في ظرف ثلاثة أسابيع فقط قامت أكاديمية الفنون برشة جريئة من الدكتوراة الفخرية شملت نجم السينما الهندي أميتاب باتشان,ثم بعدها بأيام نالها عبادي الجوهر, وحسين الجسمي وعبدالله الرويشد وشادية مصر المعتزلة, ولا أعلم سببا واضحا أو داعيا واحدا لهذه الهبة المتسرعة وغير الموفقة ؟ كما لا أدري لماذا نعد لاحتفال يستغرق وقتا وجهدا و الإعداد لمراسم ورفع درجة الاستعداد القصوي وشدة داخل الأكاديمية من أجل فنان واحد ؟,ثم بعد الاحتفاء به نعيد الفيلم من تاني ونبدأمن جديد نفس الشدة والترتيبات والمراسم والذي منه لمنح آخرين نفس الدكتوراة الفخرية؟! فهل كان التقسيم خاضعا لاعتبارات اللغة والعرق؟, أم للتقسيم الجغرافي؟,أم لا هذا ولا ذاك إنما كان تقسيما فنيا تخصصيا بحتا؟! وفي هذه الحالة الأخيرة نكون قد نسبنا الفنانة الكبيرة شادية للغناء دون التمثيل, وهو بالمناسبة تقسيم ظالم لنجمة سينمائية بارعة,أما عن مسألة التكريم فلنا معها وقفة, فلا مبرر لإحياء الفخرية من مرقدها بعد المرة الوحيدة التي ذهبت فيها قبل أربعين عاما إلي موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب. تمنح الدكتوراة الفخرية تقديرا لشخصية عامة لها مكانتها وترغب الجامعة أو الأكاديمية في الاعتراف بمساهماتها الكبيرة ودورها الرائد وعطاءاتها المستمرة دون توقف علي مدي مشوارها,وتكون إنجازاتها واضحة للجميع,كماتخضع الدكتوراه الفخرية لشروط وضوابط وأعراف دولية وإلا فقدت قيمتها,وأصبحت مثل الشهادات التي تشتري من بوتيكات تزوير الشهادات, والأبواب الخلفية لبعض الجامعات. وإذا نظرنا إلي مشوار وتاريخ عبدالوهاب أول من حصل عليفخرية الأكاديمية نجده ملوء بالإنجازات والعطاء المتواصل الممتد عبر عشرات السنين,فهو أحد أبرز أعلام الموسيقي العربية و موسيقار الأجيال ومطرب الملوك والأمراء,وفنان الشعب, نال خلال مشواره الفني العديد من الجوائز والأوسمة,منها علي سبيل المثال وسام الاستحقاق من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر, والميدالية الذهبية للرواد الأوائل في السينما المصرية, ونيشان النيل, وجائزة الجدارة, ووسام الاستقلال عام1970, والجائزة التقديرية في الفنون عام1971, وعلي المستوي الدولي, حصل علي دبلوم وميدالية ذهبية من معرض تولوز الفني بفرنسا1962, ولقب فنان عالمي من جمعية المؤلفين والملحنين في باريس1983, والميدالية الذهبية من مهرجان موسكو, والأسطوانة البلاتينية في1978 كما حصل علي العديد من الأوسمة والجوائز والنياشين من رؤساء وملوك العالمالعربي والغربي,ولذلك لم تكن الدكتوراة الفخرية بالكثير أمام ما قدمه للفن. مع احترامي للقديرة الحاجة شادية وما أثرت به مكتبتنا الغنائية والسينمائية عليالسواء,غير أن اسمها ما كان ليطرح, احتراما لرغبتها بالانزواء بعيدا عنالأضواء والاختفاء عن الأنظار,ولأنها معتزلة للفن منذ ثلاثين عاما, وهو ما يفقدهاشرطا أساسيا يمنع منحها الفخرية ألا وهو الاستمرارية, أما حسين الجسمي ابن السادسة والثلاثين عاما فرغم اعجابي بصوته ولونه الغنائي إلا أن مشواره مازالطويلا, وأمامه الكثير ليقدمه لفنه, وكان يمكن تكريمه وغيره بأي طريقة أو شهادةأخري,ثم لنستوقف أي عشرة أشخاص في الطريق العام ونسألهم عن عباديالجوهر وعبدالله الرويشد ماذايعرفون عنهماويحفظون لهما ؟!أعتقد أن الإجابة لن تكون في صالحهما,لافتقادهما للنجومية داخل مصر, وعدم غنائهما باللهجةالمصرية ففقدا تواصلهما مع الجمهور المصري الذواق,الذي هو مقياس النجاح من عدمه, بدليل جماهيرية أميتاب باتشان وعشق قاعدة عريضة من المصريين لفنه الهندي. لن يفوتني أن أتساءل لماذا عبادي الجوهر وليس محمد عبده الأكثر شهرة لدينا؟!, ولماذا اقتصرت الدكتوراة علي الخليجيين فقط رغم وجود مشاهير أكثر نجومية منهم في أقطار عربية شقيقة ؟! وهل تم اختيارشادية المعتزلة والمعتذرة عن حضور مراسم التكريم لحجب تكريم كان يستحقه مطربا بحجم هاني شاكرمثلا؟! أزعم أن أسباب ودوافع منح هؤلاء الدكتوراة الفخرية ليس لها علاقة بالفن, وإن كان ولابد فكان الأجدر بالأكاديمية ان تنشئ درجة أقل من الدكتوراة لتمنحها لهؤلاء ولتكن الماجستير الفخرية!