ليس التاريخ ما حدث فقط، بل ما نتمنى لو أننا سألنا عنه في حينه، وفي رمضان، حين يهدأ الزمن قليلًا، تخيّلنا أن نمد مائدة للكلام، لا للأكل، وأن نستدعي من التاريخ من لا يزال صوته حاضرًا في أسئلتنا. بين فجر الحضارة وغروب التاج، يستحضر د. فكري حسن، أستاذ المصريات بجامعة واشنطن، روح " نيختانيبو الثاني"؛ آخر ملوك مصر القديمة، ليحاكم لحظة الانكسار الكبرى. حوارٌ يفتش في ثنايا التاريخ عن اللحظة التي انكسر فيها التاج بين مطرقة الصراع الداخلي وسندان الغزو الأجنبي، مستحضراً صرخة "الماعت" الضائعة في لعبة الأمم؛ ليفهم كيف تبدّد ميراث خمسة آلاف عام، وكيف استحال الملك المهزوم إلى أسطورة سكنت وجدان العصور. ◄ إذا عدت إلى التاريخ، من تختار لتجلس معه على مائدة واحدة؟ يجيب بهدوء: بين الحين والحين يشغلني كيف ولماذا حلّت الدولة البطلمية محل الدولة المصرية القديمة في القرن الرابع قبل الميلاد؟ ذلك القرن الذي كان بداية عصور لم يتولَّ الحكم فيها مصري حتى قامت ثورة 1952، ليأتي جمال عبد الناصر من صعيد مصر رئيساً للجمهورية. وكان يشغلني بالتحديد ما مرّ به آخر ملوك مصر الأصليين " نيختانيبو الثاني" (نخت حور حبت)، الذي أستحضره اليوم لأنه قد يكشف لنا عن أسباب هذه النهاية بعد أن صمدت مصر لما يقارب 5 آلاف عام. ◄ لماذا " نيختانيبو "؟ لم يكن " نيختانيبو الثاني" ملكاً بالوراثة في فترة عانت فيها مصر من الاضطرابات السياسية، وتوالى على حكمها ملوك من ليبيا والنوبة، واستعان ملوكها بمرتزقة من اليونان لصد محاولات الغزاة من الآشوريين والبابليين والفرس. وكان " نيختانيبو الثاني" حفيد " نيختانيبو الأول"؛ القائد العسكري القادم من سمنود، الذي هزم الفرس بعد أن استولى على الحكم من ملك خائر القوى. ونسأل "نختنبو" آخر الملوك: هل كان هناك طريق آخر غير الانقلاب العسكري؟ وعن اللجوء إلى الجيوش المرتزقة، وعن رأيه فيما قام به والده (شقيق نيختانيبو الأول) الذي استلب العرش من ابن أخيه "تيوس" لينصب ابنه ملكاً؟. ◄ ما السؤال الذي يؤرقك حول قراره الأكبر؟ سأسأله عن الضعف السياسي والخلل المجتمعي الذي أصاب مصر نتيجة للصراعات الداخلية بين حكام الأقاليم من ناحية، وتفاقم دور الكهنة الذين استنزفوا المقدرات الاقتصادية لمصر، مما اضطره إلى مراضاتهم وإغداق الهبات والعطايا عليهم ليحظى بمباركتهم. وهو السؤال الذي يكشف عن معضلة السلطان الحائر بين المؤسسة الدينية ومتطلبات الدولة للدفاع عن الوطن، وتوفير حياة كريمة للشعب بدلاً من فرض الضرائب الباهظة لتمويل المعابد والكهنة. ◄ اقرأ أيضًا | «رأس الملك وسركاف».. شاهد فني نادر على بداية عصر ملوك الشمس ◄ أين أخطأ من وجهة نظرك؟ هل كانت هزيمته أمام الفرس نتيجة الخيانة، كما حدث مع أحمد عرابي؟ أم نقص الموارد التي ذهبت إلى الكهنة؟ أم التفكك الداخلي؟ وهل أخطأ عندما سحب قواته إلى "منف" من شرق الدلتا ليتحصن أمام جحافل الفرس؟ وهل أخطأ أيضاً عندما قرر الفرار إلى النوبة، وهل كان ذلك على أمل أن يعود يوماً ما ليستعيد حكم مصر؟. ◄ ما الذي تود أن تعرفه عن ضعفه؟ عن خوفه؟ عن لحظة شكه؟ بنظرة عميقة يقول د. حسن: ما اللحظة التي انتابه فيها الضعف والخوف على مصيره قبل أن يقرر مغادرة الوطن؟ وهل كان مدركاً للأسطورة التي حيكت عنه فيما بعد، والتي يصبح فيها الإسكندر الأكبر هو ابنه! وتقول الأسطورة إنه بدلاً من اللجوء إلى النوبة، ذهب إلى اليونان، وبينما كان "فيليب" والد الإسكندر خارج البلاد، اختلى بزوجته "أولمبيا" وهو على هيئة الإله "آمون" لتنجب له الإسكندر، وهكذا شاعت الأسطورة في مصر واليونان والتاريخ القديم حتى القرون الوسطى. ◄ وبماذا ستسأله عن عالمنا اليوم؟ مع كل ما شيّده من معابد وما نُحت له من تماثيل، يبقى تمثاله مع الإله حورس في متحف "المتروبوليتان"، والتابوت الذي يُشاع أن الإسكندر دُفن فيه (والذي كان نابليون يود أن يُدفن فيه) ويقبع حالياً في المتحف البريطاني بلندن.. نسأله قبل أن تعود روحه الحائرة إلى الطواف بين مصر والنوبة واليونان: في معترك الحاضر، هل من نهاية للعبة الأمم والصراع على السلطة؟ وهل من أمل في تحقيق العدالة والسلام؛ الحلم الذي حافظ عليه المصريون من خلال إيمانهم ب "الماعت"؟.