بمساوئه وقساوته, حمل الواقع المصري دائما للمواطن البسيط في طياته مواجهات مؤلمة تتزايد حدتها يوما تلو الآخر, ليعاني خلالها حملا علي كاهله, تراه يجر قدميه مثقلا به ليستكمل مسيرته اليومية التي يعاني خلالها الشقاء الحاد بجهد ملموس يقابله عدم استقرار في الحياة المعيشية, إلا أن جهده وعطاءه لا ينقطع, أملا في الاستقرار والتواصل مع الواقع المفروض, خشية ما يمكن أن يحدث حال التوقف والانقطاع عن العمل, فلا أحد يتحمل قساوة القلق وفزع الخوف من المجهول. وإن كان هذا حال أغلب الفئات الفقيرة والمتوسطة من بسطاء الشعب المصري, التي تتحمل من الشقاء ما يفوق الاحتمال خشية فقدان المأوي ومتطلبات الحياة, فما بالك إذن بالمواطن المشرد الحي الميت الذي لا مأوي له ولا سبيل سوي أنه يتذوق يوميا حياة بطعم الموت, لا يدري أحدنا ما يفعله هو هروبا من حر الصيف ولسعاته ولا برودة الشتاء وصقيعه, وهو لا يجد له مأوي ولا ملاذ سوي أرصفة الشوارع وأسفل الكباري, لا نعلم عن تلك اللحظات القاسية إلا برودتها في أعصاب الدولة ولا عن جوعهم وعطشهم إلا إحساس الشبع والارتواء في أحشاء المسئولين, وكأنه يعيش في ركن بعيد عن الدولة, وكباقي المهمشين والمجهولين, أو أشد حسرة, يعيش كل منهم غريب علي حافة وطنه منبوذ من الجميع, مهمل من ذوي السلطان. ربما تهالني أبعاد الصورة كاملة لأدقق النظر في تفاصيلها, لأرسم بقلمي نقطة بيضاء في وسط سواد حالك الظلمة لتسلط الضوء علي من دهستهم القسوة وغابت عنهم الرحمات, فأجد في جوانبها الأولي أحدهم وهو يقاوم مخاطر وصعوبات الليل ولا عجب في أنه بات لا يخاف الكلاب المسعورة التي أصبحت بمرور الوقت أوفي جليس له حيث تجمعهم ظلمة الليل ووحدته وشقاؤه, يتمركز في مكان خاص به في انتظار العون من المارة وأملا في عطفهم لمواصلة العيش بينما لا تربطه بالحياة سوي أنفاسه المتوالية التي تخرج رغما عن إرادته انتظارا للخلاص وحتي مجيء الأجل. وبعيدا عن دائرة مشوهة لبعض المدعين ممن يتخذون التشرد مهنه تساعدهم أو مهارة في التسول, إلا أن غالبا ما يتضح الفرق في من يرضي بالقليل ولا سبيل له سوي هذا الحال ومن يتاجر به استعطافا للمارة وطمعا في جني الأموال, فقد نجد علي الجانب الآخر للصورة مشهدا أكثر قسوة حيث تري أسرة كاملة تستقر في مساحة تبلغ متر في متر, علي أحد الأرصفة, تجدها مكونة من زوج وزوجة وطفلين, دون أن يكترث لهم أحد سواء مسئولين أو مارة, فيبحثون في سلات القمامة عن بقايا وفضلات الطعام لسد حاجاتهم من الجوع والعطش والملبس. وربما قد تكتمل أركان الصورة بالمشهد الأكثر إيلاما, حينما نلتقي طفلا لا يبلغ من العمر5 سنوات, متسولا ومشردا لا يعرف عن أهله شيئا, كل هذا وحالات أخري مشابهة لا يلقي لهم المسئولون بالا, فلم نسمع عن حملة رعاية تكفلهم من خلالها وزارة التضامن والجهات المعنية لتنقذهم من مر الواقع, ان الأمر قد يجد بعض الصعوبة التي تستلزم تدخلا جادا من الدولة نفسها, فهؤلاء المشردون يوجد بينهم, الهارب من مستشفيات الأمراض النفسية, وأطفال الشوارع, واليتامي, ما يجعل بعض المارة يخشون الاقتراب منهم, ويلقبونهم ب المجانين, فيتجنب الكثيرون تقديم المساعدات لهم, لذا لا أحد منا يفكر أن يكفل احدهم ويرعاه, ولكن إذا تأملناهم في دقائق, نجد أن أغلب هؤلاء علي وعي بالدنيا, ولكن لا يأملون منها سوي أحلام بسيطة تتجسد في الطعام والشراب والمأوي.