تعريض أمن بريطانيا للخطر, دعم التطرف والمتطرفين والمنظمات الإرهابية المعادية لبريطانيا, معاداة السامية ومناهضة إسرائيل والتهاون مع العنصرية, رغم كل هذه الاتهامات التي روجتها حملة المحافظين السياسية, فعلها العمال. لم يستمع الناخبون في بريطانيا إلي حملة المحافظين السلبية, التي اعتمدت علي الطعن في زعيم المعارضة وأنصاره من المرشحين أكثر من تركيزها علي مشروعها المقترح لانتشال البلاد من أزمتها. في يوم الانتخابات المحلية الذي أطلق عليه الخميس العظيم, انتخب اللندنيون صادق خان المسلم, مرشح حزب العمال, عمدة للعاصمة البريطانية. وهو لم يكسر فقط احتكار المحافظين للمنصب الذي دام8 سنوات متصلة, بل هزم زاك جولد سميث النائب اليهودي عن حزب المحافظين الحاكم في مجلس العموم. ورغم الضخ المالي والحشد الإعلامي الهائلين لحملة جولد سميث, تفوق خان بنسبة9 في المائة( بفارق تجاوز300 ألف صوت) وهي نسبة كبيرة لم تكن فقط متوقعة, بل إن خان أصبح السياسي صاحب أكبر عدد من الأصوات في تاريخ بريطانيا. فوز مرشح العمال, الذي يلقب الآن بأنه خان ملك لندن الجديد تعبير واضح علي أن المحافظين فشلوا في حملة, وصفها بعض المنصفين منهم بأنها مقززة وخطرة, في تغيير جلد بريطانيا واستعداء غير مسلميها علي مسلميها لتحقيقمآرب سياسية. تجاوزت الحملة خطوطالصراع السياسي الحمراء إلي التضليل, كما يقول العمال. وشارك فيها زعيم المحافظين رئيس الوزراء ديفيد كاميرون شخصيا. فقد وقف الزعيم البريطاني أمام البرلمان ليتهم العمال أمام الشعب ونوابه بأنهم يدعمون تنظيم الدولة الإسلامية. وأشار كاميرون إلي سليمان جاني, وهو داعية إسلامي, ووصفه بأنه عمالي يهين المرأة ويؤيد التطرف. وقال كاميرون إن دعم كوربن لمثل هذه الشخصيات يفسر فشله في محاولاته التعامل مع العداء للسامية( التي باتت تعني معارضة سياسات إسرائيل والصهاينة) داخل حزبه. وبعد هذه التصريحات الملتهبة تبين أن جانيمؤيد لحزب المحافظين ودعاه الحزب إلي لقاءات لحشد الدعم للحزب, وأعلن الرجل صراحة رفضه القاطع لأفكار تنظيم الدولة الإسلامية, وطالب كاميرون باعتذار صريح وواضح. ولم يرد عليه حتي الآن. ثم نبش المحافظون المتطرفون في تاريخ خان الذي كان رئيسا لجمعية ليبرتي المدافعة عن الحريات ومحاميا حقوقيا مرموقا, فلم يجدوا فيه سوي دفاعه عن حقوق الناس بغض النظر عن دينهم وأفكارهم وخلفياتهم. ورغم أن المؤشرات علي فشل هذا النهج في الهجوم علي خان كانت واضحة, لم تتوقف الحملة. ورغم تحذير العمال من أن مثل هذا التشويه يسئ إلي المسلمين ويضر بعلاقتهم بمجتمعهم, وجعل بعض أطفال المدارس يقولون لمدرسيهم إنهم- كمسلمين- لا يريدون أن يكونوا سياسيين في هذا البلد, تمادي المحافظون في حملة تشويه أي مسلم له أفكاره الدينية المحافظة الملتزمة بالدين, كلما رجحت استطلاعات الرأي كفة خان. فارق الأصوات بين خان وجولد سميث, كشف عن أن شعبية السياسي العمالي تمتد إلي شرائح واسعة لا تقتصر علي المسلمين. فهو يدافع عن الطبقة العاملة المجتهدة في بريطانيا.فالرجل, الباكستاني الأصل, تربي في حي فقير سكن فيه شقة أعطتها الحكومة لأسرته ربها سائق أتوبيس بسيط. وركزت حملته علي أنه من بين الناس البسطاء الذين يعانون الهوة المتسعة بين الأغنياء الذين يجنون الكثير ولا يدفعون سوي القليل, والفقراء الذين يتحملون فواتير الأزمة المالية والاقتصادية الباهظة بما فيها الضرائب الباهظة. ولمس كوربن العصب الحساس المؤلم للناس في لندن عندما قال في تهنئته لخان بالفوز إنه يتطلع للعمل معه من أجل لندن عادلة للجميع. صدق الناخبون وعود خان بشأن حل أزمات صعبة مثل الإسكان والنقل والبيئة والمواصلات والصحة والتعليم, ولم تخطف أبصارهم حملة الأغنياء المحافظين الذين أيدوا جولد سميث الثري, وحالت نزاهة الانتخابات المطلقة وحرية الدعاية الانتخابية دون حمل مرشحهم إلي مكتب عمدة, إحدي أهم عواصم العالم. هذا الانجاز السياسي غير المسبوق ليس مردودا فقط إلي سجل خان وكفاحه الشخصي والأسري ولكنه رد علي حملة سياسية قاسية أوسع ضد حزب العمال بقيادة الزعيم اليساري الجديد جيرمي كوربن. وبينما يقول مؤيدو المحافظين إن العمال تعثروا في بعض المناطق, ولم يحرزوا تقدما كبيرا في مناطق أخري في الانتخابات البلدية عموما, يؤمن أنصار العمال بأن مجرد صمودهم, أمام حملات التشويه السلبية المحافظة, دون أن يتكبدوا خسائر هائلة علي المستوي الوطني, هو في حد ذاته انتصار لافت للنظر. من السابق لأوانه, بطبيعة الحال اعتبار ان النتائج العامة للانتخابات البلدية مؤشر قوي يمكن الاعتماد عليه لتوقع نتائج الانتخابات العامة عام.2020 غير أن صمود العمال, بقيمه المعروفة عن المساواة والعدالة الاجتماعية والسياسة الخارجية الأخلاقية المبدئية المناهضة للحرب, في الحملة الشعواء المدعومة من اليمين المحافظ الثري, ماليا وإعلاميا, هو في حد ذاته مؤشر يستحق وضعه في الاعتبار. وهذا يفسر حشد العمال قوتهم, فور انتهاء موسم الانتخابات المحلية, لدعم كوربن لإصلاح الحزب من الداخل ورأب الصدوع والخلافات بشأن السياسات كي يمكن وضع الحزب علي طريق استعادة السلطة.