يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 260 من سورة البقرة بقوله: هنا ملحظية فى طلاقة القدرة، وفى الفرق بين القدرة الواجبة لواجب الوجود، وهو الحق سبحانه وتعالى، والقدرة الممنوحة من واجب الوجود وهو الله سبحانه لمنكر واجب الوجود وهو الإنسان، هذا له قدرة، وذاك له قدرة؛ إن قدرة الله هى قدرة واجبة، وقدرة الإنسان هى قدرة ممكنة، وقدرة الله لا ينزعها منه أحد، وقدرة الإنسان ينزعها الله منه؛ فالإنسان من البشر، والبشر تتفاوت قدراتهم؛ فحين تكون لأحدهم قدرة فهناك آخر لا قدرة له، أى عاجز. ويستطيع القادر من البشر أن يعدى أثر قدرته إلى العاجز؛ فقد يحمل القادر كرسيا ليجلس عليه من لا يقدر على حمله. لكن قدرة الحق تختلف. كأن الحق سبحانه وتعالى يقول: أنا أعدى من قدرتى إلى من لا يقدر فيقدر، أنا أقول للضعيف: كن قادرًا، فيكون. وهذا ما نفهمه من قوله سبحانه لإبراهيم: ﴿ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾. إن إبراهيم كواحد من البشر عاجز عن كيفية الإحياء، ولكن الحق يعطيه القدرة على أن ينادى الطير، فيأتى الطير سعيا. إن الحق يعطى القدرة لإبراهيم أن يدعو الطير فيأتى الطير سعيا. وهذا هو الفرق بين القدرة الواجبة، وبين القدرة الممكنة. إن قدرة الممكن لا يعديها أحدٌ لخالٍ منها، ولكن قدرة وجب الوجود تُعديها إلى من لا يقدر فيقدر، ولذلك يأتى القول الحكيم بخصائص عيسى ابن مريم عليه السلام: ﴿وَرَسُولًا إلى بنى إِسْرَائِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أنى أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله وَأُبْرِئ الأكمه والأبرص وَأُحْيِ الموتى بِإِذْنِ الله وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِى ذلك لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ «آل عمران: 49».إن خصائص عيسى ابن مريم لا تكون إلا بإذن من الله، فقدرة عيسى عليه السلام أن يصنع من الطين ما هو على هيئة الطير، وإذا نفخ فيه بإذن الله لأصبح طيرا، وكذلك إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، إن ذلك كله بإذن ممن؟ بإذن من الله. وكذلك كان الأمر فى تجربة سيدنا إبراهيم، لذلك قال له الحق: ﴿واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . إن الله عزيز أى لا يغلبه أحد. وهو حكيم أى يضع كل شيء فى موقعه. وكذلك يبسط الحق قصة الحياة وقصة الموت فى تجربة مادية؛ ليطمئن قلب سيدنا إبراهيم، وقد جاءت قصة الحياة والموت؛ لأن الشك عند الذين عاصروا الدعوة المحمدية كان فى مسألة البعث من الموت، وكل كلامهم يؤدى إلى ذلك، فهم تعجبوا من حدوث هذا الأمر: ﴿قالوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ «المؤمنون: 82». وفى قول آخر: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِى العظام وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الذى أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾«يس: 78 - 79». لقد أمر الحق سبحانه محمدًا َ ليجيب عن ذلك: قل يا محمد: يحييها الذى أنشأها أول مرة؛ فقد خلقها من عدم ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَهُوَ الذى يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المثل الأعلى فِى السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ «الروم: 27». إن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يبدأ الخلق على غير مثال، ثم يعيده بعد الموت، وإعادته أهون عليه من ابتدائه بالنظر إلى مقاييس اعتقاد من يظن أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه؛ فالله له مطلق القدرة فى خلقه، وهو الغالب فى ملكه، وهو الحكيم فى فعله وتقديره. إن الذى يعيد إنما يعيد من موجود، أما الذى بدأ فمن معدوم. فالأهون هو الإعادة، أما الابتداء فهو ابتداء من معدوم، وكلاهما من قدرة الحق سبحانه وتعالى. إن هذه القضية إنما تثبت اليوم الآخر، لأن الإيمان باليوم الآخر هو الميزان العقدى فإن استقر فى القلب فالإنسان بكل جوارحه يتجه إلى الأفعال التى تسير على ضوء منهج الله لينال الإنسان الجزاء الأوفى. إن الإنسان حينما يفهم أن هناك حسابا وهناك جزاءً، وهناك بعثا، فهو يعرف أنه لم ينطلق فى هذا العالم، ولم يفلت من الإله الواحد القهار، إن للإنسان عودة، فالذى يغتر بما آتاه الله نقول له: لا، إنك لن تفلت من يد الله، بل لك عودة بالموت وعودة بالبعث. وإذا ما استقرت فى أذهان المسلمين تلك العودة، فكل إنسان يقيم حسابه على هذه العودة.