في السنوات الأخيرة، دخل الذكاء الاصطناعي عالم الفن كرفيق غير متوقّع، يرسم ويعزف ويكتب ويخرج. بين الدهشة والقلق، وبين سؤال: «هل يهدد الفنان أم يمنحه أجنحة جديدة؟» يأخذنا باب «آرتيفيشيال نيوز» في رحلة لاكتشاف كيف يعيد المستقبل كتابة لغته الفنية. في أواخر أكتوبر 2025، نشرت مجلة"UNESCO Courier" مقالًا بعنوان "اللحظة الحاسمة بين الفن والذكاء الاصطناعي"، قدمت فيه رؤية فلسفية حول طبيعة الإبداع في زمن الآلة. الفكرة الأساسية التي يطرحها الكاتب هي أن الذكاء الاصطناعي لا يرى العالم كما تفعل الكاميرا، بل يعيد تركيب الذاكرة الإنسانية في صورة جديدة، وكأنه يرسم من داخلنا لا من حولنا. الفن، بحسب هذا التصور، لم يعد نافذة على الواقع، بل مرآة لأرشيف بشري ضخم تمّت معالجته خوارزميًا. يكتب المقال: "الكاميرا تلتقط اللحظة، أما الذكاء الاصطناعي فيستحضر ملايين اللحظات ليخلق لحظة تبدو جديدة»وهنا يظهر السؤال الذي يلاحق الفنانين والنقاد اليوم: هل ما ينتجه AI يُعدّ إبداعًا أم مجرّد إعادة توزيع لذاكرة بشرية مشتركة؟". هذا الطرح الهادئ يصطدم مباشرةً بما وصفه مقال رأي آخر نشرته صحيفة"The Saturday Paper" الأسترالية بعنوان "الدفاع عن المؤلف البشري في زمن الذكاء الاصطناعي"، الكاتب يحذّر من أن النظام التجاري والتقني الذي يقف خلف أدوات AI يهدد بتحويل الفن إلى عملية ميكانيكية مربحة، تُفرغ الإبداع من روحه لصالح كفاءة السوق. يقول المقال: "ما لم ندافع عن المؤلف البشري، سنجد أن العمل الفني يُقاس بعدد النقرات لا بصدق التجربة"، الاختلاف بين المقالين يشبه المسافة بين المرسم والمصنع: في الأول، الذكاء الاصطناعي يقدم كأداة تفكير جديدة تعيد تعريف ما هو الجمال، وفي الثاني، يقدم كتهديد يحول الفنان إلى عامل في خط إنتاج رقمي. لكن الأهم من التناقض هو إننا نعيش لحظة مزدوجة، لحظة انبهار وانزعاج معًا. من جهة، يتيح الذكاء الاصطناعي إمكانيات لم يكن الخيال البشري قادرًا على بلوغها بهذه السرعة. ومن جهة أخرى، يُحاصر الفن في منطق الملكية والحقوق والتراخيص والعوائد، كما ظهر مؤخرًا في النزاعات بين شركات الموسيقى الكبرى ومنصّات التوليد الصوتي. "هل الآلة تُبدع؟" هنا يصبح السؤال الفلسفي من مقال "اليونسكو" – "هل الآلة تُبدع؟" – مرتبطًا مباشرة بالسؤال الأخلاقي "من The Saturday Paper –ولمن تُبدع؟"، فحتى لو قبلنا أن الخوارزمية تستطيع توليد الجمال، فمن الذي يمتلك هذا الجمال؟ الفنان؟ الشركة؟ أم الكود نفسه؟ المفارقة أن كلا المقالين، رغم اختلاف النبرة، يلتقيان في نقطة واحدة: أن الذكاء الاصطناعي ليس كيانًا محايدًا، بل هو انعكاس لخيارات بشرية – فنية واقتصادية – تُترجم في النهاية إلى بيانات وأرباح. الآلة لا تسرق الإبداع، بل تكشف عن الجهة التي كانت تملكه أصلًا. ربما لذلك، تبدو "اللحظة الحاسمة" التي تحدثت عنهاUNESCO" " أقرب إلى اختبار جماعي: "هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي ليوسّع الخيال، أم ليوسّع السوق؟، وهل يمكن للفنان أن يظلّ حرًا داخل منظومة تصممه ليتنبّأ بما يُباع أكثر؟". الجواب – كما يختم مقال "The Saturday Paper" – ليس تقنيًا بل إنساني، فالدفاع عن المؤلف البشري لا يعني رفض الآلة، بل إعادة وضع الإنسان في مركز المعادلة: أن تظلّ التجربة والدهشة والنية هي ما يصنع الفن، لا مجرد خوارزمية تتقن التقليد. وفي النهاية، سواء نظرنا إلى الذكاء الاصطناعي كأداة أو كخصم، تبقى الحقيقة أن الإبداع البشري وجد نفسه لأول مرة أمام مرآة تفكر مثله. والسؤال الآن لم يعُد: "هل تستطيع الآلة أن تخلق؟"، بل: "هل نستطيع نحن أن نظلّ مبدعين في عالم تُعيد صياغته الآلة؟" اقرأ أيضا: مونيه..أول فنانة ذكاء اصطناعي توقع عقدًا بملايين الدولارات وتدخل قوائم «بيلبورد»