برلمانية: الاستراتيجية الوطنية الجديدة لحقوق الإنسان خطوة مهمة لترسيخ قيم العدالة    رمال المجد    «القومي للمرأة» يشارك في لجنة التضامن الاجتماعي بمجلس النواب    وكيل "عربية النواب": توجيهات القيادة السياسية المحرك الأساسي لإنجاح التأمين الصحي الشامل    «حجر في الماء الراكد».. الإمارات تودع «أوبك وأوبك +» وتفتح الباب لتحولات كبرى بسوق النفط    تعاون «مصرى - صينى» لإضاءة آلاف المنازل بالثغر    مياه سوهاج تعيد تشغيل محطة ناصر النقالي بعد احتواء بقعة سولار بنهر النيل    الليلة، تعديل مؤقت في مسار قطاري نجع حمادي وأسوان    حملة قومية لتحصين الماشية بالقليوبية ضد الحمى القلاعية والوادي المتصدع    فيديو| القوات الأميركية تعترض سفينة يُشتبه في توجهها لميناء إيراني    فلسطين تدعو إلى تحرك دولي عاجل لوقف تدهور الأوضاع في غزة    نهاية الحرب.. أم «صورة» الانتصار؟!    الصليب الأحمر: سلمنا إيران أكثر من 170 طنا مواد إغاثية خلال أبريل    شوط أول سلبي بين المقاولون العرب وغزل المحلة في الدوري    أزمة محتملة في تشيلسي بعد زيارة إنزو فرنانديز إلى مدريد    هاني أبو ريدة يطمئن على جاهزية محمد صلاح لكأس العالم 2026    «رعب داخل منزل عائلي».. عم يعتدي على أسرة شقيقه بسبب الميراث بطوخ    معركة الشوارع بالقليوبية.. خلافات النسب تكشف المستور حول فيديو السلاح الأبيض    ضبط 3.5 طن دقيق مدعم قبل بيعه بالسوق السوداء بالقليوبية    إصابة شخص بحريق داخل كابينة كهرباء فى بولاق أبو العلا    عروس المتوسط تستضيف «الفيلم القصير»    «حماة الوطن» يُدخل البهجة إلى قلوب الأطفال في احتفالية كبرى بيوم اليتيم    عضو بالحزب الجمهورى: ترامب يواجه جدلا دستوريا حول الصلاحيات العسكرية    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    وزير الصحة يترأس جلسة اجتماع مجلس أمناء المجلس الصحي المصري    حبس عامل قتل زميله بسبب خلافات مالية بينهما فى المنوفية    هيئة الدواء تسحب دواء للوقاية من حدوث عدم توافق فصائل الدم.. تفاصيل    فوز طلاب هندسة كفر الشيخ بجائزة أفضل تطبيق صناعي على مستوى العالم    بسبب القطار الكهربائي، غلق طريق مصر أسوان الزراعي الغربي 10 أيام    هل يجوز الصلاة عن الميت الذى لم يكن يصلى؟.. أمين الفتوى يجيب    تصعيد عسكري جنوب لبنان.. تفجير نفق ضخم واعتراض مسيّرات    محافظ الغربية ورئيس جامعة طنطا يفتتحان المعرض الفني لطلاب مركز الفنون التشكيلية    الأرصاد الجوية: ارتفاع في درجات الحرارة غدا الأربعاء    تعاون جديد بين هيئة الاستعلامات والمجلس المصري للسياسة الخارجية    «رجال طائرة الأهلي» يستعدون لدور ال16 في بطولة إفريقيا بدون راحة    وزير الصحة يبحث تعزيز التعاون مع مركز السياسات الاقتصادية بمعهد التخطيط    هل جوارح الإنسان لها إرادة مستقلة؟.. خالد الجندي يُجيب    تأجيل محاكمة 71 متهما في "خلية التجمع" إلى 21 يونيو    صحيفة: ترامب