ما فعله حزب الله على «صخرة الروشة» يوم الخميس الماضى أحدث حالة من الجدل والغضب فى بيروت فى سبتمبر عام 2009 كنت فى بيروت.. كانت المرة الأولى التى أزور فيها العاصمة اللبنانية.. وصلنا مساء وكانت الأجواء خريفية بامتياز وطلبت من السائق الذى يرافقنى خلال الزيارة أن يذهب بى إلى «الخط الأخضر» الذى كان موجودًا أثناء الحرب الأهلية وهو خط وهمى لكنه فى الذاكرة اللبنانية لا يزال له تأثير لا يمحى.. وأن أزور ساحة الشهداء.. كان السائق الخمسينى عمرًا مندهشًا من طلبى.. فى ذاكرتى يمثل هذا الخط منعطفًا كبيرًا فى نشرات الأخبار ومعلمًا مهمًا يفصل بين بيروتالشرقية، حيث مقاتلو القوات اللبنانية والقوى المسيحية وبيروتالغربية حيث الغالبية العظمى من المسلمين والمليشيات المسلحة المسلمة وقوات حركة أمل الشيعية. المهم ذهبت برفقة السائق إلى ما كان معروفًا بالخط الأخضر فى غرب العاصمة وهو لم يكن بعيدًا عن الفندق الذى أقيم فيه. وقفت أتخيل كيف كانت صورة المشهد فى تلك الأيام خلال سنوات 1975 حتى أوائل عام 1990.. كانت المعارك طاحنة بين المتقاتلين دخل فيها الدين والهوية على الخط. وشهدت بيروت قتالًا على النفوذ بين المسيحيين أنفسهم وكذلك بين المسلمين لتنتهى الحرب الأهلية اللبنانية بإقصاء ميشال عون عن منصب الرئيس وتمكين حكومة إلياس الهراوى من رئاسة الوزراء وبإصدار البرلمان اللبنانى فى مارس 1991 لقانون العفو عن كل الجرائم التى حصلت منذ بداية الحرب فى 1975. وفى مايو 1991 تم حل جميع الميليشات باستثناء حزب الله تنفيذًا لاتفاق الطائف وبدأت عملية بناء الجيش اللبنانى كجيش وطنى غير طائفى. ومع رفض حزب الله الذى ظهر كقوة مسلحة فى نهاية الحرب الأهلية وبدعم سورى وإيرانى مسألة تسليم سلاحه للجيش فإن لبنان بات مقبلًا على حرب أهلية قريبة.. تخمينى يعود إلى الضغط الأمريكى على الحكومة اللبنانية ليقوم الجيش بحصر سلاح حزب الله بالقوة والذى يرفض تمامًا تسليم سلاحه تحت مبرر أنه سلاح المقاومة.. ناهيكم عن مقاتلين آخرين مثل قوات حماس وفصائل فلسطينية أخرى على أرض لبنان ترفض تسليم سلاحها هى الأخرى تحت حجة أنهم سيفعلون ذلك فى حال وافق حزب الله على التسليم! الحكاية ببساطة أن تهديد إسرائيل بالدخول إلى لبنان للقضاء على ما تبقى من مقاتلى حزب الله واحتلال الجنوب اللبنانى والضغوط التى يمارسها المبعوث الأمريكى توم باراك لتسريع عملية حصر سلاح حزب الله واتهامه للحكومة بأنها تعالج الأمور ببطء ومجرد كلام قد تصل إلى طريق الصدام ووقتها لا بديل عن حرب أهلية بين الجيش والحزب وكذلك الدور الإيرانى الذى يستخدم الحزب ورقة للتفاوض مع الولاياتالمتحدة.. هذه العوامل مجتمعة قد تؤدى إلى الحرب التى لا يتمناها أحد فى لبنان أو المنطقة العربية. حزب الله يماطل ويتهم الرئيس اللبنانى وحكومة نواف سلام بالخضوع للمفاوض الأمريكى وأن المسألة شأن لبنانى خالص بينما الجيش وضع خطة زمنية غير محددة الوقت لتنفيذ مهمته ولبنان الرسمى حائر وفى موقف صعب للغاية. وما فعله حزب الله على «صخرة الروشة» يوم الخميس الماضى أحدث حالة من الجدل والغضب فى بيروت بعد أن رفع مقاتلوه لافتات تتهم رئيس الوزراء نواف سليم بالعمالة للصهاينة والمتاجرة برفع صور رفيق الحريرى رئيس الحكومة الراحل مع نصر الله. بينما انتقد رئيس مجلس النواب اللبنانى نبيه برى تصريحات باراك بشأن تعامل بيروت مع ملف نزع سلاح «حزب الله»، وقال إن جيش بلاده «ليس حرس حدود لإسرائيل وسلاحه ليس فتنة بل سلاح لحماية السلم الأهلى» وإن تصريحات باراك لا تعكس الواقع». لبنان فى وضع محير والضغوط عليه لا تنتهى وربما تساهم المفاوضات الجارية بشأن غزة فى خلق وضع جديد يقلل من حدة الأزمة فى بيروت. نتمنى ذلك.