فى الوقت الذى يعلن فيه الرئيس الأمريكى بلا مواربة أن بلاده لم تعد ترحب بالمهاجرين، وفى اللحظة التى تتخذ فيها الإدارة الأمريكية ومعها حكومات أوروبية قرارات قاسية بترحيل اللاجئين وإغلاق الممرات التى كانت يومًا مفتوحة، تتبدل لغة العالم. لغة جديدة تفرض نفسها: لغة الإقصاء والانتقاء والمصلحة البحتة. لم تعد أبواب الدول الكبرى مشرّعة كما كانت، لا على الفقير الهارب من حرب، ولا على المقهور الفارّ من قمع، ولا على الباحث عن حياة أكثر إنصافًا. صار الطرد علنًا والمطالبة بالعودة إجبارًا، بل تحوّل رفض الآخر إلى خطاب رسمى وشعبى على السواء. لكن وسط هذا الضجيج، تبقى مصر الاستثناء. الدولة الوحيدة التى لم تغلق بابًا، ولم تضع لافتة «ممنوع الدخول». هنا عاش السورى بجوار السودانى والفلسطينى واليمنى والليبى والإريترى، بلا أسئلة تُقصى ولا إجراءات تُهين. هنا اختلطت الألسنة فى شوارعنا، امتزجت الروائح فى مطابخنا، تعانقت اللهجات فى مقاهينا، و فى المصانع والمتاجر وورش الحرف. تحوّلت القاهرة وكل مدننا إلى صورة مصغرة للأمم المتحدة، لا شعارات، ولا مؤتمرات، فقط حياة مشتركة فوق أرض واحدة. لهذا سُمّيت مصر أم الدنيا، ليس فقط لأنها كتبت التاريخ الأول وصنعت الحضارة مصر أم الدنيا لأنها لم تخذل طارقًا، ولا أغلقت بابًا فى وجه محتاج، لكن مصر، برغم سعتها واتساع صدرها، لا يمكن أن تسمح بأن يتحوّل هذا الاحتضان إلى تهديد لسلامها وأمنها. إن ثبت أن بين من دخلوا بصفة ضيوف من حمل السلاح خفية، أو تآمر، أو انتمى لجماعات متطرفة، أو سعى للإضرار بالمجتمع الذى آواه، يصبح الحزم حقًا والحسم واجبًا وحماية البيت ضرورة قبل أن تكون خيارًا. ولمصر فى ذلك قدوة ليست بعيدة: أوروبا التى رحّبت ثم ضاقت، وأمريكا التى فتحت ثم أغلقت، والغرب الذى بشر بحرية الحركة ثم أسدل الستار حين شعر بالخطر. مصر لم تفعل مثلهم، ولن تفعل، إلا إذا بات الخطر مؤكدًا وحقيقيًا، وحين يتطلب الأمر تعرف كيف تصبح دولة لا تُهان.