غاب عنها الأمن والأمان فاعتادت رؤية دماء المواطنين تسيل علي أرضها في مشهد متكرر تقشعر له الأبدان عشرات القتلي ومئات الجرحي التي شهدتها مصر خلال الايام القليلة الماضية.. يستدعي البحث عن الأسباب التي باتت تصنف شباب مصر بين قاتل ومقتول, وتطرح سؤالا اساسيا لماذا أصبحت ارواح المصريين رخيصة؟ وهان علي البعض دماء أبنائها في البداية يقول دكتور عبدالعزيز فتحي رئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق إن دفع أرواح المصريين ثمنا رخيصا بسبب التوجهات السياسية أو التعصب الرياضي نوع من الهزل غير المبرر, لأنه يعبر عن انهيار للقيم الأخلاقية وسوء إدراك للأمور وجهل بمفهوم الديمقراطية الحقيقي. وأرجع أسباب انتشار ظاهرة العنف في المجتمع المصري إلي عدم التوعية من جانب الأسرة التي تمثل أساس مفهوم الشباب في المقام الأول, ثم الشحن الإعلامي المستمر الذي ساهم في تشكيل عقول وقلوب خاوية لدي الشباب تدفعهم لارتكاب مزيد من الجرائم في حق انفسهم أولا والمجتمع ثانيا. وشدد فتحي علي دور الدولة في دفع الأذي عن الوطن, من خلال تسليح رجال الأمن ومنحهم السلطات الكافية التي تسمح لهم بالتصدي لمثيري الشغب الذين يروعون المواطنين الآمنين, مع ضرورة تفعيل القانون ومحاسبة المعتدين حتي يكون هناك رادع يضع حدا لارتكاب مزيد من الجرائم. وأكدت دكتورة سميحة نصر أستاذة القانون بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية أن الشعب المصري غير دموي بفطرته, إلا أن ما تشهده البلاد من تصاعد وتيرة العنف إلي حد القتل, يعد نتيجة منطقية لتراكم الضغوط النفسية علي المواطنين لعدة سنوات حيث أفرزت حالة من الفوضي الأخلاقية إلي جانب الفوضي الأمنية, مما أدي إلي انتشار ظاهرة العنف وثقافة الرفض بين المواطنين والالتفاف حول مطالب فئوية جعلت المواطن متمركزا حول ذاته دون التكاتف مع بقية أفراد المجتمع لتحقيق هدف عام ومصلحة عليا للوطن. وأشارت إلي تقاعس الحكومة عن القيام بدورها في امتصاص غضب الشعب وتهدئة الشباب الثائر, فضلا عن تقصيرها الواضح في تفعيل المنظومة الأمنية التي من شأنها ضبط إيقاع الشارع المصري. وفي السياق ذاته قالت دكتورة هالة يسري أستاذة علم الاجتماع إن أرواح المصريين أغلي شيئ في مصر, لافتة إلي أنه لا يمكن تعميم الميول العدوانية علي كل الشعب, لأن المصريين بطبيعتهم متسامحون ويأبون كل مظاهر العنف, مؤكدة وجود حفنة قليلة تهدف إلي زعزعة أمن الوطن واستقراره. ودعت إلي تبني الحكومة خطة مستقبلية لمواجهة مظاهر الشغب وإثارة القلق في المجتمع, مع الإفصاح عن القتلة الحقيقيين الذين تسببوا في سقوط العديد من القتلي والمصابين, والكف عن إلقاء اللوم علي الطرف الثالث, مع ضرورة تفعيل دور الأجهزة الرقابية لوضع حد لتداول الأسلحة. وتري دكتورة منال زكريا أستاذة علم نفس اجتماعي أن الصراعات البشرية أمر طبيعي لأنها سنة الله في الخلق, لافتة إلي أن تفاقم معدلات العنف علي مستوي العالم, أدي إلي زيادته في مصر بالتبعية نظرا للانفتاح الخارجي وأثر العولمة الذي يسمح بتصدير شتي أساليب العنف بين الدول. وأرجعت تزايد معدلات العنف في المجتمع المصري بصفة خاصة بعد الثورة مقارنة بالفترات السابقة, إلي العنف البنائي المترسخ في بنية المجتمع طوال عدة سنوات بسبب ممارسات الأنظمة الحاكمة الفاسدة, والمتمثلة في القهر والإذلال والخوف من المستقبل والفوارق الاجتماعية الضخمة بين البشر, فضلا عن نبذ القيم الأخلاقية وتعاليم الدين السمحة التي تحث علي الوحدة والتسامح, مما أدي إلي خلق نفوس, قابلة للاندفاع واستخدام أساليب غير شرعية من أجل تحقيق أهدافها. قول د. محمود عباس أستاذ الأدب والنقد بجامعة الأزهر إن حياة الإنسان لا تقدر بمال, فهي أغلي ما يمتلكه لذلك لا ينبغي التضحية بها إلا في سبيل الدفاع عن الدين أو العرض أو الوطن, مؤكدا أن إطلاق لفظ شهيد علي كل من يقتل ومنحه تعويضا من جانب الدولة يحرض علي مزيد من التمرد. وأشار إلي أن إهمال توظيف طاقات الشباب الكامنة أدي إلي إساءة استغلالها وتطويعها لهدم الوطن, كما أن شعور الشباب بالإقصاء وانعدام قيمته في المجتمع يدفعه لارتكاب مزيد من أعمال العنف والتخريب للفت الانتباه إليه, مؤكدا ضرورة استغلال هذه الطاقات فيما يفيد المجتمع علي أن يتم توظيفهم في المناصب المهمة كالوزارات والهيئات المختلفة, مع أهمية التصدي للتكتلات المتعصبة التي تهدد أمن الوطن. تحقيق: سلمي عرابي رابط دائم :