■ كتب: هاجر علاء عبدالوهاب من خلال رؤية تشكيلية تنتمي لروح الحاضر وأثر ضارب فى عمق التاريخ، يفتح معرض «كحل لازورد» نافذة جديدة على أحد أكثر رموز التراث المصري ثراء ودلالة، فالكحل، بما يحمله من أبعاد جمالية وصحية وروحية لم يكن يوما مجرد تفصيلة شكلية، بل يعد تعبيرا عن فلسفة حضارية كاملة ترى فى العين مرآة للكون، وفى اللون طاقة للحماية والحياة. ومن هذا الإرث الإنساني تنطلق الفنانة التشكيلية الدكتورة وفاء ياديس لتعيد قراءة الرمز القديم بلغة تشكيلية معاصرة، تستحضر الذاكرة المصرية وتمنحها حضورا جديدا فى المشهد الفنى الراهن، من خلال معرضها الذى يقام عبر منصة «أرتمو» الألمانية الدولية للفنون المعاصرة حتى 19 يناير المقبل. فى تجربة فنية تستدعى الذاكرة المصرية العميقة تطل ياديس بمعرضها الجديد «كحل لازورد»، ليقدم قراءة تشكيلية مختلفة لأحد أكثر رموز التراث الإنسانى المصرى ثراءً ودلالة وهو الكحل. لا تتعامل ياديس مع الكحل بوصفه عنصرا تجميليا عابرا، بل كإرث بصرى وثقافى ارتبط بالمصرى القديم، وبفلسفته فى التوازن مع الطبيعة، فالخط الأسود حول العين لم يكن زينة فقط، بل محاكاة واعية لجمال عيون الحيوانات، وحماية صحية للعين، ودرعا رمزيا ضد الشرور والتعاويذ، هذا المعنى ينعكس فى أعمال المعرض التى تستدعى العين كرمز، واللون كحالة، والخط كذاكرة. ويأخذ المعرض بعدا أعمق من خلال استحضار حجر اللازورد (اللابس لازولى)، بوصفه حجرا مصريا له خصوصية لونية وجيولوجية، حيث تؤكد الفنانة جذوره المحلية، نافية الشائع عن كونه مستوردا، فى «كحل لازورد» يصبح الحجر لونا صافيا، وطاقة تشكيلية، ومكونا بصريا يحمل دلالة الطهارة والنقاء، بعيدا عن الشوائب والمعادن الدخيلة، كما تصفه الحضارة التى أنجبته. ينتمى المعرض إلى توجه «إيجيبتوسنتريك آرت»، الذى تؤسسه وفاء ياديس كاتجاه يعيد تمركز الفنون والعلوم المصرية القديمة داخل سياقها الحضارى الحقيقى، بعيدا عن التهميش أو القراءة المستوردة. ومن هذا المنطلق، تطرح الفنانة دعوة واضحة لإدراج «كحل لازورد» على قائمة التراث الإنسانى لليونسكو باسم مصر، باعتباره موروثا ثقافيا يحمل قيمة إنسانية وجمالية متفردة.