كلما تفاقمت الأزمة الاقتصادية اليونانية, أيقظت معها صراعات جيواستراتيجية كانت توارت خلف صراعات أخري هنا وهناك, ومنها السباق الروسي- الأمريكي المحموم علي مصادر الطاقة في البحر المتوسط وليس في محيطها فقط, و النزاع التركي اليوناني الممتد بشأن الجزيرة القبرصية الذي ما يلبث أن يهدأ حتي يجد ما يشعله. المحلل( روبرت كابلان) مدير ملف الشرق الأوسط وجنوب آسيا في مركز ستراتفور الأمريكي, يقول إن مكاسب الغرب تقتضي الإبقاء علي اليونان ضمن منطقة اليورو, وإنها حتي لو خرجت فيجب أن تظل علي ولائها للاتحاد الاوروبي وحلف الناتو, وانها لو تركت منطقة اليورو أو لم تتركها فستواجه مشكلات اقتصادية هائلة لسنوات. وتكمن أهمية تلك الجزيرة في موقعها الاستراتيجي المتحكم في بحر إيجة, والقادر علي إحداث فوضي في التجارة العالمية وخطوط الاتصال وطرق الملاحة والنقل الجوي, وتصدير أزمات للمضايق التركية وقطع خطوط أنابيب البترول والغاز والحاق أضرار بالغة بأمن الناتو والاتحاد الاوروبي. وما زاد من أهمية أثينا الإستراتيجية هو اكتشاف كميات كبيرة من البترول والغاز شرق البحر المتوسط تقدر ب4 مليارات برميل بترول شرق بحر ايجة و22 مليارا أخري في البحر الايوني علي السواحل الغربية لليونان. ولأن القوي الإقليمية والدولية تدرك تلك الأوراق الرابحة, فقد عملت علي استغلال الأزمة الاقتصادية التي تمر بها اليونان لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة من ورائها, حيث بادرت روسيا بتوطيد علاقاتها باثينا, من خلال توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية وتقديم القروض الآجلة الطويلة الأجل, وآخرها ما يجري التباحث بشأنها الآن, ولم تفكر روسيا في مطالبة اليونان بمديونياتها لصالح لشركة( غاز بروم) الروسية, بل وتعمل علي توجيه الفائض في ميزان مدفوعاتها إلي اليونان التي تعتصرها الأزمة الاقتصادية بغية الاستحواذ علي ميناء لها باليونان كي تعزز به وجودها في الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط. واشنطن رصدت المساعي الروسية الحثيثة لتوفير موطئ قدم في تلك الجزيرة, فبادرت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون بزيارة اليونان وتمكنت بالفعل من إفساد الاتفاقيات التي كانت أبرمتها أثينا مع شركة( غاز بروم) الروسية, كما اقترحت علي الحكومة اليونانية نقل الغاز من باكو عبر جورجيا وميناء سيهان التركي كي تفوت الفرصة علي روسيا لتنفيذ مخططاتها الرامية لتعزيز تواجدها بالجزيرة اليونانية. أما علي المستوي الاقليمي, فهناك قضية تدفع باتجاه نشوب نزاع مسلح في المنطقة علي خلفية الأزمة التي تعانيها اليونان ممثلة في الأزمة القبرصية التي من الممكن أن تشعل فتيل حرب اقليمية بين اليونان وتركيا وسعت تركيا إلي استغلال انشغال اليونان بأزمتها الاقتصادية وراحت تعلن عن عزمها تغيير اسم النصف الشمالي للجزيرة القبرصية من قبرص الشمالية إلي جمهورية تركيا القبرصية, وهو ما اعتبرته أثينا تعديا سافرا علي أراضيها, يستتبع أيضا تدخلا غربيا حفاظا علي مصالحها حتي يتم ترسيم الحدود بين الجانبين, وحتي يتسني ذلك تظل الأزمة بين اليونان وتركيا تلقي بظلالها ليس فقط علي الجوار القبرصي بل ومنطقة شرق المتوسط وربما تجر معها دول البلقان. رابط دائم :