أنا فريد الأطرش الموسيقار والممثل، ولو وضعنى القدر فى غير موضعى هذا لكان غير منصف، ولما أحسست بطعم للحياة، لقد خلق الفقر منى فناناً يشعر، ويحس بآلام الغير، وخلقت المتاعب منى هذا الرجل الذى يود من صميم قلبه أن يزيل عن الناس المتاعب ويزيحها من طريقهم، وكان عودى هو منبع ثروتى ومجدى. هذا العود الذى بثته آلامى وأشجانى، فنطق وعندئذٍ شعرت بالأبواب المغلقة تُفتح أمام آهات عودى وتوسلات أوتاره وأغاريد نغماته، وأحسست أن هذا «العود» له رسالة وأنه يستميت فى سبيل أدائها، وكان صوت أختى «اسمهان» هو محور رسالته، فسار إلى جوارها يغرد لها بالألحان وتقبل الناس اللحن والصوت الملائكى بنشوة، وأحسست أنا المغمور فى الجوع والمحاولات الفاشلة - أننى مُلهم وأننى موضع انتباه الناس، وزاد هذا الإحساس فى إلهاب مكامن حبى وإحساسى العميق بثورتى الفنية التى تعتمل فى جوانحى، وبدأت ألحن لها ولنفسى.. وقد تأثرت أول ما تأثرت بفن الموسيقار محمد عبد الوهاب، فقد تفتح إلهامى على صيته الذائع، ومجده العريض، وموسيقاه التى كان الناس يتقبلونها فى لهفة وحب وإعجاب، وعشت فى فن محمد عبد الوهاب طويلاً حتى استجمعت طاقتى الفنية والروحية، وأبدأ استقلالى بفنى ولونى فى تؤدة ورفق حتى لا أضل الطريق، وحتى أصل إلى تحقيق غايتى الوطنية السامية التى تهدف إلى أن تتخذ الموسيقى الشرقية مكاناً بين الموسيقى العالمية.. وأعترف بأننى مدين لله تعالى بكل شيء، مدين له بالنجاح والحب الذى يغمرنى به جمهورى، والسعادة هى آخر شيء يفكر فيه الفنان فيكفيه لكى يكون سعيد البال أن يرى كل الناس سعداء. فريد الأطرش «المصور» - 27 يوليو 1954