وتشارلز أبناء عم.. ودونالد: لطالما أردت العيش فى قصر باكنجهام    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    رئيس جامعة المنوفية يتفقد مستشفى الطلبة للاطمئنان على جودة الخدمات الطبية    مجلس جامعة بني سويف يستهل جلسته بتقديم التهنئة بعيد العمال    أمام 6 آلاف مشاهد.. حفل تاريخي لأصالة في العاصمة الفرنسية باريس    فى ذكرى ميلاده.. نور الشريف أيقونة الدراما المصرية وصائد الجوائز    بدر عبد العاطى يفتتح غرفة حفظ الوثائق المؤمنة بمقر وزارة الخارجية    شهادة ادخار جديدة بالبنوك لمدة 3 سنوات وبأعلى فائدة شهرية.. اعرف التفاصيل    مصطفى عزام يستقبل بعثة منتخب اليابان للناشئين    وكيل شباب جنوب سيناء يهنئ بطل السباحة البارالمبية بشار محمد لفوزه ببطولة الجمهورية    طب قصر العينى جامعة القاهرة يُطلق الملتقى العلمى المصرى الفرنسى لأمراض الكبد    السجن 3 سنوات لفتاة بتهمة حيازة المخدرات بالسلام    الشكوك تحاصر مشاركة زيدان الصغير في المونديال    رئيسة وزراء اليابان: نقدر دور مصر بقيادة السييسي في ضمان الأمن والاستقرار الإقليميين    ماركا: إصابات مبابي في ريال مدريد تصيبه بالإحباط بعد اقترابه من معادلة سجله مع سان جيرمان    قصر ثقافة أبو تيج بأسيوط يحتفي بذكرى تحرير سيناء ويكرم المبدعين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    محافظ قنا يعتمد جداول امتحانات نهاية العام 2026 لصفوف النقل والشهادة الإعدادية    صدام أمريكي إيراني بمقر الأمم المتحدة بسبب منع انتشار الأسلحة النووية    الرئيس السيسي: ضرورة ربط المناطق الكثيفة سكانياً بوسائل نقل صديقة للبيئة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في عالم الميكروباص

ليس هزلا وقت الجد أن أتحدث عن عالم الميكروباص, لأن هذا العالم جدير بالقاء الضوء عليه, كونه يلخص حالة مصر الدولة والشعب, ويجمع في طياته كل المتناقضات, ويمثل بيئة مناسبة جدا لاكتشاف أنماط التفكير, وأدواء المجتمع الخفية,
وساحة واسعة للاطلاع علي مكنونات الأنفس ومعاناة الناس‏,‏ ومدي استعدادهم لادارة المواقف الطارئة‏,‏ وتفسيرهم للظواهر الناشئة‏,‏ وقبولهم أو رفضهم لتحولات الساسة ومواقف السياسيين‏.‏
أصبحت منذ عدت من الخارج ضيفا دائما علي ال ميكروباص‏,‏ والتي تتفوق فيه مصر علي سائر الدول من حيث العدد وسوء التنظيم‏,‏ مع ما صاحب انتشار هذه الوسيلة في الربع قرن الأخير من تغير النسق الأخلاقي لتعامل السائقين مع الركاب‏,‏ ونشوء جماعات مصالح ميكروباصية تتحكم في المواقف وفي خطوط السير‏,‏ وتستند الي بنية بشرية يمثل رجال الشرطة أحد أنويتها الأساسية‏,‏ تملكا وتسترا علي المخالفات والأخطاء‏,‏ لدرجة أن أصبح لهذا العالم قانونه الخاص‏,‏ بعيدا عن قوانين الدولة‏,‏ وأصبح مثلا بامكان السائق أن يقسم المسار الي مراحل لكل منها أجرة مستقلة‏,‏ أو أن يقطع خط السير فجأة ويفرض علي الركاب النزول‏,‏ أو يتوقف عن السير لخلافه مع راكب علي الأجرة أو لأي سبب آخر فيأخذ الكل بجريرة البعض‏,‏ ويؤدب الركاب علي ما اقترفه ذلك المارق العاصي المتجرئ علي مقام سيادة السائق‏.‏
