فى لحظة يلتقى فيها الأدب بالتاريخ، ويتصافح الاسم الحاضر مع الإرث السردى والتراث الروائى لأديب نوبل نجيب محفوظ؛ أحد أكبر رموز الرواية العربية، يتألق اسم الروائى التونسى نزار شقرون بعد تتويجه بجائزة نجيب محفوظ فى الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، عن روايته «أيام الفاطمى المقتول»، الصادرة عن دارى "صفصافة" فى مصر، و«ميسكليانى» فى تونس، هذا الفوز لا يبدو بحب ما يقول مجرد احتفاء برواية بعينها، «بل اعترافًا بمشروع سردى كامل يراهن منذ بداياته على الأسئلة الصعبة: الهوية، المعرفة، ومصير المثقف فى زمن التحولات العاصفة، وعلى التجريب بوصفه جوهر الفعل الروائى لا هامشه». فى روايته الفائزة يتحول الماضى إلى سؤال معرفى يقود إلى الحاضر ويستشرف المستقبل، حيث يختلط التاريخ بالراهن، والواقعى بالتخييلى، والحياة بالموت. بطل الرواية، مثقف يسعى إلى جذوره، لا بدافع المذهب، بل بدافع البحث عن الفهم، فتتسع مساحة السرد ليشمل الصوت الروحى والضمير الجماعى، فى نص يطرح الرواية كمساحة للتفكير، لا مجرد حكاية تُروى. فى هذا الحوار، يتحدث شقرون عن معنى اقتران اسمه باسم نجيب محفوظ، عن مسؤولية المشروع الأدبى تجاه الرواية العربية، وعن تجربته التى تجعل من معرض القاهرة الدولى للكتاب فضاءً حيويًا للحوار بين الكاتب والقارئ، وبين التجربة الفردية والوعى الجمعى. بين حس تجريبى واضح، وانشغال معرفى بالاختلاف، ووعى بدور الرواية فى مساءلة الواقع، نقترب فى هذا اللقاء من تجربته لنفهم رؤيته للكتابة، وللزمن العربى، ولقدرة السرد على صناعة معنى وسط تعقيدات التاريخ والراهن.. وإلى نص الحوار: فى روايتك الفائزة «أيام الفاطمى المقتول»، الموت فى الرواية ليس خاتمة بل موقعاً للسرد وكشف الحقيقة. هل يصبح الصوت الآتى من خارج الحياة أصدق من التاريخ الذى يُكتب داخلها؟ حقّا ليس الموتُ منتهَى. تساءلتُ طويلاً: هل يحدّ الموتُ من حياة السّرد؟ كان الموتُ مرعباً لشهرزاد فى ألف ليلة وليلة حينَ كانت تروى فى مواجهة سيفِ شهريار، فتنسج الحكايات لتؤجّل موتها، ولكنّ الموتَ فى روايتى شرطٌ للحكاية نفسها. فما من تأجيلٍ للحظة فراق العالم المادّى من أجل عودة مختلفة إليه، رغم أنّها ممنوعة من التواصل الحسى على شاكلة الأحياء. حين يكونُ الراوى روحا، وذاكرة متشظّية، ما تبقّى من جثّة تحملُ حقيقتها فى وحشة سيرتها الفرديّة، يكونُ للموتِ رمزيّة أخرى فى بناء السّرد. إنّ البطل مختار الفاطمى صوتٌ يأتى من القبرِ، ومن نهايةِ حكايةٍ مزوّرة، لأنّه يقتصّ بحضوره كراوٍ من الرواية الرسميّة التى جعلت ميتته مجرّد حادث، وحوّلت جثّتهُ إلى حكاية مغلقة ممنوعة من التّداول. لذلك فهو يَعودُ، فى شكلِ اصطفاءٍ طبيعى/سردى، ليكذّب رواية التاريخ، فتكون الكتابة خيانة للتاريخ الرّسمى. إنه يُبدّدُ ما يُحاكُ من «روايات» فى التاريخ الإنسانى، وتخصيصاً التاريخ الثقافى العربى، فيضعه على المحكّ، داعياً إلى الشكّ فيه، ومراجعة بداهاته. بطلك مثقف يبحث معرفيًا فى الجذور، لكنه يُقتل قبل اكتمال الرحلة.. هل المعرفة هنا قدر مأساوى لا خلاص منه؟ البطلُ نموذج لمثقّف عربى من الجيل الجديد الذى يبحثُ عن أفق للاختلاف، وطريقه إلى ذلك حرية الفكر. وعندما يلتفتُ فى رحلته إلى التنقيب عن الجذور، فهو لا يلتفت من أجل تحصيل الماضى والنكوص فيه. أشدّد على أنّ كلمة الجذور لا تعنى ماضويّة، لأنّ ما يشغلُ البطل هو الحاضر، إلاّ أنّه يجد حاضره عقيماً بمصائب الماضى، فما يظهر من نزعات طائفيّة وعنصريّة فى ثقافتنا العربيّة اليوم ليسَ غير امتدادِ لتلك النزعة الإقصائيّة فى التاريخ الثقافى العربى. يسعى البطل إلى المعرفة، وشرفه أنّهُ سلك الطريقَ حتّى وإن قُتلَ قبل اكتماله. إنّه يشبه أى بطلٍ مأسوى، يحملُ نهايته بين يديه، ولكنّهُ بطلٌ شبيهٌ بأبطال الأساطير فلا يستطيعُ قبرٌ أن يلفَّ جثته بشكل نهائى، ولا تستطيع جداريّة احتمال اسمه وقبره فيها، ولا شكّ أنّه حدسَ نهايته المأسويّة، لقد أوصاه أبوه «الإمام السنّى» بعدم التوجّه ناحية الشرق، وقصّ عليه «حكاية الأشقر» الذى عبر النهر من أجل تحصيل خيط الشمس لكنّه عاد أعمى، غيرَ أنّ البطل سارَ إلى حتفه مزهوّا بالإقدام على القيام بالتجربة بنفسه. تشريح التاريخ الثقافى النبش والتشريح يتكرران بوصفهما فعلين مركزيين هل الرواية تكتب التاريخ من موقع الجثة لا من موقع السلطة؟ يحتاج تاريخنا الثقافى إلى تشريح، قبل ذلك يجدر به أن يمرّ بمرحلة التنقيب والحفر فى عمل «أركيولوجى» ثقافى يشمل ما يسمّى أمّهات الكتب، والأدبيّات السّائدة، لنزع البداهات وغبار الرّوايات التى عبّرت على امتداد قرون عن صوت السّلطة. لذلك فإنّ الرّواية تعالجُ أعراض التاريخ من موقع معارض لموقع السّلطة. هذا ما تجهرُ به الرواية دونَ خوفٍ. ولا يعنى اهتمام الرواية بالتاريخ نزوعها إلى التأريخ الجديد، فذلك من مهمات المؤرّخ، ولكنّ الكتابة الروائيّة تنبّه إلى الأورام الموجودة فى جسد الكيان الثقافى (عقلا ووجدانا)، فتقومُ بطرح الأسئلة والتقاط ماهو مسكوت عنه لتسمح له بالحضور. إنّها كتابةٌ محاطةٌ بالدّهشة، لأنّها تشيرُ إلى ما هو مسلّم به، وحاضرٌ فى العقل الجمعى بوصفه حقيقة لا تحتملُ جدلاً. إنّ جثّة «المختار الفاطمى»، شاهدة على ذلك، هى إدانةٌ للسلطة، وللإيديولوجيا الدغمائيّة التى سادت لقرون، ورغم أنّها جثّة محنّطة وملفوفة فى الكتّان، إلاّ أنّها تقولُ حقيقتها بمجرّد ظهورها من جديد. هناك أفكار منيرة فى تاريخنا الثقافى العربى تمّ إقصاؤها، وهى لا تفتأ تعودُ لتأخذ طريقها إلى الحياة، فالأفكار المستنيرة لا تموت. الزمن المستقبلى (2030) يمنح النص بعدًا استشرافيًا.. هل هى كتابة للحاضر من ذاكرة لم تأتِ بعد؟ تبدأ الرواية من المستقبل، ذلك الزّمن المَقصى من تفكيرنا العربى. فلا يُفكّر فى المستقبل إلاّ من الجانب الأخروى (الإسكاتولوجى)، بينما الشّعوب المتقدّمة تبوّأ المستقبل منزلة رفيعة وأساسيّة فى تفكيرها. وبقدر ما يوهمُ النصّ الروائى بالاستشراف فإنّهُ يتقدّم فى أفق «ديستوبى» مخيف، ليسَ هو غير نتاج لتراكمات ثقافيّة عربيّة، ألقت العقل فى دائرة السبات، وأوثقت زمن الإنسان العربى فى الماضى بوصفه العصر الذّهبى، والأنموذج، بل والفردوس المفقود. تكتبُ الرواية الحاضر بمأسويّته، وتعيدُ نبش الماضى، محمّلة بالأسئلة، لقد كانت الروح تروى وهى ممنوعة من الكلام أى أنّها تعيش لحظة فناء اللغة بوصفها أداة تواصل، لكنّها تخلقُ لغتها فكراً، بواسطة الذاكرة التى تمثّل كلمة مفتاحيّة فى الرواية. ما الذى كان يُحفّز عمل الذّاكرة؟ ذلك هو السّؤال المهمّ! كانت الرّوح ترى، فقد اضطرّت إلى استخدام العين، بل تنشيطها إلى جانب استحضارها لما تشظّى من ماضى سيرة صاحبها، فهى تتذكّر فى شكلٍ استحضار لوقائع الشّخصيات المساعدة، وتنتقل فى مدارات الأمكنة التى تبدّلت ملامحها، لتراها بطابع جديد، وهى تُسائلُ مشكلة الذّاكرة لدى الإنسان العربى الذى تكون «آفته النسيان» بتعبير نجيب محفوظ. لذلك تطرحُ الرواية أسئلة متعلّقة بهذه الذّاكرة، من صنع الذّاكرة الجماعيّة؟ وهل يُمكن إجراء تعديل جينى لهذه الذّاكرة التى كبّلها الخطاب الإيديولوجى والسلطوى على امتداد قرون؟ مواجهة رمزية حضور الحيوانات داخل مشهد الصراع يفتح أفقًا رمزيًا. هل كنت تقترب من مساءلة "الإنسانى" أكثر من توصيف السياسى؟ فى الرّواية شبكة رمزيّة لا شكّ، بل الرواية استعارة مركّبة. لذلك ثمّة صراع بين الواقعى والتخييلى قبل كلّ شىء، وهذا الصراع يطبعُ حضور الشخصيّات أيضاً، كلّ شخصيّة تعيش صراعاً داخليا وخارجيّا، «المختار» صارع فى نفسه فكرة الرّحيل، وصديقه «عبد المجيد» صارعَ فكر الأكاديموس الجامعى حيثُ تحوّلت الجامعة إلى معبد آخر للكهنة، و«بيرسا» الشخصيّة القبطيّة صارعت المختلفين معها فى الدّين،«وكانوبى» صارعَ إخوته فى العقيدة، و«الدكتور محمّد» صارعَ «الصّاحب» وتاريخ إملاء الكتابة. هناك واجهات كثيرة للصّراع أفضت إلى مواجهة رمزيّة بين نظام سياسى ومجموعة من الخنازير. ورغم حضور ما هو حيوانى فى عالم الرّواية فإنّ الجانب الإنسانى حاضر بقوّة ما دام الرّمز هو الذى يقود برنامج الحكاية المتعلّقة بالحيوانات. وكم هى قاسية بعض المشاهد التى تبرز أطوار الصراع بين البشر والحيوانات، بل علّنى أعتبر أنّ ما كتبته فى هذا المستوى يشرّع لما أسميه «رواية القسوة». هكذا هو الصّراعُ فى الذات الإنسانيّة الواحدة، وفى حياتنا جميعاً مدموغ بالقسوة. تعدد الطبقات الحضارية الهوية فى الرواية سؤال مفتوح لا انتماء مغلقاً.. هل تكتب ضد فكرة الهوية بوصفها يقيناً؟ ما زلنا نعيش سؤال الهويّة، وهذا من باب البحث عن تحوّلات قادمة وليس من باب الانزواء فى الشخصيّة الحضاريّة الجامدة وفى كلّ لحظة مأزومة من حياتنا العربيّة نجد أنفسنا أمام استحضار لسؤال الهويّة لأنّه سؤال مفتوح، ولا يعنى بحثاً عن جدول إرشادى (برادايم) موجود سلفاً. فالكتابة الإبداعيّة عامّة هى ضدّ السلفيّة فى معناها العامّ، أى هى لا تحتكم إلى الأنماط الجاهزة سلفاً، وهى منذورة إلى التجديد. والرواية تسائلُ مشكليّة الهويّة، من خلال رحلة البطل وبحثه عن سبب اختفاء أفكار أجداده، ودواعى تعايش بنى جنسه وعقيدته مع المظاهر المعماريّة الباقية للفاطميين فى تونس ومصر، واستخدام بعض العادات الفاطميّة فى التقاليد الشّعبيّة مع تغييب مطلق للفكر الذى أنتج تلك الأشكال المعماريّة وتلك التعبيرات الشّعبيّة. ما من هويّة مغلقة أو مطبوعة بلونٍ واحد، لقد ردّد نجيب محفوظ كيفَ أنّه «ابن حضارتين»، بمعنى أنّ الهويّة متنوّعة، وفى تونس لا يُمكن لأى كاتبٍ أو شخصٍ أن ينفى كلّ الإرث الثقافى قبل دخول العرب المسلمين إلى إفريقيّة، ويعنى ذلك أنّ الطبقات الحضاريّة فى الذّات الواحدة متعدّدة، وأمامنا خياران إمّا إقصاء ذلك التنوّع أو الاحتفاء به وتوظيفه فى صيغة حوار دائم. ما أبحث عنه فى الرواية هو الحوار داخل الذّات الحضاريّة الواحدة مع الآخر الذى يسكنها. بين الوثيقة والتخييل، لا يبدو أحدهما خادماً للآخر. هل ترى أن الرواية مساحة يذوب فيها الحد بين المعرفة والسرد؟ أسوأ ما يقع فيه أى عمل روائى هو الوقوع بين براثن «الوثيقة» أو«المعرفة». هناك عمل خطير يقوم به الروائى الذى يعتمد على مساءلة التاريخ وهو بصدد انشغاله ببناء برنامجه السردى، حيثُ يعود إلى المراجع والوثائق دون شكّ، ولكنّه غير معنى بعمليّة توثيقها فيما يكتب، ربّما يكون كاتب الرواية التاريخيّة أكثر انشداداً لذلك، ولكنّ رواية الأطروحة التى تحوّل التاريخ إلى ذريعة تتنصّل تماماً من الوثيقة. ثمّة تذويب وصهر للمعرفة التاريخيّة فى الكتابة، فيقع الانتصار دائماً للتخييل، لأنّ الرواية عمل تخييلى بامتيازِ. وكلّما أوهمت الرواية بمعالجة المعرفة فهى تستحضر حجم المخاطرة التى تقوم بها، لأنّ المعرفة لها مجالات عملها، ورغم أنّ الرواية تحثّ على السؤال وتطرح قضايا فكريّة وثقافيّة واجتماعيّة، فإنّها لا تغالى فى هذا الطرح، إلاّ من باب الاحتكام إلى الأساليب والتقنيات السرديّة التى تسمح بذلك. التجريب فى نصوصك ليس شكليا بل مرتبط برؤية هل الشكل عندك موقف فكرى قبل أن يكون اختيارًا جماليا؟ ما من شكل فى الأدب أو الفنّ إلاّ وله أساس فكرى وارتباط جوهرى برؤية ما، فلا يُمكن النّظر إلى الطرز المعماريّة من كلاسيكيّة، وباروك، وبوهاوس وغيرها، بعزلها عن الرؤية التى صاغتها وتسببت فى إنشائها فى زمنيّتها، ولا يُمكن النظر إلى المدارس والأساليب الفنيّة السورياليّة والتكعيبيّة والدادائيّة مثلاً بمعزل عن رؤية أصحابها الذين وضعوا لها بيانات فكريّة أصلاً. وكذلك شأن المذاهب الأدبيّة، فالأشكال التى اقترحتها الواقعيّة الاشتراكيّة أو الرومنطيقيّة مثلاً لها صلة بالرؤية أيضاً. لذلك أى مقاربة للشكل الجمالى فى استبعاد رؤيته هى محاولة يائسة فى السّقوط داخل عالم شكلانى محض. وما اختيار الشّكل إلاّ تعبير عن موقفٍ أدبى فيه رؤية جماليّة وفكريّة فى آن واحد. وحين نبحث فى أسبقيّة الموقف الفكرى عن الخيار الجمالى أو العكس، فإنّنا قد نقع فى سجالٍ فلسفى قديم، حول أسبقيّة المادّة على الفكرة أو العكس. إنّنى أعتقد أنّ التجربة الأدبيّة تعيش تحت وقع تجاذب مرن بين الجمالى والفكرى، فهما يتشكّلان فى إطار سيرورة التجربة نفسها. ولذلك أنا معنى فى تجربتى بالتجريب لا ريب فى ذلك، فكلّما انتقلتُ من عمل روائى إلى آخر، بحثتُ عن تقنيات جديدة تستوعبُ ما يشغلنى من أسئلة، وما يتناسبُ مع حركة الأفكار لدى، وفى أحيانٍ كثيرة يُحاور الشّكلُ عنى الفكرة، بل أهتدى إلى فكرة جديدة من خلال احتكاك تقنيات ببعضها البعض. تشريح النخبة المثقّف فى أعمالك كائن مهدّد لا منقذ. هل فقد الأدب ثقته فى صورة المثقف البطل؟ حاولت تشريح النخبة، حيثُ أرى أنّ من آثام هذه المرحلة الحضاريّة تراخى النخبة العربيّة، وتخلّفها عن أداء دورها طبعا لا يُمكن تحميلها ما يقع فى الواقع العربى برمّته، ولكنّها مدعوّة لإحداث مراجعات. كيف يلعب المثقّف دور المنقذ وهوَ غارقٌ فى أثقال اليومى، والخبز «الحافى»؟ عدد كبير من المثقفين لم يعد بإمكانهم متابعة حركة النشر العالمى أو مطالعة جديد الأدب الغربى والأمريكى اللاتينى، بسبب ضعف القدرة الشرائيّة، فكيفَ يُمكن تطوير الفكر وإحداث حراك ثقافى جديد. وكذلك تنتشر ظاهرة عزوف بعض الكتّاب عن القراءة، لوهم الاكتفاء بما تلقّفوه من معارف فى سنوات سابقة، وهذا أثّر كثيرا على نوعيّة الكتابات، بل إنّ عددا من النقاد لم يعد قادرا على قراءة ما ينشر من نصوص أدبيّة لافتة فى العالم، فكيفَ تكون الذّائقة النقديّة العربيّة الجديدة؟ لم يفقد الأدب ثقته فى المثقف البطل إلاّ لأنّ هذا المثقف يتخبّط فى واقع مرير فى الواقع العربى نفسه. هل الكتابة لديك فعل مقاومة معرفية أم محاولة لفهم هشاشة الإنسان داخل التاريخ؟ ما دامت الكتابة معنى أساسى فى الوجود فهى فعل مقاومة. وبقدر ما أقاوم بالكتابة فإنّنى أستكشف خبايا التجربة البشريّة المركّبة، فالكائن الإنسانى ليس هشّا فحسب، وإنّما هو صاحب أحوال ومقامات، ولا يُمكن استكمالُ اكتشافه أبداً، ما دامت حركته زمنيّة. ثمّ إنّ الإنسان فاعل فى هذا التاريخ، وبالتالى لا يُمكن النّظر إلى التاريخ وكأنّه شىء متعال عن التجربة الإنسانيّة، وطابع الهشاشة أو الصلابة، مبثوث فى هذه التجربة. ما من تاريخ يستقيل البشر من صناعته، وحدهم البشر الجامدون والمحنطون من أقالوا أنفسهم من الفعل فى التاريخ. لذلك أحاول الكتابة لأبيّن كيفَ يُمكن أن يكون للفعل البشرى أثر فى التغيير. إنّنا مدعوّون للتأثير فيمن حولنا، ولكنّ ذلك مشروط بمقاومة ما هو مألوف من بلادة الإكار وجمودها فى حياتنا العربيّة. شخصياتك تعيش على تخوم القلق والفقد. هل تعتقد أن الأدب المعاصر لم يعد يملك رفاهية الطمأنينة؟ أنا إنسان قلق، لذلك تعيش شخصياتى القلق، وأسعى أن يقلق القارئ معى، فليس للأدب من معنى إن لم يبثّ الانزعاج والتّوتّر فى القارئ. وليسَ هناك طمأنينة تامّة، منذ زمان قال المتنبّى «على قلق كأنّ الريح تحتى» فما بالك بزمننا المعاصر؟ ونحن نعيش تحوّلات فى كلّ يومٍ، ولا أحد منّا يقدر على التنبّؤ بما سيحدث فى الغد المنظور. لقد ولّت الطّمأنينة تماماً عن حياتنا المعاصرة وعلّنى أجازف بالقول بأنّ تلك حالة وجوديّة ملازمة للإنسان فى كلّ زمان، وما من عصر للطمأنينة إلاّ فى خيالاتنا وفى ذاكرتنا الجماعيّة التى توهّمت ذلك، فالإنسان البدائى كان قلقاً، وإنسان جميع العصور كذلك، فكيف يكون الأدب مطمئناً؟ يسعى الإنسان إلى تحقيق الطمأنينة مثل سعيه إلى تحصيل السّعادة، ولكن ما من شىء تام، سيكون النقصان هو الحالة المسترسلة فى كلّ عصرٍ، وسيظلّ الصراع قائماً فى داخل الإنسان وخارجه، لذلك لا وجود لرفاهيّة الطمأنينة، ولعلّ ذلك هو حافز السعى نحو استكمال المغامرة الإنسانيّة فى الوجود.