برلماني: مخطط لنقل 5 ملايين مواطن لسيناء وزراعتهم في أرض الفيروز    الجيش المالي يعلن دحر هجوم إرهابي واسع وتحييد مئات العناصر في باماكو وكاتي    قرارات عاجلة من مجلس إدارة الأهلي في اجتماعه اليوم    الأهلي وسبورتنج يحسمان أولى مباريات نصف نهائي دوري السوبر لكرة السلة للسيدات    حجز سائق تسبب في مصرع طالب بكرداسة    ضبط صانعة محتوى بالإسكندرية بتهمة نشر مقاطع خادشة للحياء    شيرين عبد الوهاب: "ربنا يديني القوة على الفن اللي عايزة أقدمه"    الجيش المالي: مقتل مئات المسلحين في هجمات باماكو وعمليات تمشيط واسعة لتطهير العاصمة    الوفد يشكل لجنة تشريعية لصياغة القوانين ويضع الأحوال الشخصية أولوية    مباراة التصويبات الثلاث.. مانشستر سيتي يهزم ساوثهامبتون ويتأهل لنهائي كأس الاتحاد الإنجليزي    وزير الشباب يبحث مع اتحاد الشراع خطة المرحلة المقبلة    مسؤول بمنظمة التحرير الفلسطينية: انتخابات دير البلح رسالة تمسك فلسطيني بالحياة والوحدة    أسعار الدواجن مساء اليوم السبت 25 أبريل 2026    محافظ كفرالشيخ: تحصين 255 ألف رأس ماشية ضمن الحملة القومية    انفراد.. أقطاي عبد الله مرشح الأهلي الأول في ميركاتو الصيف    ريمونتادا نارية.. بايرن ميونخ يحول تأخره بثلاثية إلى فوز مثير على ماينز    «المصريين»: كلمة الرئيس السيسي في ذكرى تحرير سيناء وثيقة سياسية واستراتيجية شاملة    هجوم روسي واسع على أوكرانيا يوقع قتلى وجرحى ويستهدف مدنا عدة بينها دنيبرو وكييف    مصرع سيدة صدمتها سيارة مجهولة أمام قرية شها بالمنصورة    مصرع شخصان وإصابة طفل فى حادث انقلاب توك توك داخل مصرف ببنى سويف    من هدم الحائط إلى البلاغ الكاذب.. الأمن يفك لغز واقعة المقابر في الإسكندرية ويضبط المتورطين    عضو القومي لحقوق الإنسان: الحياة الآمنة واقع ملموس في كل رقعة من أرض مصر وفي مقدمتها سيناء    «ابن الأصول» على مسرح ميامى    مؤتمر دولي بجامعة مدينة السادات يناقش الطب الدقيق والعلاج المناعي لمواجهة تحديات الأورام    اللقاحات تنقذ الأرواح فى أسبوع التحصين العالمى    أطعمة تحسن رائحة الجسم بشكل طبيعي، سر الجاذبية يبدأ من الداخل    «الفرنساوي» الحلقة 2.. سامي الشيخ يكتشف خيانة زوجته ويرتكب جريمة قتل    خيتافى ضد برشلونة.. البارسا يقترب من لقب الدورى الإسبانى بفوز جديد    عقوبات الجولة الثالثة لمجموعة التتويج| إيقاف نجم الزمالك وثنائي بيراميدز    وزارة النقل: ميناء أكتوبر الجاف يعزز حركة التجارة ويخفف الضغط عن الموانئ البحرية    تفاصيل مقتل طفل داخل محل حلاقة.. اعتداء وحشي ينهي حياته بعد تبول لا إرادي    وزارة الثقافة: تنظيم 324 فعالية في شمال سيناء و276 فعالية في جنوب سيناء    منة شلبي تحرص على إحياء ذكرى ميلاد والدها    مجلس الشيوخ يناقش تعديل قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات.. الإثنين المقبل    أمريكا تسمح لحكومة فنزويلا بدفع أتعاب محامي مادورو    محافظ شمال سيناء: افتتاح 3 مواقع ثقافية جديدة بمناسبة الاحتفال بعيد تحرير سيناء    رئيس جامعة قناة السويس يستقبل الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف    غزة.. تمديد التصويت في انتخابات دير البلح لساعة واحدة    انطلاق مباراة برشلونة أمام خيتافي في الدوري الإسباني.. عودة ليفاندوفيسكي    استشهاد فلسطيني برصاص الاحتلال شمال قطاع غزة    تشييع جثماني طفلين غرقا بمياه ترعة قرية باغوص بمركز ببا ببني سويف    بوسي شلبي تكشف حقيقة نقل ميرفت أمين للمستشفى    منظمو الرحلات الأجانب: إيقاف الحرب يعيد رسم الخريطة السياحية عالميا    وزيرة التنمية المحلية تعلن تنظيم ورشة عمل لمناقشة منظومة المتابعة والتقييم    البابا تواضروس يصل إلى تركيا    رئيس هيئة الاعتماد والرقابة الصحية: 39 منشأة صحية معتمدة بجنوب سيناء    حبس المتهم بقتل والده في أبوتشت بقنا 4 أيام على ذمة التحقيقات    عالم أزهري يوضح الدروس المستفادة من قصة قوم عاد وعاقبة الطغيان في القرآن الكريم    توريد 34 ألف طن قمح بالشرقية، وأسعار مجزية للمزارعين وفق درجات النقاوة    رمضان عبد المعز: الدعاء هو العبادة.. والحمد لله أعظم كلمة تطمئن القلوب    اللواء خالد مجاور: سيناء لها أهمية استراتيجية بالغة وتشهد طفرة تنموية    نائب وزير الصحة تتفقد المنشآت الصحية بمحافظة البحيرة وتعقد اجتماعات موسعة    قرينة السيسي في ذكري تحرير سيناء: نحيي تضحيات أبطالنا ونفخر باستعادة أرضنا الغالية    محافظ جنوب سيناء من دير سانت كاترين: أعمال التطوير تنفذ وفق رؤية متكاملة    الرئيس السيسي: نرفض تهجير الفلسطينيين ونتمسك بالحلول السياسية لأزمات المنطقة    خطبة الجمعة من مسجد المشير: تحرير سيناء ملحمة وطن وعقيدة لا تُنسى    بسم الله أرقيك يا وطنى    مختار جمعة: إحياء النفس لا يقتصر على الحياة المادية بل يشمل كل صور الحماية والرعاية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أسواق الرجالة‏..‏ قنابل موقوتة
عمال التراحيل‏..‏ فائض العمالة الزراعية‏..‏ خطفتهم النداهة وظلوا علي هامش القاهرة
نشر في الأهرام المسائي يوم 25 - 06 - 2010

يراهم البعض فئة مهمشة ويراهم آخرون فئة طفيلية تزيد من ازدحام القاهرة‏,‏ ويعتبرهم فريق ثالث بؤساء معذبين في عصر ليس فيه رحمة‏,‏ إلا أن قصصهم تمتليء بالأوجاع‏,‏ ونادرا ما تختلف نهاياتها‏..‏ هذا هو حال عمال التراحيل في مصرالمحروسة‏.‏
سامح جاء من إحدي قري سوهاج يلبي نداء النداهة‏,‏ التي طالما دعته هو والكثيرين من قبله للحضور إلي العاصمة والعمل بها‏,‏ حتي لو كان ذلك العمل في سوق الرجال‏.‏