وفي عالم الميكروباص ستجد أطفالا وشبابا غير مؤهلين للقيادة يركبون السيارات‏,‏ وستجد مركبات متهالكة لا تصلح للسير‏,‏ وستفاجأ بغياب مواصفات الأمان والسلامة في معظم المركبات‏,‏ وستقاوم رغبة عارمة في الاحتجاج والاعتراض‏,‏ عندما يسير السائق بسرعة جنونية ويتلوي بين السيارات ليتخطاها وكأنه في مهمة انتحارية‏,‏ أو يتلفظ بألفاظ خارجة عن المألوف وتخدش الحياء‏,‏ أو يعلي صوت الميكروفونات بشكل يصم الأذن وبمختارات من أغان هابطة وأصوات خشنة مزعجة لاتنتمي للفن من قريب أو بعيد‏,‏ وعدم احتجاجك هنا لايعني سوي خوفك‏-‏ أو بالأحري جبنك‏-‏ من رد فعل السائق‏,‏ الذي يتمثل عادة في رد بذيء أو توقف عن استكمال السير‏,‏ أو حالة من تكدير الركاب جميعا بالامعان في السير الجنوني والتوقف المفاجئ لسبب ولغير سبب‏,‏ وانهاء خط السير قبل النهاية بمسافة كبيرة‏.‏
أما الركاب فمنهم الجريء‏,‏ المتمسك بكرامته‏,‏ المصر علي حقه‏,‏ ومنهم المستسلم الذي لايناقش فرمانات السائق مهما كانت درجة الظلم والجور والتعدي علي حقوق الركاب فيها‏,‏ ومنهم البين بين الذي يتطوع باصلاح ذات البين لكنه علي استعداد أيضا للتفريط في حقه أملا في الوصول لغايته المكانية بالسرعة المطلوبة وحتي لاتتعطل مصالحه‏,‏ وان كان لايدري أنه بسلوكه هذا‏,‏ الذي يكون دائما منحازا للسائق علي حساب الركاب‏,‏ يرسخ نفس القيم السلبية في هذا العالم العجيب‏,‏ ويجعلها عرفا سائدا ونمطا لايمكن الفكاك منه وتغييره لأمد طويل‏.‏
قامت الثورة ولم يتغير في عالم الميكروباص شيء‏,‏ بل زادت حالته سوءا ودخل عليه جديد هو النقاشات السياسية الحرة المفتوحة بلا سقف بين أناس متنوعي المشارب والثقافات والبيئات والأعمار‏,‏ والتي تختلط فيها المعرفة بالجهل والصواب بالخطأ والغث بالسمين‏,‏ لكنها في النهاية تشير الي حالة من التعافي السياسي‏,‏ وتؤسس لمرحلة جديدة سيصبح الانسان المصري فيها هو صاحب القرار بلا منازع‏,‏ مهما تلون السياسيون وتحولوا من النقيض الي النقيض‏.‏
عالم الميكروباص في مصر الثورة يعكس بالضبط حالة مصر الدولة‏,‏ التي مازالت تعاني من غياب تطبيق القانون‏,‏ وعشوائية التفكير‏,‏ واضمحلال الابداع‏,‏ وتحكم رجالات الدولة العميقة‏,‏ من أصغر فراش الي أكبر موظف‏,‏ في مصالح الناس‏,‏ أما السياسيون فقد زاد عبثهم وتراجعت رؤاهم الواقعية لحل ما نعانيه من مشكلات‏,‏ وتفرغ كثير منهم للمكايدات السياسية واشعال الفتن والحرائق‏,‏ والانقلاب علي الدولة كفكرة ونظام‏,‏ بغض النظر عن نتائج هذا العبث‏,‏ وقد آن الأوان فعلا لأن ننحي ثقافة الميكروباص الدولة والدولة الميكروباص ونتجه بقوة الي مقاومة هذه الثقافة الي الأبد‏.‏
[email protected]
رابط دائم :


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.