لا شك أن حالة عدم اليقين التى تصاحب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى لا يستطيع أحد توقع تصرفاته ومواقفه، تسبب الكثير من الحيرة والارتباك للحكومات فى جميع أنحاء العالم، بما فى ذلك بريطانيا، أقرب حلفاء واشنطن. وفى هذا السياق، يقول ينس ستولتنبرج، الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي: «إن ترامب لديه لغة وطريقة للتعبير عن نفسه تخلق أحيانًا حالة من عدم اليقين والضوضاء، وأعتقد أن مهمتنا كأصدقاء وحلفاء هى إيجاد طرق للتعامل مع هذه الحالة بطريقة تقلل المخاطر علينا جميعا». اقرأ أيضًا | بيلاروسيا.. انتخابات مثيرة للجدل مع احتمالات مواجهة مع الغرب لقد أصبح ترامب على رأس أمريكا، وهى أكبر شريك تجارى لبريطانيا، ويمكنه توقيع أوامر تنفيذية قد تؤثر على كيفية كسب بريطانيا لقمة عيشها أو الدفاع عن نفسها. وهنا يُطرح السؤال: كيف يمكن للمملكة المتحدة أن تستعد لما لا يمكنها معرفته بعد؟ وكشفت المذيعة البريطانية لورا كينسبرج فى برنامجها الشهير «يوم الأحد مع لورا كينسبرج» أن مجموعة وزارية مصغرة عقدت سلسلة من الاجتماعات سرًا حيث حاول رئيس الوزراء السير كير ستارمر، ووزيرة الخزانة راشيل ريفز، ووزير الخارجية ديفيد لامي، ووزير الأعمال جوناثان رينولدز، وضع سيناريوهات لتخمين الخطوات التالية التى قد يتخذها ترامب. وذكرت مصادر مطلعة أن تلك الاجتماعات تناولت «البحث عن الفرص» بدلاً من الذعر بشأن ما إذا كان ترامب قد ينفذ بعض تصريحاته الأكثر غرابة، مثل ضم كندا. كما اختار ستارمر أحد أكثر العاملين فى حزب العمال دهاء ليكون صوته فى واشنطن، وهو اللورد ماندلسون، الذى كتب مؤخرًا مقالاً لفوكس نيوز، الوسيلة الإخبارية المفضلة لدى ترامب، لقد كان اللورد ماندلسون منتقدا لترامب فى الماضي، ولكنه الآن يكيل له المديح. وربما لم تكن الحكومة العمالية فى السلطة خلال فترة ولاية ترامب الأولى، ولكن يتذكر الجميع منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعى التى تتسبب فى حالة من الهياج، وهناك تصميم داخل الحكومة البريطانية على التزام الهدوء هذه المرة، والبقاء خارج السيرك. وتتميز العلاقات بين بريطانياوأمريكا بالمساعدة فى الحفاظ على أمن بعضهما البعض، وليس هناك شك فى أن العلاقة بين الاستخبارات والأمن فى البلدين وثيقة للغاية، وتم الحفاظ عليها خلال فترة ولاية ترامب الأولى. وعلى الصعيد التجارى فإن الحكومة البريطانية على دراية بمدى خطورة الوضع حيث تعهد الأمريكيون باتباع طريقة مختلفة فى ممارسة الأعمال التجارية عما كان قائمًا منذ الحرب العالمية الثانية. فبينما يسعى ترامب، بمساعدة إيلون ماسك، إلى التراجع عن القيود التنظيمية وخفض الضرائب، تشير مصادر مطلعة إلى أن المملكة المتحدة قد تفقد حظوتها لأن طموح ترامب هو بناء اقتصاد مختلف تمامًا عن اقتصادها، وهو ما قد يخلق حالة من التوتر فى الوقت ذاته. كما أنه من المرجح أن ترد الصين والاتحاد