أعظم ما فى الهجرة أنها فى سبيل الله، ولإعلاء كلمة الحق، واختبار لإرادة وعزيمة المسلمين الأوائل على تحمل الشدة والعذاب فى الترحال، وترك أسرهم ومنازلهم وأموالهم للكفار فى سبيل راية التوحيد والإيمان بالله.. الهجرة أمر إلهى، ورغم معجزة خروج سيدنا محمد من بيته، والكفار مجتمعون حول بيته ليقتلوه بضربة واحدة، ليتفرق دمه بين القبائل، ولكن الله أعمى أبصارهم، وخرج عليهم سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ووضع التراب فوق رؤوسهم، لإثبات أنه خرج من بين أيديهم، وكان أولى بهم أن يعقلوا الأمر، ويعلنوا إسلامهم من هذه المعجزة الأولى فى هجرة سيدنا محمد، ورغم مغادرته، وتقصى أثر أقدامه حتى وصلوا إلى غار ثور، الذى يوجد به سيدنا محمد مع الصديق أبى بكر، إلا أن الله أعمى قلوبهم، فلم يروا وجوده رغم أنهم لو نظروا أسفل أقدامهم لوجدوه.. هذا العناد والكفر قابلته عزيمة وإرادة من المسلمين، ومن هنا بدأت الدولة بمفهوم العصر الحالى، حين استقبل الأنصار سيدنا محمد بالترحاب وأغصان الشجر والأغانى، واقتسموا مع المهاجرين أموالهم ودورهم، وهذه مقومات أصيلة ومهمة لإقامة الدولة على الحب والتعاطف والإرادة والجلد فى مواجهة الأزمات، وعقد سيدنا محمد اتفاقات مع يهود المدينة، أولها لكم دينكم ولى دين، لكن لا غدر ولا خيانة ولا اعتداء على المسلمين، وعندما خانوا العهد طردهم من المدينة، كما أن الإخاء بين قبيلتى الأوس والخزرج، كان دعما لوحدة الصف بينهم وبين المهاجرين.. ثم جاءت الجائزة الكبرى بعد صلح الحديبية، الذى رآه البعض بأنه ظلم للمسلمين، وتم فتح مكة، وعاد الأهل إلى البلد الحرام ودورهم منتصرين، فكان صبرهم تاجاً على رؤوسهم، وهم يعودون إلى أرضهم التى خرجوا منها ظلماً وعدواناً. بنى إسرائيل لا تتغير على مدار العصور، جاءوا من بلاد طردتهم على مدار الزمان، ليحتلوا أرض كنعان «فلسطين»، ظناً منهم أن لهم نفس قوة الكفار من عتاد وعدة وأموال وتحالفات إمبريالية تساعدهم فى أخذ أرض الغير بالقوة، ومصادرة أموالهم وأرضهم، وتدمير البنية التحتية والسكنية، وقتل الأهالى من النساء والأطفال لإرغامهم على الخروج، سينتهى بالفشل لأنهم على مدار سنين لم يستطيعوا أن يهجروهم، سواء بالعنف أو التلويح بمكان أفضل وحياة أفضل، فالأرض عرض، والعرض شرف وكرامة، وكما حدث لهم فى طردهم من المدينة وفتح مكة، فسيطردون من غزة والضفة، ويعود الأهالى إلى دورهم، والأطفال يلعبون فى شوارعهم على التراب الفلسطينى، ونسمع زغاريد النساء من نوافذ البيوت، والشيوخ والشباب يرددون الآية الكريمة: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً).