داخل قرية دلجا، يقع البيت الذي تحول من مكان آمن للحياة إلى مسرح لجريمة هزت الرأي العام وهي؛ «مقتل أب وأطفاله الستة على يد زوجة الأب».. للوهلة الأولى يبدو مجرد بيت ريفي عادي، جدرانه الطينية وبابه الخشبي العتيق لا يوحيان بأن بين جدرانه كُتبت واحدة من أبشع المآسي. بيت واسع مكون من طابقين، يختبئ خلف شجرة جميز عتيقة، اعتادت أن تظلل المارين تحتها. النوافذ الحديدية مغطاة بستائر باهتة؛ بعضها ممزق من فعل السنين، لكن يكفي أن تتأملها لتتخيل كيف كانت تُفتح في الصباح ليستقبل أهل البيت شمس يوم جديد وضحكات أطفال، وكيف كانت تُغلق مع غروب الشمس لتضمهم جميعًا حول مائدة واحدة. كان اليوم الذي بدأت فيه خيوط الجريمة يومًا عامرًا بالضحكات ورائحة الطعام المنبعثة منه بفضل البخار، قبل أن يصبح شاهدًا على موت جماعي لم ينجُ منه سوى والدة الأطفال الستة. حين تخطو داخل البيت، يسيطر عليك صمت ثقيل، ينقبض قلبك فجأة.. تشعر أن الجدران نفسها تخبرك القصة بصمتها، كأنها لا تزال حائرة بين الماضي الدافئ والكارثة التي بددت كل شيء.. ما أن تعبر عتبة الباب الخشبي أول ما تقع عليه عيناك هو الطرقة الطويلة المؤدية إلى الداخل، أرضيتها مغطاة بطبقة من التراب كأنها لم تُمس منذ أيام، ولما لا فالبيت مغلق لا يعيش فيه أحد بعد تلك المأساة.. وعلى أحد الجوانب حذاء طفل صغير مُلقى بإهمال، يذكرك أن هنا كان صخب وحياة. تتقدم خطوات قليلة، فتجد نفسك في غرفة الجلوس؛ الطبلية الخشبية الصغيرة ما زالت في مكانها، فوقها بقايا عشاء لم يكتمل؛ أرز متناثر، وكسرة خبز يابسة، وكوب ماء نُسي نصفه. في تلك الليلة، جلست الأسرة كعادتها حول الطبلية.. الأطفال التفوا حولها في لهفة، كانت الأجواء دافئة، الأب يقطع من الأرغفة الساخنة التي وصلت إليهم منذ قليل من زوجته الثانية، ويضع أمام كل واحد نصيبه.. رائحة الخبز الطازج ملأت المكان، واختلطت برائحة الطعام البسيط الذي أعدوه؛ لتصنع جوًا من الرضا والسكينة. الضحك يتعالى بين الحين والآخر.. لم يكن أحد منهم يدرك أن الأرغفة التي تبدو كهدية عادية تحمل في قلبها سُمًّا زعافًا، أرسلتها أيادى باردة لم تعرف للرحمة طريقًا. في الخارج حيث أُعدّ الفخ؛ جلست القاتلة بعيدًا عن المشهد، متأكدة أن خطتها ستصل إليهم كما أرادت.. ليست بحاجة لتكون حاضرة؛ تركت السم يسري إلى أجسادهم مع كل لقمة يبتلعونها. كان المشهد عاديًا للعين، لكن لو دققت النظر لرأيت الموت جالسًا معهم على المائدة، مختبئًا بين كسرة الخبز وابتسامة الأطفال. لم تمر دقائق قليلة على تناولهم الطعام، حتى تغيّر الجو الذي كان قبل لحظات مليئًا بالضحك والدفء. أول ما بدأ الأمر كان مع أصغر الأطفال؛ وضع يده على بطنه، يتلوّى من ألم مفاجئ، ثم أطلق صرخة صغيرة أربكت الجميع.. الأم نظرت إليه بقلق، تحاول تهدئته، بينما الأب يظن في البداية أنه مغص عابر. لكن سرعان ما تبدل كل شيء.. بدأت الأجساد تتلوى واحدًا تلو الآخر.. الأطفال تتعالى صرخاتهم، بعضهم يتقيأ، والبعض الآخر يسقط أرضًا كأن الحياة تنسحب منه ببطء. الغرفة التي كانت قبل لحظات عامرة بالضحكات، امتلأت بأصوات الأنين والارتطام بالأرض. كان