سامح جاء إلي القاهرة محملا بهموم الفقر والحاجة‏,‏ يسبقه للعاصمة حلم الاكتفاء وسد جوع أسرته‏,‏ التي لاتعرف سوي الخبز والجبن القريش طعاما لشهور طويلة‏.‏ جاء متسلحا بقوته العضلية التي تأكلها الرطوبة حاملا في إحدي يديه عدة العمل التي تضم شاكوشا وأجنة وأزميلا‏,‏ يلفها في كيس من القماش ويحرص عليها كحرصه علي حياته‏,‏ وفي اليد الأخري كيس بلاستيك يضع فيه غيارا آخر له‏.‏
لم يمض عليه أكثر من أسبوعين في القاهرة وهو الأحدث وسط مجموعة من الرجال هم زملاؤه في الشقاء يفترشون وسط ميدان رمسيس والاسعاف والمطرية والمرج وشبرا ومدينة نصر بالأحياء السابع والثامن والعاشر ومدينة‏6‏ أكتوبر‏,‏ والعمرانية والهرم والسيدة عائشة‏,‏ كلهم يحملون ذات الملامح التي يصم بها الفقر أصحابه‏,‏
وجوه شاحبة بها خطوط وتجاعيد خطها الخوف من الغد الذي لايعلمون عنه شيئا‏,‏ واليوم الباهت كحياتهم‏.‏ ولتكون تلك المناطق ملاذهم الوحيد حيث يجلسون فيها بجوار بعضهم البعض منذ الخامسة صباحا‏,‏ ومن خلال الأدوات التي يحملونها تستطيع التمييز بين الفلاحين فهم يحملون الفأس والمقطف لقيامهم بأعمال الحفر والردم‏..‏ بينما يحمل الآخرون مجموعة من الشواكيش للقيام بأعمال التكسير والهدم ومنهم من يحمل حبلا وشكائر لاستخدامها في رفع مواد البناء من الطوب والرمل‏.‏
دعاء الانتظار
ساعات من الانتظار تمر علي هؤلاء وهم جالسون علي الأرصفة تداعب كل منهم أمنية أن يحصل علي عمل ليوم واحد‏,‏ لا يملكون إلا عبارات التماس الفرج والدعاء‏,‏ وعيونهم مركزة علي السيارات الغادية والرائحة أمامهم‏,‏ حتي إذا ما وجدوا سيارة تتباطأ أمامهم هبوا إليها جميعا مندفعين إلي صاحبها‏,‏ الذي غالبا ما يحمل إلي بعضهم بشري الرزق‏,‏ لتبدأ المفاوضات علي الأجر‏.‏
ولو كان صاحب السيارة مقاول أنفار يبحث عن عدد من عمال التراحيل الأقوياء لحفر قواعد أساس إحدي البنايات أو هدم خرسانة أو غيرها من أعمال المعمار‏,‏ يكون التفاوض علي الأجر قاسيا حيث يفرض شروطه ويهددهم بين الحين والآخر بتركه لهم والبحث عن غيرهم لعلمه بمدي حاجتهم‏,‏ وتكون المفاوضات حول السعر أقل وطأة إذا كان صاحب السيارة شخصا عاديا يبحث عمن يهدم له حائطا أو يحمل ردما من منزله‏.‏
وغالبا ما يتراوح الأجر بين‏35‏ و‏50‏ جنيها في اليوم الواحد لكل عامل منهم‏.‏ ليعودوا في المساء خائري القوي يرتمون علي أرض غرفهم الصغيرة المتهالكة لدي أحد البوابين أو الخفراء‏..‏ ربما لاتوجد إحصائيات دقيقة لحصر عددهم ويتردد أن العدد يتراوح ما بين مليون إلي مليونين منهم الأمي والمتعلم‏..‏ منهم الشيخ والصبي والفتاة أيضا إلي جانب الشاب‏,‏ يعانون الاضطهاد والاستغلال والاهمال‏,‏ وبالرغم من أن حياة عمال التراحيل لا تعرف الراحة إلا أن رجال الشرطة لايرحمونهم ويحررون لبعضهم محاضر تحري ويتم حجزهم بالقسم يوميا أواكثر‏.‏
الصورة عن قرب
