■ هل يمكن لشخصية واحدة أن تترك أثرًا ممتدًا فى حضارات وديانات متباعدة، رغم اختلاف الزمان والمكان؟ - هذا السؤال المركزى يفتتح به الباحث والكاتب المتخصص فى دراسة التاريخ القديم والحديث، شريف سامى، كتابه «إدريس النبى رمز الحكمة الخالدة .. سؤال للتاريخ حول أثره»، الصادر عن دار دوّن للنشر، فى رحلة بحثية ممتدة بين الدين والتاريخ والأسطورة، تحاول الاقتراب من واحدة من أكثر الشخصيات الروحية غموضًا وتأثيرًا فى تاريخ البشرية. وعبر مسار فكرى مشوّق لتتبع أثر النبى إدريس عليه السلام، الذى ورد ذكره فى القرآن الكريم فى موضعين، مشيرًا إلى نبوّته وصلاحه ورفعه إلى السماء، كما ورد ذكر لقائه بالنبى محمد فى رحلة المعراج فى حديث صحيح. ولا يكتفى المؤلف بالمصادر الإسلامية، بل يوسّع دائرة البحث لتشمل ما ورد فى نصوص التوراة والإنجيل، وصولًا إلى حضوره الرمزى فى بعض الأساطير المصرية القديمة. يتوقف الكتاب طويلًا أمام التشابه اللافت بين شخصية النبى إدريس وشخصيات أخرى وردت فى تراثات متعددة، مثل أخنوخ فى النصوص العبرية، وهرمس فى المتون الهرمسية، وأوزيريس فى الميثولوجيا المصرية. كما يطرح المؤلف تساؤلات جريئة حول أسباب الربط بين إدريس وتمثال أبى الهول، وحول ما إذا كانت هذه الشخصيات تجليات مختلفة لصورة واحدة لحكيم أول علّم البشرية العلم والحكمة ونقلها من عصور البدائية إلى أفق الحضارة. وفى قلب هذه الرحلة، يحاول الكتاب الإجابة عن أسئلة كبرى شغلت أذهان البشر منذ فجر التاريخ: ماذا جرى على الأرض بعد عهد آدم عليه السلام؟ كيف تشكّل أول معالم الحضارة الإنسانية؟ من هو المعلّم الأول الذى تحدّثت عنه الأساطير والحكايات الشعبية المصبوغة بالصبغة الدينية فى ثقافات مختلفة؟ يعرض المؤلف قصصًا متشابهة ظهرت فى حضارات متعددة عن حكيم عارف بالأسرار، أنقذ الإنسان من ظلمات الجهل والكهوف والبراري، وعلّمه الحكمة والطب والفلك والهندسة وفنون العيش، وفتح له أبواب التأمل فى الكون والطبيعة والعالم الروحي، وعرّفه الإيمان بالله والبعث والقدر، رغم اختلاف المعتقدات والطقوس من حضارة إلى أخرى. وتتفق هذه الروايات -رغم اختلاف أسمائها وتصوراتها- على صورة رجل واحد بصفات شبه موحّدة: المعلّم الأول للبشرية. ■ ومن هنا تتوالى الأسئلة التى يعالجها الكتاب: هل إدريس هو أخنوخ؟ هل هو هرمس؟ هل هو أوزيريس؟ هل هو إمحوتب؟ هل أبو الهول تجسيد رمزى له؟ وهل كان حكيم مصر القديم الذى يُنسب إليه تأسيس الحضارة وبناء الأهرامات؟ فى النهاية؛ يؤكد الباحث شريف سامى أنه لا يسعى إلى الترويج لأى روايات غريبة أو باطنية، بل إلى فحصها وتحليلها ونقدها، والفصل بين الحقيقة التاريخية المثبتة، والأسطورة، والرواية الضعيفة، والخبر غير المسند. كما يوضح أنه التزم الحياد المنهجي، تاركًا للقارئ مساحة التفكير والاستنتاج وتكوين رؤيته الخاصة، دون فرض نتائج جاهزة. وفى خاتمة كتابه، يؤكد المؤلف أن تاريخ مصر القديم ظل لقرون طويلة مغلقًا على أسراره، ولم تُفك شفراته إلا منذ نحو قرنين فقط، بعد فك رموز الهيروغليفية، وأن ما تم اكتشافه حتى الآن لا يمثل سوى جزء ضئيل من ميراث إنسانى هائل ما زال مدفونًا تحت الرمال. وأن المستقبل قد يحمل مفاجآت أكبر مع تطور أدوات البحث والتنقيب. «إذا انتظرت من التاريخ إجابة عن سؤالك، سيمنحك إجابة؛ لكنه سيمنحك معها أسئلة أحدث وأعمق. فالتاريخ بحر لا قرار له،