فى كلام عم رجب، نبرة فنان أكثر منها صانع، فهو لا يصلح النحاس فحسب، بل يعيد له الروح، يستخدم أدوات بسيطة وطرقًا تقليدية تعلمها من آبائه، لكنه يُضيف إليها بصمته الخاصة. اقرأ أيضًا | حماية التراث وضرورة التطوير بعد الحريق في حارة اليهود بالجمالية فى أحد الأزقة القديمة التى تعبق برائحة التاريخ، يجلس رجل سبعينى فى كوخ أسفل أنقاض عقارين منهارين بحارة اليهود، فى المنشية بقلب الإسكندرية، وسط ضوء خافت ينساب من نجفة نحاسية تتلألأ تحت يديه، يلمع المعدن كما لو أنه قطعة من روحه.. إنه عم رجب الذى قضى 50 عامًا من عمره فى مهنة إصلاح النجف النحاسى التراثى القديم، لا يتحدث عن مهنة، بل عن عشق ممتد نصف قرن.. كل قطعة تمر بين يديه تحمل حكاية، وكل نجفة يُرممها هى ذاكرة بيت أو قصر، يقول بنظرة يملؤها الفخر: «أرى النجفة بعينى قبل الزبون، لابد أن تعجبنى أنا أولًا، أختارها قبل أن أعمل فيها، لابد أن تكون قطعة نادرة تستحق الصيانة والعمل، لأن شغلى صعب ومجهد ومكلف» يضحك عم رجب وهو يتذكر النجفة الضخمة التى جاءته من أحد الزبائن قائلًا: «الزبون أحضر لى نجفة عمرها 200 سنة، ورثها عن جدته وكانت شبه معدومة، أعدتها جديدة وكأنها مصنوعة من يومين، تصلح أن تُعلق فى قصر محمد علي». يتوقف لحظة، ينظر إلى السقف كأنه يرى النجفة القديمة تُحَلِّق مجددًا، ثم يقول بصوت عميق «هى فعلًا كانت تُحفة ملكية».. ويضيف «النجف النحاس ليس مجرد إضاءة، بل هوية فنية وحضارية، جزء من تراث مصر الذى يجب الحفاظ عليه فى زمن طغت عليه المصابيح المستوردة والمنتجات السريعة، معظم الذين يعملون فى هذا الزمن يريدون العمل السهل والسريع، لكن أنا أتعامل مع التراث، مع القطعة التى لها عمر وتاريخ، وهذا يحتاج إلى صبر وحب». ويتابع عم رجب، أنه رغم صعوبة المهنة وارتفاع تكاليفها، لا أفكر فى تركها أبدًا، بل أراها جزءًا من كيانى، أنا لا أستطيع ترك عملي، هنا حياتي، كل نجفة أصلحها أشعر بأنها ابنتي، أعيد لها روحها كما الأب يربى أولاده».