الاهرام المسائي تعاملت بنفس طريقتهم وذهبت إلي مناطق سوق الرجال كما يسمونها‏,..‏ تعرفنا علي تفاصيل كثيرة تعكس الظروف الاجتماعية والإنسانية و التي يعيشونها ورصدنا الصورة عن قرب ووجدناها أكثر قسوة
محمد السيد‏(27‏ سنة‏)‏ من المنيا يقول‏:‏ مشاكلنا نحن عمال التراحيل كثيرة جدا لأننا حضرنا إلي القاهرة بعد أن فشلنا في الحصول علي عمل‏.‏ وأضاف‏:‏ نحن أكثر من‏15‏ فردا نسكن غرفة واحدة وكل منا يدفع عشرين جنيها في الشهر مقابل السكن بخلاف المأكل والمشرب‏,‏ والأغرب أننا نتعرض للإضطهاد من الأمن الذي يقبض علينا بلا مبررات لمجرد أننا نقف علي الارصفة في انتظار أي مقاول أنفار للعمل معه‏.‏
وأكد استغلال المقاول لهم والمماطلة علي المبلغ المتفق عليه لتقليله‏..‏
ولا تختلف أحوال عيد محمود‏,‏ من قنا عن أحوال بقية عمال التراحيل فيقول‏:‏ فشلت في الحصول علي فرصة عمل في محافظتي وجئت إلي القاهرة أملا في الحصول علي عمل ولكن للأسف تعرضت لمآس كثيرة ومررت بظروف صعبة اضطرتني للسلف ولا أدري متي أسدد ديوني‏,‏ وأقوم بمجهود شاق لأنني أعمل في المحارة والسباكة وغيرها من الأعمال غير الدائمة‏,‏ وإذا تعرضت للمرض لا أجد من يداويني فليس لي تأمين صحي‏,‏ شأني شأن عمال كثيرين جاءوا للقاهرة سعيا وراء لقمة العيش‏..‏
ويؤيده في ذلك عوض عبد البر قائلا إن المأساة الكبري هي أنه يضطر أحيانا إلي منع أولاده من الذهاب للمدارس لأنه لا يجد نقودا يعطيها لهم ليركبوا المواصلات‏,‏ فضلا عن ارتفاع الأسعار وظروف الحرمان والاستغلال من قبل مقاولي الأنفار مما يجعلهم يقبلون بالأجر القليل‏..‏
لا حقوق‏..‏ لا ضمانات‏..‏ لا علاج‏!‏
ويقول عم عبدالغفار‏:‏ لم نعرف معني الدعم وليس معنا بطاقات تموينية لصرف السلع المدعومة‏,‏ وليس لنا تأمين صحي واليومية تتراوح ما بين‏35‏ و‏50‏ جنيها للعامل وما بين‏50‏ إلي‏100‏ جنيه للصنايعي‏..‏ ومقاولو الأنفار مبيرحموش ولا حقوق ولا ضمانات ولا علاج‏!‏ والله العظيم حرام‏.‏
أما محمد نوح‏,‏ حاصل علي دبلوم تجارة‏(‏ حداد مسلح‏)‏ فيروي تجربته مع العمل قائلا‏:‏ لقد شاهدت زملاء في المهنة يسقطون من أسطح المباني الشاهقة أثناء تركيب الأسياخ الحديدية ومنهم من لقي مصرعه ومنهم من خرج بعاهه مستديمة من العمل بدون تعويض‏,‏ فطبيعة العمل شاقة جدا ويقابله أجر ضئيل ولا توجد ضمانات لنا في المستقبل وأتمني أن تهتم النقابات بتسجيل العمال أمثالنا لضمان حقوقنا التأمينية‏.‏
ويضيف س‏.‏ ع‏:‏ حاول المقاول الذي أعمل معه في معظم الوقت أن يقنعني بضرورة التأمين علي حياتي مقابل‏10‏ جنيهات في الشهر‏,‏ حتي يكون لي معاش في حالة الإصابة أو الموت‏,‏ حاولت ذلك ولكنني وجدت أن علي دفع مبلغ‏100‏ جنيه في البداية للحصول علي شهادة قياس مهارة‏,‏ وهو مبلغ مكلف بالنسبة لي‏,‏ فرفضت‏.‏ ويقول سالم الأسيوطي من المنيا‏:‏ العين بصيرة واليد قصيرة‏,‏ والحياة في القاهرة بهدلة لكن البيوت محتاجة‏,‏ وفرص العمل ضعيفة وظروف العمل شاقة والعائد منها قليل ولم نسلم من سخرية الناس منا ونضطر في أحيان كثيرة لظروفنا أن ننام علي الرصيف وأن نقوم بالاستحمام في الجوامع‏.‏
