«ترامب: أمريكا ستدير فنزويلا»، تصدّر هذا العنوان شريط أخبار الوكالات العالمية في أعقاب عملية الاختطاف الأمريكية لرئيس دولة فنزويلا وعقيلته من داخل قصر الرئاسة في العاصمة كراكاس. لا أعتقد أنه يوجد من يتخيل أن تصل «بلطجة» القوة الأمريكية إلى هذا الحد. تقوم العسكرية الأمريكية بشن عملية عسكرية على دولة مستقلة، وعضو في الأممالمتحدة، وتختطف رئيسها وعقيلته من داخل القصر الرئاسي في عاصمة بلاده، ثم يظهر الرئيس الأمريكي على شاشات التلفاز ليعلنها بوضوح فجّ: «سنقوم بإدارة فنزويلا». من منح ترامب حق تحويل دولة مستقلة عدد سكانها يناهز 35 مليون نسمة إلى شركة؟ هذا التصريح يكشف، بلا مواربة، عن العقلية التي تُدير بها أمريكا العالم اليوم. ترامب يرى الدول مجرد شركات، يستطيع بقرار تنفيذي تغيير رئيس مجلس إدارتها، وتعيين بديل «تابع» لإدارتها. في اعتقادي أن صدمة التصريح أشد وطأة من صدمة الإخراج التليفزيوني الذي صاحب عملية الاختطاف ذاتها، لأنها تمثل الترجمة الخشنة ل«الترامبية» التي تحكم العالم: المصلحة تبرر البلطجة. هذا التصريح أقام جدارًا فاصلًا بين عالمين؛ عالم كانت فيه الولاياتالمتحدة تحترم – ولو شكليًا – الحد الأدنى من القانون الدولي، وعالم آخر أصبحت فيه الدول مجرد شركات تابعة للولايات المتحدة. اللافت في هذا المشهد هو مجاهرة ترامب بتصريحه دون اكتراث بأية توابع أو حسابات. في فترات سابقة، كانت الولاياتالمتحدة تبذل جهودًا حثيثة ل«شرعنة» قرصنتها ضد دول العالم، كما حدث في العراق وأفغانستان وغيرها، أما اليوم فقد كشفت أمريكا ترامب عن وجهها القبيح بلا مساحيق: «ما دمت معنا ستظل تحكم دولتك، أما إذا سرت عكس المصالح الأمريكية فسنختطفك من وسط شعبك ونعيّن بديلًا يدير الدولة، وبالتبعية سيكون أشبه بالمندوب الأمريكي». ترامب لا يعبأ بالشرعية من الأساس. لماذا يستنزف وقته وجهده في البحث عن غطاء قانوني لقراراته؟ الرجل قادم من خلفية استثمارية، ومن ثم يحكم بالعقلية الاستثمارية الصرفة. هو مكشوف الوجه، ويصف الأشياء بمسمياتها الحقيقية، لكن الكارثة الكبرى في أولئك الذين يعانون إنكارًا لا إراديًا لهذا الوجه. الله أعلم: أهو خوف أم طمأنينة زائدة ناتجة عن الوعود الأمريكية؟ أيًا كان السبب، بات لزامًا على دول العالم أن تعي حقيقة الوجه الأمريكي الجديد، لاسيما وأن عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي أزالت علامة الاستفهام التي صاحبت تغيير مسمى وزارة الدفاع الأمريكية إلى «وزارة الحرب». الولاياتالمتحدة أدارت ظهرها لاستراتيجية الدفاع، وباتت تنتهج استراتيجية الحرب في أي وقت وأي مكان. هذه هي الرسائل الأمريكية المباشرة لأي دولة في العالم. الأخطر من الحدث ذاته هو ما يحمله من دلالات مستقبلية على شكل النظام الدولي. نحن أمام لحظة كاشفة لانهيار ما تبقى من أوهام «العالم الحر» و«النظام القائم على الشرعية الدولية»، وهي الشعارات التي طالما استخدمتها واشنطن كسلاح ناعم لتبرير تدخلاتها. اليوم، لم تعد الولاياتالمتحدة معنية بتجميل أفعالها أو تسويق خطاب أخلاقي زائف، بل انتقلت إلى مرحلة « البلطجة»، حيث تُدار السياسة الخارجية وفق قانون ترامب. هذا التحول لا يهدد فقط دول الجنوب أو الأنظمة الموصوفة بالمتمردة، بل يفتح الباب على مصراعيه أمام فوضى دولية قد تطال حلفاء واشنطن أنفسهم، متى تعارضت مصالحهم مع المصالح الأمريكية. إن ما جرى في فنزويلا ليس استثناءً، بل نموذجًا مرشحًا للتكرار، في عالم تتراجع فيه قواعد القانون الدولي، ويُعاد تعريف الدولة باعتبارها أصلًا اقتصاديًا قابلًا للإدارة أو الاستحواذ. وفق ماسبق، فإن الصمت الدولي، أو الاكتفاء ببيانات الشجب، لا يقل خطورة عن الفعل نفسه، لأنه يمنح هذا السلوك شرعية الأمر الواقع. نحن أمام اختبار حقيقي لإرادة الدول وقدرتها على الدفاع عن مفهوم الدولة الوطنية، وإلا فإن شبح «الترامبية» سيصبح القاعدة لا الاستثناء.