المشهد مأساويًا بكل تفاصيله؛ بيت صغير امتلأ فجأة بالموت، بينما في الخارج ظلت القرية غارقة في سكونها، لا تدري أن جريمة كاملة تنفذ بين جدران هذا البيت. مشهد مأساوي ترك القرية كلها في حالة ذهول، والبيت صامتًا يحكي القصة بلا كلمات.. نترك البيت ونذهب لنيابة المنيا لننقل لكم اعترافات المتهمة كاملة كما سجلتها محاضر التحقيق. اعترافات أمام غرفة التحقيق، تقف هاجر، المتهمة بقتل زوجها وأطفاله الستة، كنا بالقرب منها وهي تقف وفي يدها «الكلابشات»، ترتدي عباءة سوداء، وعلى رأسها طرحة سوداء.. متوسطة الطول والقامة.. قمحية البشرة، ورغم صغر سنها التي لم يتعد ال26 عاما إلا أنها بدت كعجوز، تقف شاردة الذهن وكأنها تتذكر تلك اللحظة التي أقدمت فيها على قتل 7 أرواح دفعة واحدة دون أن يرجف لها رمشا، لم تفق من شرودها سوى بسماع صوتها للدخول أمام رئيس النيابة للاعتراف بتفاصيل جريمتها.. دخلت هاجر غرفة التحقيق، بجسد يرتعش وعين تفيض من الدموع؛ ليبدأ التحقيق... *اسمك وسنك وعنوانك؟ هاجر أحمد عبدالكريم وشهرتي نعمة، 26 سنة ومقيمة قرية دلجا- ديمواس *ما هي ظروف نشأتك الاجتماعية تحديدًا؟ أنا من أسرة مكونة من 8 أشقاء، فيهم 3 إخوة أشقاء و5 غير أشقاء، وأبويا كان بيشتغل موظف وأمي كانت ست بيت، وإخواتي البنات الثلاثة متجوزين وأنا الرابعة. *وما هو مؤهلك الدراسي؟ أنا اتعلمت لحد تانية إعدادي وما كملتش تعليمي عشان أهلي طلعوني من المدرسة. *متى تزوجتِ من نجل عمك الذي يدعى صدام؟ في 2019 وأنا عندي 18 سنة، وصدام كان عنده 27 سنة. *ومتى تطلقتِ منه؟ اتطلقت منه بعد جوازي ب3 أشهر، وبعدها رسمي بسنة عشان إحنا مش متفاهمين. *وكيف تعرفتِ على زوجك ناصر محمد على؟ أنا اتعرفت على ناصر بعد لما اتطلقت ب3سنين، هي والدته جات الأول وبعد كده جه هو اتقدم لي، لكن أنا مكنتش أعرفه. *وما سبب قبولك الزواج منه على الرغم من كونه كان متزوجًا من أخرى ولديه ستة أطفال؟ هو نصيب. *وكيف كانت العلاقة بينك وبين سالف الذكر؟ كانت كويسة. *هل حدثت أي خلافات فيما بينكما؟ خلافات عائلية عادية زي إن أنا اتأخر في فتح الباب أو يروح عليا نوم ومصحاش بدري وحاجات زي كده. *وهل أنجبتِ من زوجك سالف الذكر أطفالًا؟ أيوه، أنا خلفت رؤية عندها سنة و3 شهور، وأشرقت عندها 13 يوم، وقبل حملي برؤية كنت حامل في ولد لكنه نزل، وكان عمره أربع شهور، والدكاترة كانوا قايلين إنه عنده ضمور في المخ ومشاكل في القلب. *وكيف كانت العلاقة فيما بينك وبين أولاد زوجك ناصر من زوجته الأخرى؟ العلاقة كانت كويسة، مكنش فيه مشاكل غير على مذاكرتهم أو لما حد منهم يخرج بره. *وكيف كانت العلاقة فيما بين أولاد زوجك ناصر المتوفين ونجلتك رؤية؟ عادي، هم لما كانوا يشوفوها كانوا بيلعبوا معاها. *هل سبق لكِ التعدي على أيٍّ من أولاد زوجك ناصر محمد على؟ لا. *وما قولك فيما شهد به رجب على محمد من أنه سبق لكِ كي ظهر عمر ناصر بمعلقة ساخنة؟ محصلش. *وما سبب قيام زوجك بتطليق زوجته أم هاشم أحمد؟ هو قالي إنها كانت تعبانة نفسيًا، وكانت تقوم تزعق وتكسر وتعمل مشاكل. *لماذا قام زوجك برد زوجته أم هاشم إلى عصمته؟ هي بنته فرحة اللي طلبت منه يرجع أمها وقالتله أنها خفت. *وهل أبلغك زوجك على نيته في رد أم هاشم لذمته مرة أخرى؟ أيوه. *وما هو رد فعلك تجاه ذلك؟ أنا مزعلتش لأني كنت عارفة أنه في أي وقت هيرجعها. *وما هي طبيعة العلاقة التي كانت فيما بينك وبين أم هاشم؟ مافيش أي علاقة.. هي في بيتها وأنا في بيتي. *ما هي طبيعة عمل زوجك ناصر تحديدا؟ هو شغال تاجر طماطم بيشتري المحصول جاهز ويبيعه. *وهل كان يستخدم أية مبيدات أو مواد كيماوية في عمله؟ هو كان بيجيب مبيدات وياخدها معاه علطول. *أين كان يضع زوجك تلك المبيدات؟ كان بيشلهم عند باب البيت أول ما يدخل على طول من الباب الحديد. *وما هي تفصيلات إقرارك تحديدًا؟ اللي حصل إني جوزي رجع أم هاشم في البيت اللي اشتراه جديد بعد رمضان اللي فات، وكان بيقعد عندي أسبوع واحد وأم هاشم أسبوع، وفي يوم الأحد 6/7/2025 جالي ناصر وكان معاه محمد ابنه ودخل البيت وطلب مني إني أكل محمد، فعملت بامية وكان فيه ربع رغيف شمسي أنا كنت خبزاه قبل كده، وكان في علبة فاضية لونها أبيض قد كف الإيد بتاعة مبيد مرمية على السطح، كان ناصر جابها ورماها على السطح بعد ما استخدمها، وأنا حطيت فيها مايه ورجيتها وحطيت منها كام نقطة على العيش من ناحية قلب العيش وأديتهم لمحمد. *وفي أي شيء كانت تستخدم المادة التي كانت بداخل تلك العبوة؟ أنا اللي عارفاه إنه هو مبيد للزراعة فقط. *ومتى أحضرتي تلك العبوة الفارغة من السطح؟ أنا جبتها من السطح نهار السبت 5/7/2025 وأنا بنزل الجرادل من السطح عشان أغسلها. *وما الذي دعاكي إلى إحضارها من السطح؟ هي كانت جوه الجرادل وأنا نزلت الجرادل من السطح وهي كانت جواهم. *وما الذي دعاكي إلى ملئها بالمياه ورجها حسبما قررتي؟ أنا مليتها ميه علشان أغسلها واستخدمها، لكن لما محمد وناصر جم رجتها وحطيت كام نقطة على القلب بتاع ربع الرغيف اللي اديته لمحمد علشان ياكله. *ومتى قومتي بإرسال الخبز آخر مرة لمنزل أم هاشم؟ أنا بعتلها 4 أرغفة يوم الخميس 10/7/2025 قبل المغرب. *من الذي طلب منك إعداد الخبز وإرساله إليها؟ أنا متعودة ابعتلهم كل سبت وخميس. *ومن الذي أخذ الخبز منك آنذاك لإرساله إلى أم هاشم؟ هي بنتها رحمة وكان معاها أحمد أخوها. *وما الحالة الصحية التي كان عليها محمد ناصر آنذاك؟ هي السخونية كانت شديدة عليه زي ما ناصر قالي. *ما هو التصرف الذي بدر منكي تجاه العبوة عقب قيامك باستخدامها بوضع بعض القطرات منها في الخبز الذي قدمتيه لمحمد حسبما قررتي؟ أنا سيبتها عندي لحد ما حطيت منها في العيش اللي عملته وبعته لبيت أم هاشم. *ولما لم تقومي بالتخلص منها أو غسلها عقب استخدامها يوم 6/7/2025؟ أنا ركنتها وماكنش قصدي غير أني اتعب محمد بس عشان تحصل مشاكل ما بين ناصر وأم هاشم وماكنتش أعرف أن كل ده هيحصل. *وضحي لنا كيفية وضعك لذلك المبيد بداخل أرغفة العيش الشمسي الذي قومتي بإعداده وأرسلتيه لأم هاشم؟ أنا عملت العجينة بتاعة العيش وقسمته 4 أرغفة وحطيته في الفرن وبعد كده طلعتهم من الفرن نص سوا وحطيت صباعي الإبهام في العجينة وبعد كده حطيت من المبيد في كل رغيف ورجعتهم تاني الفرن. *هل كنتي ترتدي قفاز لليدين أثناء قيامك باستخدام تلك العبوة؟ لا أنا كنت بغسل إيدي بعدها عادي. *ما هي مقدار الكمية التي وضعتيها بداخل كل رغيف؟ في كل رغيف كنت بحط فيه قد ملء غطاء من العبوة. *ما الذي دعاكي إلى وضع تلك المادة في الأرغفة وإرسالها إلى أم هاشم؟ عشان يتعبوا ويحصل مشاكل بين ناصر وأم هاشم. *وأين كان يقيم زوجك ناصر محمد في يوم 10/7/2025؟ ده كان الأسبوع بتاع أم هاشم. *ولماذ كنتي ترغبين في حدوث مشكلة بينهما؟ عشان خوفت يطلقني *وما هي الحالة النفسية التي كنتي عليها أثناء تفكيرك في ذلك؟ كانت عادية. *ألم تدفعك الحالة الصحية لمحمد ناصر للإحجام عن تلك الفكرة؟ أنا ناصر قالي أن محمد عنده دور برد وسخونية وافتكرت أنه مش هيحصله أكتر من كده وده ملهوش دعوة بالقزازة. *وما الذي دفعك إلى استخدام المياه داخل تلك العبوة مرة أخرى بنفس الأسلوب الذي حدث مع محمد في حين أنك اعتقدتي أنها لم تحدث أي آثار منها عليه؟ أنا قولت أكيد فيها تلوث وهتتعبهم والمرة الثانية أنا زودت الجرعة. *متى بدأت تظهر أعراض الإعياء على زوجك ناصر وباقي أولاده؟ تاني يوم نهار يوم الجمعة. *ولماذا لم تقومي بإبلاغ أي شخص بما فعلتيه؟ خوفت. *عقب ظهور أعراض الإعياء على زوجك وباقي أولاده ألم تخشي أن تلك الأعراض قد تؤدي إلى وفاة أيا منهم؟ لا، أنا متصورتش أن كل ده هيحصل. *وأين تلك العبوة الآن؟ أنا رميتها عند مقلب الزبالة عند البريد في دلجا. *ومتي قومتي بإلقائها؟ في نهار يوم الثلاثاء 15/7/2025. *ولما قومتي بالتخلص منها؟ بعد ما عرفت أن ده مبيد حشري. *وكيف وقفتي على ذلك؟ أنا سمعت الكلام ده من الناس. *وهل كانت تلك العبوة فارغة أم كان بها بعض من تلك المياه الملوثة؟ كان فيها حوالي نصفها تقريبا. *وأين تقيمين حاليا؟ في بيت أهلي. *ومتى غادرتي مسكن الزوجية؟ نهار يوم الخميس 17/7/2025 . *ولما تركتيه؟ عشان البيت كان فاضي وناصر محجوز في أسيوط. *هل حضرتي عزاء زوجك أو أيا من أولاده المتوفيين؟ أنا حضرت العزاء بتاع محمد وريم وعمر بس. *ولما لم تحضري عزاء زوجك وباقي أولاده؟ لما أحمد توفى أنا كنت في مباحث ديرمواس، ورحمة أنا كنت تعبانه، وساعة فرحة كنت في نقطة الشرطة، وناصر بردو كنت في نقطة الشرطة. *وهل حضر والدك أو والدتك أو أشقائك عزاء أيا منهم؟ أنا والدي مريض مش بيقوم ووالدتي وأخويا محمد حضروا عزاهم كلهم. الاتهام أنتِ متهمة بقتل زوجك ناصر محمد وأولاده كلا من فرحة، رحمة، ريم، محمد، أحمد، عمر عمدا وكان ذلك مع سبق الإصرار وباستخدام جوهر يتسبب عنها الموت عاجلا أو أجلا؛ وذلك بأن قومتي بوضع مادة الكلوروفينابير وهي مادة سامة في الخبز الذي تقومي بإعداده وقدمتي بعضا من رغيف إلى محمد ناصر فأصابته حالة الإعياء ثم قومتي بإعداد أربع أرغفة أخرى في تاريخ لاحق ووضعتي بها ذات المادة على الرغم من علمك بحالة الأعياء الشديدة والمتزايدة لمحمد ناصر وقومتي بإرسال تلك الأرغفة إلى منزل أم هاشم فقام باقي المتوفين بأكل تلك الأرغفة مما أدى إلى وفاتهم. أنا ماكنتش أعرف أنهم هيموتوا.. أنا كان قصدي أنهم يتعبوا بس. *هل لديك أقوال أخرى؟ لا انتهى التحقيق مع المتهمة، وتم حبسها ليتم بعدها تحديد جلسة محاكمة عاجلة لها.