى تخفيها.. فى تمكنها من أداء شخصية معقدة يجب أن تحصل على لعنات المشاهد وتعاطفه فى آن واحد، أن تخيفه بأفعالها الشيطانية، وفى الوقت نفسه يشفق عليها وتغويه! ارتعاشة ساق نرجس تحت وطأة القلق حين رفض زوجها تبنى الطفل لم تكن مكتوبة على الورق.. قشعريرة جلدها وهى تلتقط الرضيع وتخفيه فى الحقيبة ليست ضمن السطور.. قطرات العرق الباردة التى غمرت جبينها أثناء تهريبه لم يذكرها النص.. حتى نظرة عينيها حين امتزج فيها التوتر بالفرح، والخوف بالرجاء وهى تسلّم الرضيع لزوجها، وكذلك اليأس الذى أفصحت عنه قبضة يدها، وحركة أصابعها، وهى تضغط على النقود، لم يكن حاضراً فى خيال المؤلف، وأكثر مما يطلبه المخرج. 97 عاماً تفصل بين وفاة الروائى الروسى فيودور دوستويفسكى فى سانت بطرسبرج، وميلاد الممثلة المصرية ريهام عبد الغفور بالمحلة الكبرى.. 3200 كيلومتر هى المسافة بين المدينتين، ومع ذلك فقد قدر الله ل»فيودور» و»ريهام» أن يتشاركا فى قدرة التعبير عن النفس البشرية بكل تناقضاتها، دوستويفسكى بقلم لا يوجد له مثيل، وريهام بأداء لا يقارن. نحن أمام ممثلة عالمية، الحفاظ عليها واجب وطنى، وخطة استثمارها فى حاجة إلى نقاش.