د. ياسمين مطاوع فى أكتوبر من عام 2018، فاز كتاب «حكاية سر الزيت» للكاتب الأسير الفلسطينى وليد دقة، بجائزة اتصالات لكتاب الطفل عن فئة كتاب العام لليافعين. وفى يناير 2019 فاز اللاجئ الإيرانى بهروز بوتشانى المحتجز منذ ست سنوات على جزيرة مانوس الأسترالية، بجائزة «فيكتوريا» أقيم جائزة أدبية أسترالية، عن كتاب «لا صديق سوى الجبال». أسفر الحدثان عن نقاشات موسعة عن تسييس الجوائز الأدبية وامكانية خروجها عن النص. النقاشات التى تمت على منصات التواصل الإجتماعي، أظهرت الدرجات المتفاوتة من الوعى العام بأن الجوائز كلها سياسية بطبعها؛ فهى تضفى الشرعية على ما تشاء وتتجاهل ما لا تحب من أفكار. لقد شاركت فى لجان تحكيم عالمية وإقليمية لجوائز أدب الأطفال خاصة، من أبرزها جائزة اتصالات لكتاب الطفل وجائزة بولونيا راجاتزي، وجائزة هانز كريستيان أندرسن التى تعتبر جائزة نوبل الصغيرة وأعتبر أنها تجربة تساوى عقود من النظر إلى كل ما هو جيد فى العالم من كتابة ورسم وإنتاج وسبل دعم الحكومات للمسارات الأدبية والفنية. ولأن تزايد الجوائز وقيمتها المادية فى مجال الأدب العربى ساهم بشكل كبير فى إحداث حراك كبير فى المجال، أحببت أن أضيف صوتًا نقديًا للنقاش حول مسألة الجوائز. وبذلك يحاول هذا المقال رصد بعض الاعتبارات الثقافية والاقتصادية والسياسية للجوائز الأدبية. ومن ثم، النظر لما يمكننا كعاملين بمجال الثقافة أن نطرحه فى شأن الجوائز من أفكار خارج الصندوق واستراتيجيات بناءة كى تصب الجوائز فى مصلحة القارىْ. تكمن معظم أسئلتى ومقترحاتى فى هذا الموضوع حول التفكير فى فلسفة الجوائز، وكيفية تشكيل لجان التحكيم، ماهية الجوائز، وضرورة التشبيك الصحى لعناصر النظام البيئى الثقافي. الاقتصاد الجوائز ممارسة ثقافية معاصرة تيسر معاملات مادية معينة بين جهات ثقافية برؤوس أموال ومصالح واتجاهات مختلفة للمشاركة فى مشروع جماعى لخلق قيمة سوقية لمنتج ثقافى محدد. وتأثير الجوائز الظاهر هو المردود المادى الذى يعود على الفائزين وتشريف المنتج وصانعه وسط أقرانه بالمجال. توفر الجوائز النقدية الدعم المالى الضرورى للفنانين والكتاب، بل وحتى للناشرين، بما يمكنهم من دعم أنفسهم لفترة أطول على امتداد مسارهم الإبداعى المتأرجح بطبيعته، كما تشجع الناشرين على السعى وراء المشروعات ذات الجودة العالية وعلى مواصلة تطوير أنفسهم. فهناك جوائز مخصصة لفئات محددة أو للكتاب الجدد الذين ترى الجهات المانحة أنهم بحاجة للدعم. الجوائز تسلط الضوء على الكتب فى معارض الكتب العالمية وتعرف الناشرين المهتمين بالترجمة من بلاد أخرى بما هو جيد. وبالرغم من أن أرقام المبيعات فى العالم العربى تختلف عن الغرب ولا يمكن تحديدها إلا إذا أفصح عنها الناشرون بأنفسهم، إلا أن سعى الناشرين وراء الجوائز بالتقدم لها، يؤكد على تأثيرها فى أرقام البيع للكتب. وعلى الرغم من أن العديد من الجوائز لا تنطوى على مكافآت مادية مباشرة، فإنها تضاعف من مبيعات الكتب بالمكتبات وتكفل إعادة طباعتها وسط ارتفاع ثمن الورق والطباعة، فضلاً عن ضمان مكان لها على أرفف المكتبات المزدحمة. الثقافة/السياسة الكتب الفائزة تعتبر منارة لمجال النشر فى الأعوام التى تليها، فيلاحظ أن العام الذى يفوز كتاب عن موضوع النزوح مثلًا بجماليات وتصميمات ذات طابع معين، يليها إنتاج غزير فى نفس الموضوع ونفس النمط الجمالي. وإذا كانت أموال الجوائز تحرر الكتاب و الرسامين-فى حالة الكتب المصورة للأطفال-قليلاً من أعباء الحياة، فيبدعان بأريحية أكثر، فالفوز يقيد صاحبه نوعًا ما نظرًا لتشجيع الناشرين له بأن يلتزم بنمط الإبداع الذى ضمن له الجائزة من قبل. كما يقترن التناول الفكرى والجمالى للموضوعات الفائزة بالجودة، مما يؤدى إلى ضمها ضمن مجموعة قيم مؤثرة تقرها الجهة، فمثلًا فوز كتاب يقوم بتحديث قصة تراثية للعصر الحديث، يقر بأهمية هذا الموضوع ويشجع على إعادة سرد قصص أخرى من الفلكلور والتجريب الفنى الذى يمزج الحديث والمعاصر. وقد نوقشت سياسات منح الجوائز وأثرها على الأدب المعاصر نقاشًا موسعًا، أعتبر أثرها إحداث منافسة صحية من ناحية، لكنى أتفهم أيضاً ما يشير إليه جون إنجلش فى كتابه عن اقتصاد البرستيج الصادر عن دار نشر جامعة هارفارد عام 2005 أن عدد الكتب المتميزة سنويًا أقل من نسبة الجوائز، مما يثير جدل مستمر حول ما إذا كانت الجوائز تشجع الأعمال المميزة حقًا أم أنها تثير جلبة حول أعمال متوسطة الجودة. كما يذكرنا إنجلش بعدم استقرار الجوائز، فبالرغم من تزايد عدد الجوائز الثقافية بالولايات المتحدة والمؤتمرات المخصصة لمناقشة الجوائز ذاتها، فهناك ارتفاع موازى فى عدد الجوائز التى تم الغائها نظراً لعدة أسباب، من ضمنها ارتفاع تكاليف إدارة الجوائز. مسألة إلغاء الجوائز، خاصة بعد مدة قصيرة من نشأتها، يهز مصداقية الجوائز الجديدة عامًة، فجزء من مردود الجائزة هو التواجد مع متميزين آخرين فى المجال على قوائم الفائزين، واختيارات اللجان على المدى الطويل تُكون «شخصية» الجائزة والنظرة إليها. عملية «منح الجوائز» محفوفة بالكثير من المشكلات، ومن أهمها إقرار الجوائز قيم جمالية وفكرية ما من خلال تشجيع شكل ومضمون معين للكتب. كما من شأنها ترسيخ منظومة قيم محددة، سواء بالاحتفاء بكتب أو أفراد وتمكينهم مادياً من الاستمرار فى الإنتاج فى هذا المجال الذى يعتمد على العمل الحر والمجازفة، أو عن طريق الإقرار بشرعية موضوعات محددة وأساليب تناولها. وقد رُصد اتجاه نحو إرضاء الذوق الجمالى حسبما تُعرفه لجان التحكيم المرموقة للجوائز التى تتصرف بوصفها صانعة الذوق وتسهم فى إنشاء تراث أدبى معتمد. مفهوم