والمؤهلات أيضا‏..‏
وقديما كان هناك تصور راسخ علي أن عمال التراحيل عبارة عن أشخاص أميين لا يجيدون أي حرفة حتي أصبح عدد كبير من هؤلاء يحملون مؤهلات متوسطة وأحيانا عليا‏..‏ سالم بدوي‏,‏ ليسانس أداب‏28‏ سنة من الفيوم‏,‏ يقول‏:‏ كان حلم حياتي يوم دخولي الجامعة أن أتخرج وأجد فرصة عمل مناسبة وأقدر أفتح بيتا مثل باقي المتعلمين لكن سرعان ما تبدد الحلم بعدما تقدمت لجميع المسابقات التي نظمتها الحكومة والنتيجة صفر ففقدت الأمل وأصبحت بين عشية وضحاها واحدا من طابور عمال التراحيل الأمر الذي جعلني أنسي أساسا أنني حصلت علي شهادة‏..‏ وبالمثل يقول سيد مسعود‏,‏ من حلوان‏,‏ خريج كلية الحقوق‏:‏ أعمل في مجالات البناء والترميم وأحمل الزلط والرمل بعد أن فقدت الأمل في التعيين‏.‏
النساء‏...‏ والحرام
والتراحيل من المجالات الصعبة التي اضطرت المرأة للعمل فيها تحت ضغط الحاجة وهو ما عبرت عنه رواية الحرام للكاتب يوسف إدريس‏,‏ التي تظل خير شاهد ومجسدة لقسوة حياة تلك الطبقة التي عبرت عنها شخصية عزيزة عاملة التراحيل وجسدتها للسينما سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة في فيلم من إخراج بركات في مطلع الستينات‏,‏ لتظل شخصية عزيزة التي تخرج ضمن قوافل التراحيل للبحث عن لقمة العيش لأبنائها ولزوجها المريض‏,‏ فتتعرض للاغتصاب وتضطر إلي قتل وليدها خوفا من الفضيحة‏,‏ حاضرة في أذهان كل من شاهد الفيلم‏,‏ ليس فقط كدليل علي جفاف حياة هؤلاء البشر وقسوتها‏,‏ ولكن أيضا كإشارة علي وجود النساء في هذا المجال‏.‏
وفي دراسة أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية تحت إشراف د‏.‏ ثروت اسحق تشير إلي أن نسبة وجود المرأة في مهنة التراحيل وصلت إلي‏8%‏ وهو رقم كبير لأن المهنة للرجال‏..‏ وتذهب المرأة للعمل في رفقة زوجها وتحصل علي نصف أجر الرجل‏..‏ وتزيد نسبة أمية النساء في هذا القطاع علي‏95%‏ وتتراوح ساعات العمل بين‏8-12‏ ساعة يوميا‏..‏ ويقول د‏.‏ ثروت إسحق إن عمال التراحيل هم فائض العمالة الزراعية في القري‏..‏ حيث يتولي جمعهم مقال العمال ثم ينقلهم إلي مناطق العمل لفترات تتراوح بين شهر وعدة شهور يقيمون فيها في خيام أو معسكرات‏..‏ ولجوء المرأة للعمل في هذا
المجال الصعب يدل علي عدم وجود أي فرصة عمل أخري امام هذه المرأة والتي غالبا لايكون لديها أطفال وإذا كان لديها فإنها تتركهم خلال فترة عملها في رعاية امها أو أم زوجها‏.‏