الأوروبي، الكتلتان التجاريتان الكبيرتان الأخريان، على إجراءات ترامب، وهو ما قد يؤدى إلى «تداعيات ضخمة لحرب تجارية عالمية» لن تعطى الأطراف الثلاثة المنخرطة فيها اهتمامًا لبريطانيا ومصالحها. وبالإضافة إلى ذلك هناك قلق حقيقى داخل الحكومة البريطانية بشأن ما يوصف ب السيناريو الكابوس» إذا خفضت الولاياتالمتحدة الدعم عن أوكرانيا، فقد يؤدى ذلك إلى انقسام حلف شمال الأطلسى وإضعافه، غير أن ذلك لن يخدم مصالح ترامب، فهو يحتاج إلى حلفاء وغرب موحد لمحاربة الصين، أكبر منافس لأمريكا. ورغم هذا القلق، هناك شعور فى الدوائر الحكومية فى أوكرانياوبريطانيا بأن المفاوضات قادمة، وتأمل المملكة المتحدة أن تساعد فى تشكيل النهج الأمريكى بدلاً من الذعر إزاء رفع الولاياتالمتحدة لعقوباتها. وسواء تعلق الأمر بالاقتصاد أو أوكرانيا أو أى قضية أخرى، فإن العلاقة بين الرئيس الأمريكى ورئيس الوزراء البريطانى ستكون حاسمة للغاية. ولا يمكن أن يكون ستارمر وترامب أكثر اختلافًا، فأحدهما محامٍ معروف بالتزامه بالقواعد مقابل رجل مدان وبنى حياته المهنية على التصرف كما لو أن القواعد لا تنطبق عليه. ورغم ذلك، اجتمع الرجلان فى الخريف وأجريا 3 مكالمات هاتفية منذ ذلك الحين، وتقول مصادر فى الحكومة البريطانية: «إن المحادثات المباشرة هى التى تهم حقًا أياً كان أسلوب ترامب الشخصى كما أن مزاج رئيس الوزراء الهادئ سيساعد». لكن مسؤولا سابقا شارك فى اجتماعات تريزا ماى وبوريس جونسون مع ترامب، قال: «فى يوم جيد، يكون الأمر رائعًا، وفى يوم سيئ، قد تجلس القرفصاء»، مشيرا إلى أنه فى اجتماع مع جونسون كانا يتصارعان مثل فرسين، وفى اتصال هاتفى مع تريزا ماى كان يصرخ بصوت عال. ويعتقد هذا المسؤول أن التعامل مع ترامب سيكون التحدى الأكبر الذى سيواجه السير كير ستارمر: «أرسلنا له ابنة قس، ثم قرصانًا يعرف كيف يتعامل معه، والآن محاميًا لحقوق الإنسان». ومهما حدث خلف الأبواب المغلقة، فإن الدفاع عن قرارات ترامب، باعتباره الحليف الأقرب لأمريكا، قد يكون أمرا غير مريح للغاية بالنسبة لرئيس الوزراء البريطاني. ويقول مسئول سابق فى مكتب رئيس الوزراء البريطاني: «إذا قال ترامب إنه يجب تقسيم أوكرانيا، فإن ستارمر سيقول إنه أمر فظيع، ولكن إذا لم يقم ستارمر ببيع ذلك فى أوروبا، فإن ترامب سيشعر بالإهانة وسيعاقبه». ورغم المخاوف من طبيعة شخصية ترامب غير المتوقعة، يرى مسئولون بريطانيون أنه قادر على تحقيق إنجازات فى فترته الثانية، ويستشهدون بما تحقق خلال فترته الرئاسية الأولى، فعلى الرغم من التهديدات الظاهرية التى أطلقها لحلف شمال الأطلسي، فإن خطابه العدوانى دفع المزيد من الدول الأوروبية إلى دفع أموال إضافية للدفاع. وفى النهاية يجب على الحكومة البريطانية أن تعرف فى أسرع وقت ممكن كيف يمكن أن تؤثر على ترامب لتحصل على ما تريده بريطانيا، وكيف يمكن أن يحافظ المسئولون البريطانيون على هدوئهم عندما تقع الدراما الحتمية؟