ال «هابيتوس» للفيلسوف الفرنسى بيير بورديو يؤكد لنا أن أذواقنا ونظرتنا للأمور ما هى إلا معرفة يتم تحصيلها من الاحتكاك بأفراد وظواهر ثقافية من شأنها تكوين آراءنا. فبداخل كل منا مجموعة من الظروف التى تهيئنا لما نستحسن من أعمال. وبالتالي، ما تستسيغه الفئات المهيمنة على ثقافة أى مجتمع، هو عادة ما يصنف بالمتميز بالرغم من أن الاختيار يتم تبريره بمبررات أكثر منطقية من مجرد الحدس. «هابيتوس» المحكمين كأفراد منفصلة يتجلى فى أذواقهم المختلفة نوعًا ما عن المحكمين الآخرين فى مداولات اللجان، وتسفر هذه المداولات عن اختيارات مختلفة عما إذا كان تشكيل اللجنة مختلف فى عام آخر. فصاحة المحكمين تمكنهم من إبداء أسباب فلسفية، وإنسانية، وجمالية وغيرها من الأسباب المقبولة مهنيًا لاختياراتهم. ويقول بورديو أن التحكيم فعل سياسى يؤكد الهيمنة الثقافية لفئة معينة بالمجتمع. فمثلًا إعجاب صناع الذوق بنمط جديد من الأعمال التجريدية ربما يكمن فى أنها تعتبر تطور طبيعى لما سبقها من أشكال فنية سائدة تارة، أو ربما لأنها المضاد المجدد لنوع فن آخر طالما قد هيمن على الذوق العام تارة أخرى. اللجان تستحسن العمل فى اتساق تام مع ال«هابيتوس» ثم بعد ذلك يبررون اختيارهم، بقدرتهم اللغوية العالية، على أنها تمثل مبادئ حرية وديمقراطية محمودة وبالتالى فهى الأقيم والأجمل. الجوائز تشجع على الإنتاج وتحدث حراكا محمودا من ناحية، وتخلق تحديات جديدة من ناحية أخرى. فلا اقترح أبداً إلغاء الجوائز بشكلها الحالي، لكنى اقترح إضافة أو التفكير فى تشكيل اللجان. صغر المجال فى العالم العربى يؤدى إلى ظاهرة الأبواب الدوارة: فتشكل لجان التحكيم من أشخاص سيتم تحكيم أعمالهم فى المستقبل القريب وقد تم تحكيم أعمالهم فى الماضى ولهم معرفة شخصية بالمرشحين. وبعيدًا عن الاتهامات بعدم المهنية، فهذا النظام يؤدى إلى ما يسميه النقاد «سياسات الغيرة» بتداعياتها السلبية المعروفة المؤثرة على المجال برمته. يقول إنجلش أنه كلما زادت قيمة الجائزة وشهرتها، كلما زاد النقد تجاه القائمين عليها والمحكمين والفائزين، خاصة من الكتاب والرسامين والنقاد المرموقين المنتمين إلى نفس الدائرة التى عادة تأتى منها المحكمين والفائزين المحتملين المتوقع منهم مساندة عملية التحكيم للحفاظ على مصداقية الجائزة؛ فمقام الجوائز من مقام محكميها. يتهم إنجلش بالأخص الأفراد الذين يحصدون معظم الجوائز، ويحمل أفعالهم مسؤولية تكوين إتجاه خطابى معاكس يزعم ازدراء الجوائز فيهاجمها ويقاطعها، ويكون بهذا خصص للجوائز جزء لا بأس به من مجهوده الذهنى يكذب ادعائه بعدم الاهتمام بها. المحاور المقترح التفكر فيها اقترح مناقشة معايير الجوائز وطرح أسئلة من نوعية: هل نتبع معايير الجوائز الدولية أم هل علينا إنشاء معايير عربية أصيلة؟ من يضع المعايير؟ هل المعايير الحالية تهدد الإبداع الحر؟ هل هناك جدوى من التفكر فى المعايير من الأساس إذا كانت المسألة مسألة ذوق لجنة التحكيم المشكلة فى نهاية الأمر؟ احيانا تنشأ جوائز لتحاكى ما تراه خللًا بجوائز موجودة أو من جهة مستفيدة من منح جوائز لمنتجها الثقافى للتأثير على المبيعات، فهل تظل حبيسة سبب إنشائها؟ شروط التقديم هى أول بوابة تغربل بها الجهة المانحة للجائزة الأعمال، فهل تحجب شيئا جيدا دون قصد؟ فماذا نتوقع من جوائزنا؟ وكيف يمكن للجوائز أن تحقق أقصى فائدة من حيث تشجيع الجودة والقراءة؟ وبهذا الصدد، أرى أننا أمام فرصة لإعادة صياغة معايير الجوائز وأسباب انشائها والتساؤل عما إذا كانت تحقيق هذه الأهداف. فمثلًا بإمكاننا أن نتفكر إذا ما كان الكتاب الفائز بجائزة كتب أطفال مثلًا «يشحذ الخيال» حقاً كما تطلب الجائزة، وكيف ذلك؟ وما نوع الطفل الذى يُشحذ خياله، وهل هذه مسألة قابلة للقياس من الأساس؟ ما الدراسات التى استندت إليها لمعرفة هذه المقاييس؟ ما هى صفات العمل التى تجعلها «ملهمة»؟ هل يُحسب لكتاب قدرته على اجتذاب قارئ جديد لم يجد كتاب يحاكيه من قبل؟ ما هدف الجائزة وهل تحققها؟ هل هناك شكل آخر للجائزة يحقق هذه الأهداف بشكل أفضل؟ هل يؤكد الناشرين العرب أن الجوائز تؤثر فعلاً فى المبيعات بشكل ملحوظ، أم أن فائدتها الأساسية فى القيمة المعنوية للجائزة؟ أقترح مثلًا فى مسألة الجودة، التفكر فى حجب الجوائز كسياسة عامة عندما لا يتميز عمل معين، فلا تعطى الجائزة «لأفضل ما قدم.» كما لاداعى للتقيد بإصدار قوائم قصيرة بها عدد كتب محدد حتى لو لم توجد كتب مميزة كافية. فى النهاية، يمكن النظر إلى مجال الثقافة على أنه نظام بيئى متكامل لابد من النهوض بكل أفراده وليس فقط الاحتفاء بعناصر قليلة منه إذا كنا نريد أن تنهض الجوائز بالأدب عامة. وهذا النظام البيئى يتكون من كتاب، ورسامين، ومصممين، وقراء، وبائعين، ونقاد محترفين، ونقاد غير محترفين يكتب المراجعات على مواقع مخصصة لذلك، ومؤثرين على شبكات التواصل، محررين، ووكلاء كُتاب، ومترجمين، وأمناء مكتبات وآخرين يعملون بدأب وراء الكواليس. فدعم الكفاءات وبناء المهن وتهيئة بيئة تسمح لأنواع عديدة من الكتب أن تزدهر، والتشبيك بين أطراف النظام البيئى يخلق مجالا يشجع على التميز. وختاماً، تجربتى فى المشاركة بلجان تحكيم مرموقة، ومتابعتى للجوائز الأدبية تضع مقترحاتى فى ثلاث اتجاهات أساسية: أهمية الحوار ودعم سبل للتفكر فى الجوائز لمن يفكرون فى تطوير أو إقامة جوائز. أهمية تقييم الجوائز دورياً لمعرفة إذا كانت تحقق أهدافها. وأهمية استخدام جزء من الجوائز لدعم النظام البيئى فى المجال ككل إذا كان الهدف من الجوائز العربية اليوم هو النهوض بالكتاب ذاته ومن ثم تشجيع القراءة والثقافة عامة.