كلمة «لا» كانت المفردة الأكثر حضورًا في طفولتي.. لا للسهر، لا لرفقاء السوء، لا لإضاعة الوقت، ولا لكل ما كنت أظنه وقتها حرية.. في ذلك الوقت كنت أرى والدي سجانًا ببدلة رسمية، يراقب تحركاتي، ويحاصر أحلامي الطائشة بأسوار من الأصول والتقاليد التي كنت أراها بالية ومزعجة، كنت وبكل صراحة المراهق المتمرد، أقول بنفسي: أنا أكره هذا الحزم. لم أكن أدرك أن حرصه الذي كان يخنقني، هو فى الحقيقة حائط صد يحمينى، كنت أرى توجيهى للطريق الصحيح تدخلًا فى أمورى، وأرى تمسكه بالتربية الصارمة نوعًا من التسلط، لم أفهم وقتها أن منعى من ارتياد أماكن معينة كان خوفًا علىّ من السقوط فى هاوية لا رجعة منها، وأن إصراره على الأصول كان محاولة لغرس جذور تثبتنى أمام رياح الحياة. كنت أفهم خوفه سيطرة، وحبه قيدًا، كنت أظن أن الأب المثالى هو من يترك الحبل على الغارب، لكننى لم أكن أعلم أن الحبل المتروك غالبًا ما ينتهى بصاحبه غريقًا. ومرت السنوات، وتغيرت الأدوار اليوم، أقف أنا فى نفس المكان الذى كان يقف فيه أبى، أجدنى أقول لنفسى لا قبل أن أقولها لأبنائى، أتبع ذات المنهج، وأقدس تلك الأصول، وأتمسك بذات القواعد التى تربيت عليها يومًا. المفارقة المضحكة المبكية فى آن واحد، أننى أرى فى عيون أبنائى اليوم تلك النظرة التى كنت أوجهها لأبى، اقرأ فى صمتهم اتهامات بالرجعية والتشدد، أسمع تأففهم حين أحدثهم عن القيم، وأشعر بمرارة أن يُفهم حرصى عليهم خطأً، تماماً كما فعلت مع والدى. إننا لا نفهم آباءنا حقا إلا عندما نصبح آباء؛ حينها فقط ندرك أن تلك القسوة كانت قمة الرحمة. إلى أبى، الذى ربما لم أخبره يومًا أننى فهمت الدرس: شكرًا لأنك لم تضعف أمام تمردى، وشكرًا لأنك كنت الحائط الذى استندت إليه حتى وأنا أحاول هدمه. واليوم، وأنا أمارس دور السجان مع أبنائى بحب، أدركت أن كراهيتى القديمة لم تكن إلا جهلًا بقيمة الكنز الذى كنت تمنحه لى، إننى اليوم أتبع منهجك بكل فخر، لأننى ببساطة أريد لأبنائى أن ينجوا، كما جعلتنى أنجو. وليت اليوم أبنائى يفهمون.