يأتي كتاب «رحلة إلى معرفة الله: ما بين العقيدة ومحاولات فهم الإله والدّين»، الصادر عن دار «دوّن» للنشر، للكاتب علاء عبد الحميد، محاولةً فكريةً جادةً للاقتراب من أحد أعمق الأسئلة التي شغلت الإنسان عبر التاريخ: كيف نفهم الله؟ وكيف تشكّلت علاقتنا بالدين بين النص والعقل والتجربة الإنسانية؟ إن حاجتنا للفهم والتدبر في هذا الكون ضرورةٌ إنسانية ملحة، لها دور كبير في تقوية إيماننا وإدراكنا لحكمة الخالق في كل شيء. ويعد هذا الكتاب محاولة لتغطية هذا الجانب الشائك بطرق متعددة، تتفق جميعها في فكرة السؤال والجواب وفهم تصاريف القدر؛ للوقوف على مفهوم العبادة الحقيقية في نهاية المطاف. ■ غلاف الكتاب من البداية، يعلن الكتاب انحيازه لفكرة "الرحلة" لا "النتيجة"؛ فالمعرفة الإلهية هنا ليست يقينًا نهائيًا مغلقًا، بل مسار ممتد من التساؤل والتأمل، يتقاطع فيه الإيمان بالعقل، والعقيدة بالتاريخ، والتدين بالممارسة البشرية، هذا المعنى تعززه الصورة التي يحملها غلاف الكتاب: "إنسان منفرد ساجد في فضاء واسع، يوحي بالعزلة الروحية، والبحث الفردي، والوقوف المباشر بين الإنسان وربه بعيدًا عن الضجيج والوصاية". هذه رحلة عقلية تسير بك في خطواتٍ مرتبة على طريق معرفة الله تعالى عقلاً: كيف عرفنا وجوده وألوهيته؟ وكيف فهمنا أنه متصرف في هذا الوجود وفق مشيئته وحكمته، مُقدِّرٌ للأقدار ومطلق الإرادة؟ وتنتهي بك إلى فهم ما تستلزمه العبودية له، ودفع بعض الأوهام عن فهم الإنسان لعلاقته بالله وعن تصوره للإله، مروراً بقضايا العدل والحكمة في أفعاله، وكيف نسلّم له مع وجود الآلام والشرور في هذه الحياة. وستجد بعض الإثباتات كُتبت بطريقتين: طريقة عقلية برهانية، وطريقة أدبية سهلة؛ في محاولة لتغطية اختلاف حاجة القارئ وطريقته في التفكير والفهم. فمعرفة الله تعالى هي رحلة تبدأ ولا تنتهي، وإن كان هذا الكتاب قد اختار العقل كبداية لهذه الرحلة، واقتصر على أهم القضايا في هذا الجانب، فإن هذا لا يعني استيفاء الرحلة، بل هذه مجرّد بداية أساسية وضرورية للفهم. ينطلق المؤلف من تفكيك مفهوم العقيدة بوصفها بناءً تاريخيًا تشكّل عبر القرون، لا مجرد مجموعة مسلمات جامدة، محاولًا التمييز بين "الإيمان" كحالة روحية داخلية، و"التدين" كصيغة اجتماعية وثقافية تأثرت بالسياسة والسلطة والصراعات، في هذا السياق، يطرح الكتاب أسئلة شائكة حول صورة الإله في الوعي الجمعي، وكيف ساهمت التفسيرات البشرية أحيانًا في تضييق أفق العلاقة الروحية وتحويلها إلى منظومة خوف أو طقوس شكلية. ولا يتوقف الكتاب عند النقد، بل يسعى إلى إعادة الاعتبار لفعل الفهم نفسه، بوصفه عبادة عقلية لا تقل شأنًا عن الممارسة الشعائرية. فمحاولة فهم الإله كما يطرح المؤلف ليست خروجًا عن الإيمان، بل تعبير عنه، شريطة أن تُدار بروح التواضع المعرفي، والاعتراف بحدود العقل البشري أمام المطلق. وفي الختام، يمكن القول إن كتاب "رحلة إلى معرفة الله"، يُخاطب القارئ القَلِق، الباحث، الذي لا يكتفي بالإجابات السهلة، ويرى في السؤال الصادق طريقًا إلى إيمان أعمق وأكثر إنسانية، إنه كتاب لا يَعِد باليقين، لكنه يمنح القارئ شجاعة السير في الطريق. ويتسق مع كتابات علاء عبد الحميد التي تحمل رسالة أساسية في طياتها؛ وهي ضرورة الاستماع إلى تساؤلات النفس وضرورة فهم الكون الذي نعيش فيه، كما تتميز كتاباته بمحاولات الوصول للمعرفة الحقيقية من خلال منهج واضح ومنطقي وأسلوب سلس ومفهوم.