يشهد القرن الإفريقي تصاعدًا خطيرًا في التوترات، مع تشابك خرائط الصراع وارتفاع منسوب القلق على ضفتي البحر الأحمر، ليأتي الاعتراف الإسرائيلي بما يُسمى «أرض الصومال» كخطوة استفزازية جديدة ضربت بعرض الحائط ثوابت القانون الدولي وقواعد احترام سيادة الدول، وأعادت خلط أوراق إقليم مأزوم لم يعد يحتمل مزيدًا من المقامرات الجيوسياسية، مهددة وحدة الدولة الصومالية وأمن الملاحة الدولية. وقال الكاتب الصحفي إسلام عفيفي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم، إنَّ الاعتراف الإسرائيلي بما يُسمى «أرض الصومال» يمثل تفجيرًا متعمدًا لأزمات القرن الإفريقي، وفتح جبهة جديدة للهروب من مأزق غزة. أقرأ أيضا| البرلمان الصومالي يعتمد بالإجماع قرارًا يبطل اعتراف إسرائيل ب«أرض الصومال» وأضاف عفيفي في تصريحات خاصة ل «بوابة أخبار اليوم»: «لم ينقص المنطقة، ولا القرن الإفريقي تحديدًا، مزيد من الأزمات تُضاف إلى معاناة شعوب هذا الإقليم شديد الاضطراب، خاصة على ضفتي البحر الأحمر، نحن بالفعل أمام مشهد إقليمي مأزوم؛ حرب في اليمن، توترات ممتدة، وصراعات مفتوحة، وأزمات مزمنة تتقاطع عند ممرات الملاحة الدولية». وتابع: «ومن ثمّ، لم يكن أحد يتوقع أو ينتظر هذا الاعتراف الإسرائيلي، الذي أراه إجراءً استفزازيًا بكل المقاييس، وخطوة تصعيدية محسوبة بعناية، تستهدف إعادة خلط الأوراق في منطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من الاشتعال». ونوه عفيفي، على أن هذا التحرك لا يهدد القرن الإفريقي فحسب، وإنما يفتح الباب أمام فوضى سياسية وأمنية جديدة، ويُدخل الإقليم في نفق بالغ الخطورة. الموقف المصري واضح وثابت ولا يحتمل أي تأويل أكد "عفيفي"، أن الموقف المصري واضح وثابت ولا يحتمل أي تأويل، ومصر تتعامل مع الصومال باعتبارها دولة واحدة موحدة ذات سيادة كاملة، وترفض بشكل قاطع أي محاولات لتفتيت الدول أو العبث بوحدتها الوطنية. وأشار إلى أن السياسة الخارجية المصرية قائمة على مبدأ راسخ، يتمثل في الحفاظ على كيان الدول الوطنية، وصون سيادتها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وأوضح أن من هذا المنطلق، فإن الاعتراف الإسرائيلي بما يُسمى «صومالي لاند» لا يُعد فقط مساسًا بوحدة الدولة الصومالية، ولكن تفجيرًا لأزمة جديدة في قلب القرن الإفريقي، بما يهدد استقرار الإقليم بأسره، ويقوّض الأمن القومي العربي والإفريقي في آن واحد. وذكر عفيفي: «إن رسائل القاهرة في هذا الملف واضحة، قوية، ومباشرة، هناك تحرك دبلوماسي نشط، واتصالات مكثفة مع الأطراف الإقليمية والدولية، وكذلك مع المؤسسات الدولية المعنية، بهدف مجابهة هذا التحدي الجديد الذي يُفرض علينا في توقيت بالغ الحساسية». وأضاف: «مصر تدرك جيدًا خطورة نهج تفجير الأزمات أو محاولة الهروب من أزمة عبر خلق أخرى، وهو المنهج الذي تتبعه حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عبر تصدير أزماتها الداخلية والخارجية إلى محيطها الإقليمي، دون اكتراث بتداعيات ذلك على أمن واستقرار المنطقة». خطط أمريكا لإنقاذ « الابن المدلل» من رهائن ترامب الخاسر أشار عفيفي، إلى أن حكومة نتنياهو، تحاول ترحيل أزماتها إلى الخارج، وتعتقد أن الاعتراف بكيان مزعوم، وبسيادة مزعومة، قد يحقق لها مكاسب سياسية مؤقتة، أو يخفف الضغط الدولي المتصاعد عليها، خصوصًا في ملف غزة. وأكد أن هذا الرهان خاطئ، ولن يمر بسهولة، ما جرى يُعد عملًا غير مشروع، ويتعارض صراحة مع ميثاق الأممالمتحدة، ومع قواعد احترام سيادة الدول، ويشكّل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي، في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة للقرن الإفريقي والمنطقة بأسرها. وقال:«إن الإدارة الأمريكية تحاول باستمرار إيجاد مخارج سياسية تنقذ نتنياهو، وليس أدل على ذلك من مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر من مرة بضرورة إصدار عفو عنه في القضايا والجرائم التي يُحاكم بسببها». وأضاف: «الولاياتالمتحدة، إن جاز التعبير، تلعب دور «الليبرو»، الذي يحاول تأمين الدفاعات الخلفية لإسرائيل، ومنع قراراتها الاستفزازية من التسبب في انفجارات أوسع مع دول الإقليم». وتابع: «لكن هذا الدور يهدف إلى الاحتواء المؤقت، وليس إلى معالجة جذور الأزمة أو تصحيح المسار». ونوه عفيفي على أنه قد يكون هناك قدر من الارتباك، لكنه ارتباك ناتج عن خطورة المشهد، وليس عن غياب الرؤية، فمجرد الدعوة لانعقاد الجامعة العربية تعني أن هناك إدراكًا جماعيًا بأن الأمر بالغ الخطورة. وقال: «الصومال دولة عضو في الجامعة العربية، ولها كامل الحق في الدفاع عن وحدتها وسلامة أراضيها، وهناك اتفاقيات دفاع مشترك ومسؤولية عربية جماعية». وأضاف: «كما أتصور أن الاتحاد الإفريقي نفسه لن يقف مكتوف الأيدي، وسيكون هناك تحرك لحماية الأراضي الصومالية من محاولات التفتيت أو التدخل في شؤون الدولة». الأهداف الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة وحول الأهداف الإسرائيلية، قال عفيفي: «بلا شك، تقف خلف هذه الخطوة أهداف متعددة ومتداخلة؛ فالهدف المباشر قد يتمثل في استهداف تركيا أو محاولة تحجيم دورها المتنامي في الإقليم، غير أن الهدف الأعمق والأكثر خطورة يتمثل في ممارسة ضغوط مركبة على مصر، ومحاولة «شد أطرافها» عبر حدودها الأربعة، من خلال إشغالها بملفات أمنية معقدة ومتزامنة». وأضاف: «إن إسرائيل تمتلك سجلًا ممتدًا من التدخل في شؤون القرن الإفريقي، لا سيما عبر دعم إثيوبيا، بما يسهم في تعميق الخلافات مع دول المصب، ويغذّي بؤر توتر مزمنة، تخدم في مجملها أجنداتها الاستراتيجية الرامية إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ في الإقليم». أشار عفيفي، إلى أنه بلا شك، هناك هواجس إسرائيلية مستمرة تتعلق بمحاولات التخلص من الفلسطينيين في غزة بأي شكل ممكن، وقد تكون إحدى السيناريوهات المطروحة، ولو بشكل غير معلن، هي فكرة التهجير أو الترحيل الطوعي إلى مناطق مثل الصومال، وهو طرح شديد الخطورة، ويُعد جريمة سياسية وأخلاقية مرفوضة. التقارب المصري التركي ودوره الاستراتيجي قال عفيفي: «هناك تقارب حقيقي ومتنامٍ بين مصر وتركيا، شهدناه على مستوى المؤسسات والقيادتين السياسيتين، وهناك زيارة مرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر خلال الأشهر الأولى من العام». وأضاف: «كما أن العلاقات تسير في اتجاه إيجابي، مع تنسيق واضح في ملفات إقليمية شديدة السخونة، فضلًا عن مصالح اقتصادية متبادلة، وتعاون صناعي وتجاري، واستثمارات تركية قائمة بالفعل في مصر». وتابع: «هذا النمط من العلاقات يخدم البلدين، ويصب في صالح استقرار الإقليم، ويدعم منهج التهدئة الذي تسعى إليه مصر دائمًا، بدلًا من سياسات التصعيد وخلق الأزمات المفتعلة». بهذا الطرح، قدم الكاتب الصحفي إسلام عفيفي رؤية شاملة لمشهد إقليمي شديد التعقيد، تتشابك فيه حسابات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية مع التحولات الدولية المتسارعة، لتصبح المنطقة أمام تحديات حقيقية تهدد الاستقرار والسلم الإقليمي، مؤكدًا أن الموقف المصري يرتكز على رؤية استراتيجية متقدمة، تتجاوز منطق ردود الفعل العاجلة، وتوازن بين صون الثوابت الوطنية وحماية سيادة الدولة، وبين إدارة التحديات الإقليمية بأدوات دبلوماسية رصينة. وأن مصر تتعامل مع الأزمات بحنكة وعمق استراتيجي، ملتزمة بأطر القانون الدولي، ومتصدة لأي محاولات للتدخل في شؤون الدول أو زعزعة استقرارها، لتظل ركيزة أساسية في حماية أمن القرن الإفريقي وضمان استقرار الملاحة في البحر الأحمر، مؤكدة دورها القيادي في صياغة توازنات المنطقة في واحدة من أكثر اللحظات الإقليمية حساسية وتعقيدًا.