السفير محمد حجازي: -مصر تحركت برؤية استباقية لحماية الدولة الوطنية من الفوضى الإقليمية - تنويع الشراكات منح مصر مرونة في القرار الاستراتيجي - أمن المتوسط والبحر الأحمر جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري - ترسيم الحدود البحرية خطوة استراتيجية عززت الاستقرار وجذبت الاستثمارات منذ عام 2014، وجدت مصر نفسها أمام بيئة استراتيجية صعبة، حدود غربية ملتهبة بفعل الأزمة في ليبيا، وتحديات ممتدة في الجنوب، وتنافس محتدم في شرق المتوسط والبحر الأحمر، فضلًا عن تعقيدات القضية الفلسطينية في قطاع غزة، ولم يعد الاكتفاء بسياسات رد الفعل كافيًا، بل بات لزامًا صياغة رؤية شاملة تعيد بناء أدوات القوة وتمنح الدولة قدرة على الردع والمبادرة. ويمكن قراءة العقد الأخير بوصفه تجربة في الدمج بين الردع والدبلوماسية الاستباقية، حيث تزامن تعزيز القدرات العسكرية مع إطلاق أطر تعاون إقليمي، وتكريس دور الوساطة في أزمات معقدة، وبناء شبكة علاقات دولية متعددة المسارات، لذلك استطاعت الدولة المصرية أن توازن بين القوة والدبلوماسية، الأمر الذي عزز ثقلها، في ظل حالة الاضطراب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. - إعادة هيكلة عميقة لقدرات الدولة من جانبه، أكد السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن العقد الماضي لم يكن عقدًا عاديًا في حسابات الأمن القومي المصري، فمنذ عام 2014، واجهت المنطقة العربية موجة غير مسبوقة من تفكك الدولة الوطنية، وصعود الفاعلين من غير الدول، واتساع رقعة الحروب الأهلية، وتداخل الأجندات الإقليمية والدولية على مسارح الصراع. في هذا السياق المضطرب، تحركت الدولة المصرية وفق رؤية استراتيجية تقوم على إعادة بناء عناصر القوة الشاملة للدولة المصرية، عسكريًا واقتصاديا واجتماعيا ودبلوماسيًا، في إطار مقاربة استباقية تستند إلى قراءة مبكرة لطبيعة التهديدات، لا إلى ردود أفعال آنية. وأضاف أن أول ما أدركته مصر، هو البيئة الأمنية الجديدة لم تعد تقليدية، فلم يعد التهديد متمركزًا على حدود بعينها، بل أصبح ممتدًا عبر دوائر ثلاث: حدود مباشرة ملتهبة في الغرب والجنوب، مجال بحري حيوي في المتوسط والبحر الأحمر، وفضاء إقليمي يشهد تنافسًا حادًا على الطاقة والممرات البحرية. ومن هنا بدأت عملية إعادة هيكلة عميقة لقدرات الدولة الصلبة. - شبكة علاقات سياسية واقتصادية وأضاف أن التحركات الدبلوماسية النشطة، أعادت تموضع مصر إقليميًا ودوليًا، موضحًا أن القاهرة أدركت أن الردع العسكري لا يكتمل إلا بشبكة علاقات سياسية واقتصادية تخلق بيئة أقل قابلية للانفجار. ومن هنا جاء إطلاق آليات تعاون ثلاثي مع قبرص واليونان، وتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط في القاهرة، الذي نقل التنافس على الطاقة من مربع الصراع إلى مربع التعاون المؤسسي المنظم. وأوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن مصر عززت حضورها في أفريقيا، مستعيدة عمقها الاستراتيجي جنوبًا، ومؤكدة أن أمنها المائي والغذائي لا ينفصل عن استقرار القارة. وعلى المستوى العربي، أعادت مصر بناء جسور الثقة، وأصبحت طرفًا مركزيًا في إدارة ملفات معقدة، من ليبيا إلى غزة، مستندة إلى مزيج من التأثير السياسي والقدرة الأمنية. وتابع: "في الملف الليبي، مثلًا، تبنت مصر معادلة واضحة: دعم الدولة الوطنية ورفض عسكرة الصراع أو تقسيم البلاد". اقرأ ايضاً :«صيام النصر».. روحانيات العاشر من رمضان تتوج نصر أكتوبر - ترسيم الحدود البحرية خطوة استراتيجية وأضاف السفير حجازي، أن مصر لعبت محوريًا في القضية الفلسطينية، وكانت الضامن لوقف إطلاق النار، مع طرح رؤية لإعادة الإعمار والحفاظ على وحدة المؤسسات الفلسطينية، أما في البحر الأحمر، فقد تحركت ضمن أطر جماعية للحفاظ على أمن الملاحة في ظل تصاعد تهديدات غير تقليدية. وأشار إلى أن اللافت أن هذه التحركات لم تكن متفرقة أو ظرفية، بل اندرجت ضمن تصور أوسع للأمن القومي باعتباره مفهومًا شاملًا يتجاوز حدود الجغرافيا العسكرية إلى الاقتصاد والطاقة والغذاء، فترسيم الحدود البحرية، على سبيل المثال، لم يكن إجراءً قانونيًا فحسب، بل خطوة استراتيجية جذبت استثمارات كبرى، وعززت الاستقرار في شرق المتوسط، وأتاحت لمصر أن تتحول إلى مركز إقليمي لتسييل الغاز وإعادة تصديره. وتابع: وعلى الصعيد الدولي، اتسم الأداء المصري بقدر من التوازن الدقيق، حيث حافظت القاهرة على علاقات وثيقة مع الولاياتالمتحدة، وفي الوقت ذاته عمقت شراكاتها الأوروبية، ووسعت تعاونها مع قوى آسيوية، بما يعكس سياسة خارجية متعددة المسارات ترفض الانخراط في محاور صلبة أو اصطفافات حادة. هذه المرونة الاستراتيجية وفرت هامش حركة أوسع في إدارة الأزمات، وقللت من كلفة الاستقطاب الدولي المتزايد. - قوة ردع إقليمية متوازنة وأوضح أن القراءة الموضوعية لحصاد السنوات العشر الماضية تشير إلى انتقال مصر من مرحلة تثبيت أركان الدولة، إلى مرحلة بناء قوة ردع إقليمية متوازنة، موضحًا أنه لم يكن الهدف التوسع أو التدخل، بل حماية الدولة الوطنية ومنع انتقال الفوضى عبر الحدود، وفي عالم يتسم بتآكل قواعد النظام الدولي التقليدي، أصبحت القدرة على الردع الذكي، المقترن بدبلوماسية نشطة، هي الضامن الحقيقي للاستقرار. وكشف عن أن ما شهدته مصر، خلال العقد الأخير لم يكن سباق تسلح، بل عملية إعادة بناء مدروسة لأدوات القوة الشاملة، استجابة لتحولات جيوسياسية غير مسبوقة، ولا تزال المنطقة تواجه تحديات جسيمة، لذلك فإن امتلاك أدوات الردع، مقرونة برؤية دبلوماسية استباقية، يمنح الدولة قدرة أكبر على إدارة المخاطر لا الانجرار إليها، وصناعة التوازن لا الاكتفاء برد الفعل. وأشاد السفير محمد حجازي، بالتجربة المصرية خلال السنوات العشر الماضية، مؤكدًا أنها تقدم نموذجًا لكيفية تكيف الدولة الوطنية مع بيئة إقليمية عالية الاضطراب، عبر الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، وبين الحزم والانفتاح، في معادلة دقيقة عنوانها: حماية الاستقرار كمدخل حتمي للتنمية.