إن الكتاب الذي لا تقرأه مرتين لا يستحق أن تقرأه مرة واحدة, هكذا تحدث تولستوي وهكذا كان كتاب د.مصطفي عبد الغني( الأوقاف علي القدس) من الجدارة والاستحقاق ما يوجب قراءته مرات ومرات, ليس لأمانة كاتبه فحسب وليس لحساسية القضية المعروضة باعتبارها تشتبك مباشرة مع الحس الديني والتاريخي للأمة العربية والاسلامية وإنما يكفي كونه يمثل ملحمة وثائقية يجب أن تتداول في جنبات المجتمع الدولي بكل مؤسساته ومنظماته الحقوقية والانسانية, يجب أن يقف العرب شامخين به في وجه موجات الظلم الاستعماري التي بلغت من العتو والفجور مبلغا مستفزا, أصبح السكوت عنه يعد جريمة شنعاء في حق العروبة والاسلام والهوية القومية وفي حق الذات المعاصرة أيضا, لأن التفريط في الحقوق ليست إلا بلاهة حضارية مهما تباينت موازين القوي. ولعل كتاب( الأوقاف علي القدس) إنما قدم رصدا دقيقا اعتمد علي استقصاء تاريخي للقضية في معطياتها مع مقارنة بين وضعية أوقاف القدس قبل الاحتلال الإسرائيلي وبعدها. ذلك بجانب ما أجري الكاتب من مقابلات مع مسئولي ملفات القدس يتقدمهم الشيخ عكرمة صبري مفتي القدس, استوثق خلالها من أن الأوقاف الإسلامية داخل القدس وخارجها إنما هي مؤكدة تاريخيا منذ فجر الاسلام ومعجزة الإسراء والمعراج لبيت المقدس والتي تعد أول وقف للمسلمين توالت بعده وقفات المسلمين والصحابة والتابعين والعلماء ومنتهيا إلي أن مدينة القدس بأكنافها المعروفة إنما هي وقفيات بمقدساتها ومبانيها وعقاراتها. ويشير الكاتب إلي طبيعة المقامات الاسلامية في القدس ويعددها تفصيلا بادئا بكبار الشخصيات المدفونة في مقبرة مأمن الله من فقهاء وعلماء وقضاة وشيوخ وأئمة, وكذلك المدفونون من الصحابة في القدس, مساجد الحرم الشريف, ومساجد القدس علي اختلافها, المقابر الاسلامية. ويأتي الكتاب في ستة فصول مذيلة بخاتمة وملاحق تتضمن محاضر نقاشية, صور فوتوغرافية مهمة عن أوقاف القدس, وثائق أوقاف القدس المملوكية تناول أولها الأوقاف في العصر العثماني وقدم شهادة موضوعية في ذلك, إذ حظيت الأوقاف في ذلك العصر بالاهتمام اللائق بها بعد تطور هذا المفهوم وإقبال المسلمين عليه في شتي الأمصار, لكن ذلك لا ينفي لدي الكاتب سعي الدولة العثمانية للسيطرة علي الوقف الإسلامي في القدس الذي لم تستطع أن تجعل منه رسالة إسلامية تنهض بتبني القيم النبيلة التي تقوم بها مؤسسات الوقف في أرجاء العالم الاسلامي. بعد ذلك يخوض الكاتب في امتدادات القضية في العصر الحديث إذ يؤكد أن بدايات هذا العصر قد شهدت العديد من التحولات الغربية تجاه الأماكن المقدسة في فلسطين والتي تجلت في المحاولات المشينة لليهود في المشرق العربي خاصة القدس وأكنافها. ويتطرق الكاتب في تتبع تاريخي استمرارية الممارسات تجاه أوقاف القدس من النكبة إلي الانتفاضة, مؤكدا مدي الاضطراب الذي حل بفلسطينوبالقدس علي وجه أخص, إذ بدأت إسرائيل في ممارساتها الدموية للسيطرة علي موارد الأوقاف عن طريق وزارتها للشئون الدينية التي فرضت سلطتها علي أملاك وأوقاف المدينة بعد ذلك. وفي دائرة التاريخ الحديث خاضت إسرائيل جولات نوعية تجاه فلسطينوالقدس خاصة مثل الأقصي فيها أعلي درجات الاستهداف خلال محاولات الاعتداء المكثفة بين الآن والآن إلي جانب شيوع استراتيجيات التهويد. بعد ذلك يجيء موقف المؤلف مع المنزلقات المعاصرة فنراه قد سجل أبعادها وانعكاساتها قبل أكثر من عشر سنوات خلت- لكننا مازلنا لا نقرأ شيئا- إذ يؤكد أن موقف الولاياتالمتحدة من قضية فلسطين يعود إلي القرن التاسع عشر وأن بناء سفارتها في القدس علي أرض اللاجئين له انعكاسات أبعد أثرا من موقع السفارة نفسه, مدللا علي ذلك برؤيته د.وليد الخالدي الذي يري أن ذلك يعد انتهاكا لأربعة جوانب رئيسية هي مفاوضات الحل النهائي: القدس, المستعمرات, اللاجئين, ومساحة الدولة الفلسطينية المرتقبة. لكن بالنسبة لقضية نقل السفارة إلي القدس( غير المقسمة) و(الموحدة) و(المجمعة الشمل) كما يسميها قانون السفارات, إنما يدعم مزيدا من السيادة الاسرائيلية علي القدسالغربية والشرقية أيضا. ولعل ما أثارته الادارة الأمريكية مؤخرا حول القدس هو من قبيل الانتحار السياسي والسقوط الاستراتيجي, وحول ذلك قدم الكتاب مفاجأة خطرة ذات وزن وقيمة وهي إن السفارة الأمريكية إنما تدخل حيازتها ضمن الأوقاف الاسلامية والمسيحية الممثلة للشخصية التاريخية والدينية الضاربة في أعماق الزمن!