عشية وصول الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى الكويت ظهر الإثنين 5 يناير، سألنى صحفى كويتى شهير: هل تعرف الفرق بين السيسى ورؤساء مصر السابقين عبدالناصر والسادات ومبارك؟ هممت بالرد، لكنه أجاب: «أولهم جاء للحكم بإرادته ورفاقه أعضاء مجلس قيادة الثورة، والثانى والثالث جاءا بتصاريف القدر، بعد وفاة مفاجئة لرئيس، واغتيال مباغت لرئيس. أما السيسى فقد جاء بإرادة شعبية رغما عن رغبته. لهذا فمهمته أصعب، لأن الشعب يطالبه بما لم يطالب به سالفيه، وينتظر منه ما يتعذر على غيره، مع ذلك أظن أنه سينجح». وقلت: «نعم.. لابد له أن ينجح، لابديل لنا عن هذا» فرد قائلا: «ولا بديل لنا نحن أيضا». كنا على مأدبة عشاء فى ضيافة الشيخ سلمان الصباح وزير الإعلام الكويتى، جمعت رؤساء تحرير الصحف المصرية ورؤساء تحرير الصحف الكويتية وأعضاء الوفد الإعلامى المصرى المتابع لزيارة الرئيس السيسى الأولى للكويت. الأحاديث المصرية الكويتية بطبيعة الحال كانت تنصب على الزيارة، التى يترقبها الكويتيون فى انتظار رجل، يرون أنه وضع سداً حال فى اللحظة الأخيرة، دون انجراف مصر ومعها ما تبقى من الأمة العربية، فى دوامة فوضى يغرق فيها الجميع دون أمل فى نجاة. وبين الجالسين إعلاميات كويتيات كن يرتدين دبوسا يحمل صورة السيسى، وآخر يحمل صورة الأمير الشيخ صباح الأحمد، فى مشهد يصعب أن تراه فى دولة أخرى. لا تحتاج وسط صحفيين كويتيين كبار، أن تشرح صورة ما يجرى فى مصر، فهم يتابعون الأحداث والتطورات لحظيا مثلما نتابعها وبنفس قدر الاهتمام، وبعضهم إما قادم لتوه من مصر، أو يستعد للذهاب إليها. غير أنهم لا يستطيعون حبا لمصر، وإعجابا برئيسها، إخفاء سعادتهم بأنها أول زيارة لدولة خليجية يقوم بها السيسى، وأنها أول زيارة لدولة عربية يبيت فيها، ويقضى أكثر من 24 ساعة خارج مصر، وأنها أول زيارة خارجية للرئيس المصرى تشهد هذا الحشد من رجال الإعلام، الذى يفوق عدده 80 صحفيا وإعلاميا. لقاء العشاء، أتى فى ختام لقاءات متتالية لرجال الصحافة والإعلام مع نخبة من كبار الكويتيين، بدأت بالشيخ سلمان وزير الإعلام، ثم الشيخ محمد العبدالله المبارك الصباح وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء، ثم عبدالوهاب البدر مدير الصندوق الكويتى للتنمية، واختتمت بلقاء مطول مع الشيخ صباح الخالد الصباح النائب الأول لرئيس الوزراء ووزير الخارجية الكويتى. تلك اللقاءات لم تكن فقط تعبر عن حفاوة بالضيف الكبير الذى سيحل على أرض الكويت فى اليوم التالى لكنها فى صلب حواراتها ومداولاتها كانت أقرب إلى استعراض مفصل للمباحثات التى سيجريها الرئيس المصرى مع الشيخ صباح الأحمد أمير الكويت بعدها بساعات فور وصوله إلى مطار العاصمة الكويتية، ثم فى المساء على مأدبة عشاء فى قصر بيان. وكذلك لمضمون لقاءاته المكثفة على مدار اليوم الأول لزيارته مع رجال الأعمال الكويتيين، ووزير الخارجية، ورئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم ورئيس الوزراء الشيخ جابر المبارك الصباح. مشاعر المحبة لمصر ولشعبها، لم يقتصد مسئول كويتى قابلناه، فى أن يعبر عنها عرفانا بدور المعلم والطبيب والمهندس المصرى فى النهضة الكويتية، واحتراما للدماء المصرية والكويتية التى امتزجت على أرض سيناء فى حرب أكتوبر، وعلى أرض الكويت فى حرب التحرير ووجدنا وزير الدولة الكويتى يقدم نفسه بأنه من مواليد مستشفى على إبراهيم بالقاهرة وأنه أمضى طفولته بمصر، ويعتبر نفسه واحداً من المصريين. أما عن مشاعر الارتياح لما جرى خلال الشهور الست الماضية فى مصر، فلم يتردد مسئول كويتى فى الإفصاح عنها. فمصر على حد قول وزير الخارجية هى قلب الأمة العربية، وعندما تأثر القلب بالمخاض العسير الذى تمر به المنطقة، تأثرت الأجنحة فى دول مجلس التعاون الخليجى وشمال أفريقيا. وهى إذ تستعيد دورها القيادى، تعود العافية لأمتها. ومصر على حد تعبير مدير الصندوق الكويتى، تحقق بمشروع قناة السويس