وتقول سعدية أبو عارف‏:‏ انا متزوجة من عامل تراحيل وانجبت منه ثلاثة ولأن ظروف الحياة والمعيشة تتطلب مصاريف كثيرة فكان لابد ان اعمل معه واتحمل مشاق العمل الذي تعودنا عليه علي مدار‏10‏ سنوات متواصلة من حمل مواد البناء والصعود بها لأدوار عليا ولكن اول من يتم الاستغناء عنهم في تلك المهنة النساء خاصة بعد ظهور المعدات الحديثة‏..‏ أما سعيدة تلك الفتاة الصغيرة من بولاق فتقول‏:‏ عملت في هذه المهنة كي ازوج نفسي فأبي مريض وأمي تلازمه واخواتي منهم من يعمل بالكاد والآخرون صغار فكان لابد ان اجد مخرجا من الفقر الذي ينهش في أجسادنا‏,‏ حتي ولو كان الثمن هو حمل الطوب ومواد البناء للأدوار العليا‏,‏ بدلا من ان اسرق أوابيع نفسي‏.‏
حتي الأطفال‏..!‏
طيور مغردة تخلت عن طفولتها فجأة ومارسوا أعمال الكبار بشروط السوق فتعرضوا للعنف والاستغلال‏,‏ ذهبوا لإعالة اسرهم وانفسهم وتحسين ظروفهم الاجتماعية والمعيشية فلم يجدوا احدا يرحم طفولتهم أو يشفق عليهم ولابد ان يدفع الطفل من كرامته وحريته وآدميته مقابل جنيهات قليلة يوميا‏..‏ فيقول التوأمان أحمد وحسين إبراهيم‏11‏ سنة‏:‏ اجبرتنا والدتنا علي الخروج من المدرسة بعد السنة الرابعة لان ظروفنا المادية لاتسمح لنا بالتعليم كما ان المناهج سيئة والمدرسون لايهتمون بنا فلم نشعر بالفرق الشاسع بين اكمال التعليم من عدمه‏.‏
ويكمل حسين‏:‏ نحمل الطوب علي اكتافنا ونناول‏(‏ المعلم‏)‏ ولانستطيع ان نعترض علي أي شيء وإلا حرمنا المقاول من نصف اليومية التي لاتتجاوز‏20‏ جنيهات في حالة اتقان العمل‏.‏
ويقول محمد علي‏16‏ سنة‏:‏ اعمل في رفع الطوب والرمل مع باقي العمال لتوفير مصاريف المدرسة لان اسرتي فقيرة للغاية ويضطرني ذلك للغياب عن المدرسة اسبوعا كل شهروهي المدة التي اعمل فيها لاوفرمصاريفي فضلاعن اجازة علي نهاية العام التي اقضيها في العمل دون أي راحة‏.‏ ويؤيده في ذلك عادل شوقي طالب بالصف الثاني الثانوي ويضيف‏:‏ احرص في الاجازة ان اعمل في سوق الرجالة لاوفر مصاريف دراستي طوال العام لاني اتمني ان اكمل تعليمي وعندي امل ان احقق هذا الحلم لذا فأنا وزملائي في المهنة نتحمل المعاملة السيئة من صاحب العمل واستغلال مقاولي الانفار لعلمهم بحاجتنا الشديدة للمال واننا لن نعترض فضلا علي اننا صغار لانستطيع ان نتفوه أمامهم بكلمة‏.‏
مهنة لايحميها أحد
الدكتور نبيل حلمي رئيس لجنة حقوق الإنسان بالحزب الوطني يؤكد ان عمال التراحيل من الفئات التي تسعي إلي كسب الرزق من خلال اعمال المقاولات والبناء وجميع الأعمال التي تتطلب مجهودا جسديا أكثر منها مجهودا عقليا ولذلك ففي كثير من الاحيان قد يجدون عملا وقد لايجدون‏.‏
واحتراما لحقوق الإنسان المصري لابد من وجود تجمعات اساسية لتلك الفئة ترد لهم حقوقهم وتضمن حمايتهم من الاستغلال ويتم ذلك من خلال طلبات أو استمارات أو غير ذلك وان يكون هناك حد ادني للأجور وان يثبت ذلك في اوراق لحمايتهم من الاستغلال من أي طرف من الآطراف الأخري سواء المشتغلون أو الوسطاء أو أصحاب العمل‏..‏ من ناحية أخري لابد من تنظيم تدريب مهني لهؤلاء في المهن المختلفة‏,‏ وان تكون لهم نقابات أو جمعيات اهلية للدفاع عنهم بحقوقهم في هذا المجال‏.‏
