البحث العلمي يأتي في مقدمة العوامل الدافعة إلي التقدم, ولا تبني نهضة إلا إذا كانت هناك قاعدة أصيلة ومعتمدة من البحث العلمي, وللأسف في مصر أهملنا هذه القاعدة تماما, وجعلناها مجرد ديكور وغاب التكامل بين رؤانا السياسية وبين البحث العلمي. وسبق وتناولت تهميش الدور البحثي للمجالس القومية المتخصصة, وما قيل عنها يمكن أن يقال عن مراكز الدراسات والأبحاث, التي يصل عددها في وزارات الدولة المختلفة(219) مركزا إضافة إلي(114) مركزا بالجامعات, بخلاف المركز القومي للبحوث, والمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية, وأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا, ومركز بحوث وتطوير الفلزات, والمجلس الأعلي لمراكز ومعاهد البحوث الذي يشرف علي13 مركزا, والمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية والمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد والمعهد القومي للمعايرة, ومعهد بحوث الاليكترونيات ومعهد تيودور بلهارس للأبحاث, وغيرها من مراكز الدراسات والأبحاث, التي تصرف عليها مليارات الجنيهات, وتجري خلالها آلاف الأبحاث في كل مجالات حياتنا. * هذا الإهمال لنتائج الدراسات والأبحاث العلمية في قراراتنا المصيرية, لم يؤد فقط إلي تفاقم المشاكل, ووصولها إلي حد الكارثة, وإنما أصاب العاملين في تلك المراكز بالإحباط وعدم جدوي دراساتهم, ولهذا تحولت المراكز البحثية المصرية من مصدر لنهضة الأمم والشعوب إلي مقابر جماعية تضم ما بقي من رفات العقول والأفكار والأبحاث, وهذا ما حدث في قطاع مراكز الأبحاث الزراعية علي سبيل المثال والتي يتجاوز عددها104 مراكز تعاني تجاهل الدولة وضعف التمويل. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل قامت الحكومة بتخفيض ميزانية هذه المراكز بنسب كبيرة, وكأن الحكومة ليست في حاجة إلي العلم ولا العلماء, فقد تم تخفيض ميزانية مركز البحوث الزراعية من110 ملايين إلي28 مليونا, وميزانية مركز بحوث الصحراء من30 مليونا إلي12 مليونا, وهي ميزانيات تكفي بالكاد رواتب وأجور العاملين والباحثين. وكان من نتيجة عدم الاقتناع بأهمية مراكز الأبحاث الزراعية وتخفيض ميزانياتها, في الوقت الذي نصرف فيه ببذخ في نواح أخري عديدة, منها ريادة إعلامية وهمية, واحتفالات ومهرجانات ومؤتمرات لا تعدو محصلتها أن تكون حبرا علي ورق, وتأمين مواكب وحراسات, تعطل المرور في القاهرة وتكلف خزينة الدولة ما لا يقل عن400 مليون جنيه في أقل التقديرات سنويا, كان من نتيجة ذلك أزمة القمح ورغيف الخبز التي نعاني منها بلا حل, حتي أصبحت مصر الآن أكبر مستورد للقمح علي مستوي العالم, وقد وصل حجم التعاقدات الحكومية لاستيراد القمح في الفترة من مايو2004 2005 حوالي9.6 مليون طن, منها3.4 مليون طن حجم الاستيراد الحكومي, و6,2 مليون طن حجم استيراد القطاع الخاص, ويقدر حجم الإنتاج المحلي بنحو6.6 مليون طن وبذلك يغطي الإنتاج53% فقط من حجم الاستهلاك وبذلك اضطرت مصر المحروسة لاستيراد القمح من الخارج كالولايات المتحدةالأمريكية وفرنسا وكازاخستان واستراليا وروسيا وأخيرا من إيران, بعد أن كانت مصر منذ نصف قرن يطلق عليها بلد النيل ومهد الزراعات وكانت تعتبر سلة القمح حيث كانت تنتج ما يزيد علي حجم الاستهلاك المحلي ونفس الأمر ينطبق علي صناعتنا وكل نواحي حياتنا ما دامت حكوماتنا تأخذ بأسباب التقدم علي الورق, ولا تطبقها في الواقع العملي, حتي تحولنا إلي مجتمع ديكوري استعراضي في كل شيء, وغاب التكامل بين البحث العلمي والرؤية السياسية, وبين ما هو ضروري وما هو صوري ومن عجب انه في الوقت الذي تخفض فيه دولتنا ميزانية البحث العلمي رغم أننا في مصر نخصص لها أقل من1% من ناتجنا القومي فقط ويتم تخفيض هذه النسبة تدريجيا وبدون أسباب, تخصص دولة إسرائيل5% من ناتجها القومي للبحوث العلمية. والسؤال الآن هو متي نفيق من حالة الغيبوبة التي تلازمنا ونتخلي عن ترديد عبارة كله تمام بالحق وبالباطل.. فالمصارحة بالحقائق أمر مطلوب حتي ولو كانت الحقيقة مرة ويومها يعود المصري كما كان دائما سر عبقرية مصر وتقدمها, وتعود لمصر مكانتها وريادتها, وهذا لن يحدث بالشعارات والمشروعات الوهمية, وإنما يحدث بالعلم والبحث العلمي الذي حولناه إلي مجرد ديكور. [email protected] رابط دائم :