الجديدة، إنجازاً هائلا بحجم العمل فى الحفر وزمن إنجازه، وهذا المشروع كما وصفه، هو التربة الخصبة لاستثمارات هائلة منتظرة فى محور تنمية قناة السويس الذى يعتبره الفرصة الذهبية للاستثمار فى مصر، والفرصة الأكبر لمستقبل العالم العربى كله فى منطقة واعدة ترشحها لأن تكون فى الغد القريب أفضل من سنغافورة. قضايا التعاون الثنائى المطروحة على القمة المصرية الكويتية، محل اتفاق وتفاهم، ويحدد المسئولون الكويتيون موقفهم منها فى النقاط التالية: - الكويت ستشارك فى قمة مصر الاقتصادية بشرم الشيخ التى تبدأ 13 مارس المقبل، على المستوى الرسمى ممثلا فى الحكومة وهيئة الاستثمار والصندوق الكويتى للتنمية، بجانب رجال الأعمال. وهذا القرار يسبق وصول الدعوة الرسمية، وقائمة المشروعات المطروحة للاستثمار فى مجال البنية الأساسية وغيرها. - انخفاض الأسعار العالمية للنفط لن يؤثر على المساعدات التى يقدمها الصندوق الكويتى لمصر، بل ستزداد لتصل إلى 1500 مليون دولار خلال 5 سنوات قادمة وسيزداد إجمالى مساعدات الصندوق بنسبة 20? اعتباراً من أبريل المقبل. - الجالية المصرية فى الكويت التى تمثل 15% من تعداد البلاد، تحظى بكل تقدير وتسهيلات، ومشكلة تجديد الإقامات التى تأثر بها 1% من عدد أبناء الجالية يجرى العمل على تذليلها وفقا للقانون الكويتى. - نظام الكفيل محل دراسة فى الحكومة الكويتية لإيجاد بدائل له. - التعاون فى مجال مكافحة الإرهاب وتصحيح صورة الإسلام، يتم بين البلدين على المستوى الثنائى، وكذلك على المستوى العربى عبر آليات الجامعة العربية التى يعكف خبراؤها على وضع استراتيجية تستند إلى الفكر فى مواجهة التطرف، ويعول الكويتيون كثيرا على دور الأزهر الشريف فى مجال محاربة التطرف وتصحيح صورة الدين السمح. - تثمن الكويت موقف القيادة المصرية من جهود المصالحة مع قطر التى تبنتها الكويت، وتضمنتها مبادرة العاهل السعودى الملك عبدالله، وتؤكد التزامها بالدفع فى اتجاه تنفيذ اتفاق الرياض، ومتابعة تنفيذه وإزالة أى عوائق. - أما على صعيد القضايا العربية والإقليمية.. فهناك توافق كامل بين مواقف البلدين تجاهها، واكتسب النقاش بين القيادتين المصرية والكويتية أهمية خاصة فى هذا السياق، انطلاقا من أن أمير الكويت الرئيس الحالى للقمة العربية سيسلم رئاسة القمة فى دورتها الجديدة نهاية مارس المقبل إلى الرئيس السيسى فى مؤتمر القمة المقبل الذى تستضيفه مصر. - وتتطلع الكويت كما يؤكد وزير خارجيتها لأن يتسلم رئاسة القمة «أخ قادر» على القيام بدور أكبر فى حمل قضايا الأمة، خاصة مع تنامى الدور المصرى فى العراق وامتداده إلى سوريا وليبيا، وتأمل أن تنجح مصر فى جهودها لجمع المعارضة وممثلى النظام السورى فى اجتماع بالقاهرة. ولا تخفى الكويت قلقها من مخاطر تنظيم داعش الذى يحتل مساحات شاسعة على مرمى حجر منها داخل العراق، وأحال سوريا إلى بؤرة تجمع آلاف المتطرفين الأجانب القادمين من أوروبا وأمريكا. كما لا تخفى قلقها من البرنامج النووى الإيرانى، حتى لو كان يقتصر على مجال الاستخدام السلمي، لأن بعض مفاعلاته تقع على الشاطئ الآخر من الخليج، مما يهدد الكويت بمخاطر داهمة، على الأقل بيئية فى حالة حدوث تسرب فى مياه الخليج. وفى هذا المجال، تدعو الكويت إلى إحياء المبادرة المصرية بإخلاء الشرق الأوسط من أسلحة التدمير الشامل، لتجنب هذه المخاطر. جرت مباحثات القمة المصرية الكويتية، ولقاءات الرئيس السيسى مع كبار المسئولين الكويتيين، وسط حفاوة بالغة، واهتمام إعلامى كبير، تمثل فى إذاعة وصول الرئيس وبث لقائه مع الأمير على مأدبة العشاء على الهواء مباشرة بالتليفزيون الكويتى وهو حدث يتم لأول مرة مع رئيس دولة، ووسط رغبة مشتركة فى الوصول إلى قرارات ونتائج تدفع بعلاقات التعاون المشترك، وتطلع كويتى إلى دور مصرى متزايد فى استعادة الأمن والاستقرار بالمنطقة العربية. هنا فى الكويت.. يشعرون بالتفاؤل لزيارة السيسى فى مطلع عام، ترى القيادة الكويتية أنه سيكون عام مصر.