ويقول حافظ أبو سعدة رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان‏,‏ ان هذه الفئة تمثل نوعا من البطالة المؤقتة حيث نتحدث عن قطاع واسع من الناس سواء في الزراعة أو اعمال البناء والمقاولات‏..‏ ويحمل المسئولية لوزارة القوي العاملة ويضيف هناك امران يجب اخذهما في الاعتبار‏,‏ اولهما‏:‏ انه لابد من تدريب مهني منظم لهؤلاء لان السوق في حاجة لعمالة مدربة وكثيرا ماتشتكي الوزيرة عائشة عبدالهادي من ان رجال الأعمال لايجدون عمالا مدربين في مصانعهم وشركاتهم وهم في حاجة فعلية للعمال فلماذا لايتم تدريبهم مهنيا بشكل منظم وفعال‏.‏
الأمر الثاني‏:‏ ويتعلق بفكرة التأمين فلابد ان تمتد مظلة التأمين علي هؤلاء وهو تأمين من البطالة وتأمين صحي واجتماعي وغيره‏.‏
ويري أبو سعدة ان القانون الجديد سوف يشمل تلك الفئة المهمشة لان شروطه تنطبق عليهم فتلك الفئة ليس لها دخل دائم أو ثابت فضلا عن ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية الصعبة لذا يجب حصرهم وتسجيلهم ودفع اقساط التأمين نيابة عنهم‏.‏
ويضيف انه ضد وجود نقابة تتحدث باسمهم في الوقت الحالي لأن النقابة تحتاج لاصحاب مهنة ولابد اولا من ادماجهم في المجتمع وتوجد مهن تليق بهم وبعد ذلك تكون لهم نقابة اما الآن فكيف سيدفع العمال اشتراكها وهم لايعملون اصلا‏..‏ أيضا يجب تنظيم حقوق العمال وتدريبهم وهذه مهمة مراكز التدريب التابعة لوزارة القوي العاملة‏.‏
مشاريع وحوش
ويقول الدكتور محمد حسن الحفناوي‏,‏ أمين المهنيين بالحزب الوطني ان القضية مهمة جدا وفي غاية الخطورة وباختصارهم قنابل موقوتة داخل المجتمع المصري يمكن ان يتحولوا في أي لحظة إلي وحوش ضارية منهم السارق والقاتل لاسيما وهو يعاني من الجوع والتشرد والبعد عن العائلة لذا يجب وضع نوع من التنظيم في سوق العمل التي اصبحت في الغالب اعمال البناء والمقاولات وفي الوقت نفسه هم فئة لاتمتلك أي خبرة بأي مهنة‏.‏وهذا ليس مطلوبا في سوق العمل الذي يحتاج لعمالة مدربة جيدا‏.‏
ويري ان صاحب العمل والعامل كلاهما معذور لان الأسعار ارتفعت والعامل يبحث عن زيادة الاجر وصاحب العمل يحاول تقليل الاجر إلي الحد الادني‏,‏ وازداد الامر سوءا بعد ظهور الماكينة التي الغت وجودهم‏,‏ فيجب ان يفتح لهم مجال عمل ولكن ليس علي مصرعيه‏,‏ كما ان ليس لهم تنظيم نقابي يجمعهم وحتي خريجو الجامعات الذين يعملون ضمن هذه الفئة ليس لهم عمل في مجالاتهم وليس لديهم ثقافة العمل الذي يقومون به من اعمال البناء المختلفة كما ان سوق العمل في مصر يكاد يكون قد اكتمل وتشبع واستكفي‏,‏ ويري ان حل مشكلتهم يرجع للجهات الرسمية المعنية مثل وزارات التضامن الاجتماعي والشئون الاجتماعية والقوي العاملة‏.‏
إضافة للناتج القومي
الدكتور اشرف العربي‏,‏ استاذ الاقتصاد بمعهد التخطيط العمراني يؤكد إن هذه الفئة من العمال مطلوبة وعليهم اقبال ويضيفون للناتج القومي حيث تحتاج لهم المصانع ويري ان المشكلة هي كيفية استغلال طاقتهم بشكل إيجابي والحل ان نجد اولا حصرا دقيقا لهم وهو ما لم تكشفه الاحصاءات حتي هذه اللحظة‏.‏
ويري انه ببساطة شديدة نجد ان أي عمل منتج لابد من تنظيمه في اطار مؤسسي للموضوع وفي شكل منظم ولابد من وجود مؤسسات تدافع عن تلك الفئة حتي ولو بشكل غير رسمي فطالما يعملون وينتجون فلما لانساعدهم؟‏!‏ لكن المهم هو النظام‏..‏ ويؤكد العربي انه ليس ضد هذا النوع من العمل لاننا بالفعل نحتاج إليهم ولكن بشكل منظم ومدرب‏..‏ وان يكون لهم جهة تدافع عنهم تتمثل في الاتحاد العام لنقابات العمال ويكون لهم تأمين ونقابة خاصة فرعية وبالتالي نضمن لهم الاستقرار وعلو الإنتاج‏.‏
القانون يتجاهلهم
اما الدكتورة راندا صميدة‏,‏ استاذة التشريعات الاجتماعية بحقوق القاهرة‏,‏ فتقول‏:‏ إن القانون المصري يخلو من التعرض لهذه الفئة لانها ليست مهنة دائمة حتي صاحبها ينظر لها علي انها عمل مؤقت‏,‏ فدخولهم غير ثابتة وليس لهم تأمين صحي أو اجتماعي وليس لهم أي جهة ترعاهم أو تدافع عنهم أو تنقذهم من المهالك والاخطار‏..‏ لكن قد تتولي احدي النقابات هذا الأمر وتمارس عليهم نوعا من الرقابة مثل النقابة العامة لعمال البناء بحيث يكون التوظيف من خلالها وتقوم بعمل جداول بأسمائهم واجورهم وأماكن توزيعهم ويري ان الوضع القائم حاليا غير آدمي بالمرة فهم يسكنون الارصفة وينتقلوا في سيارات نصف نقل وتجدهم بعد شغل وعمل شاق جدا يتقاضون اجرا بخيسا تتم المساومة عليه ولو بالاجر القليل لو ان عملهم مقنن وله مظلة تحميه لما حدث لهم ذلك‏.‏
مجرمون‏..‏ وانصاف مجرمين
ويقول الدكتور خالد الفخراني رئيس قسم علم النفس بآداب طنطا ان البطالة قادت العديد من الشباب حاملي المؤهلات العليا والمتوسطة للدخول ضمن هؤلاء العمال والمشكلة تكمن في انه ليس هناك رابطة تحميهم خاصة وان العمل لايتلاءم ابدا مع شهاداتهم‏,‏ كل ذلك نتيجة لالتحام الفقر والبطالة معا خاصة بعد هجر العديد من الفلاحين لمهنة الزراعة بعد ارتفاع تكاليفها‏..‏ ونتيجةلكل ذلك نجد موجة من الاحباط الشديد تجتاح هؤلاء لان العمل شاق جدا وغيرملائم لهم ولالطموحاتهم لكنهم مجبرون علي القيام به وكثيرا ماتحدث حالات انتحار بسبب كل ماسبق او يكون الشاب عرضة للإدمان وتناول حبوب الترامادول كمسكن ومهدئ للارهاق في البداية ثم يدمنه بعد ذلك لكي ينسي تعبه وهمومه في آن واحد‏,‏ ويري ان اخطر ما في المشكلة انهم يمكن في أي وقت ان يتحولوا إلي مجرمين كرد فعل طبيعي للحقد الاجتماعي بداخلهم فتجد منهم السارق أو القاتل‏..‏ أو انصاف مجرمين كالمتسولين في الشوارع‏.‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.