ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة لأعلى مستوى منذ اندلاع حرب إيران    لبنان يندد بهجوم إسرائيلي على أفراد من الدفاع المدني بجنوب البلاد    بوتين يتهم أوكرانيا بتكثيف هجمات الطائرات المسيّرة على منشآت مدنية داخل روسيا    مصر تدخل أسواق الخليج لأول مرة بتصدير الدواجن المجمدة إلى قطر    ترامب: لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي والملك تشارلز يتفق معي أكثر مما أتفق أنا مع نفسي    تفاصيل حادث سير الإعلامية بسمة وهبة على محور 26 يوليو    وزير الخزانة الأميركي: ضغطنا الاقتصادي تسبب بتضاعف التضخم في إيران وانخفاض عملتها بشكل حاد    أمريكا: اتهام مدير الFBI السابق جيمس كومي بنشر محتوى يُعد تهديدًا لترامب    خالد جاد الله: أزمة الأهلي هجومية وأتوقع فوزه على الزمالك في القمة    واقعة مثيرة للجدل في سويسرا.. أبرشية كاثوليكية ترفض حرمان مؤمنين قدموا القربان لكلابهم    تحذير عاجل من ظاهرة جوية تبدأ بعد ساعة وتستمر حتى الصباح    9 مصابين في حادث انفجار شعلة غاز ببني سويف    اليوم.. أولى جلسات محاكمة أحمد دومة في قضية نشر أخبار كاذبة    خروج بسمة وهبة من المستشفى بعد تعرضها لحادث سير ومصدر مقرب يكشف التفاصيل    طرح البوستر الرسمي لفيلم الكلام على إيه؟!    الخلوة الرقمية: وعي القيم وحماية الشباب في عالم الإنترنت    جامعة دمياط ترسخ القيم الدينية بوعي طلابي متجدد    ضبط 3200 عبوة شيكولاتة وحلاوة طحينية منتهية الصلاحية و4800 قطعة صابون بدون تواريخ إنتاج بالغربية    شراكة صحة دمياط والصيادلة تعزز القرار الصحي لخدمة الأسرة    محافظ دمياط يتابع أعمال رصف شارع بورسعيد برأس البر وتطوير منطقة اللسان والفنار    فتح باب الانضمام إلى اتحاد العمال الوفديين    مختار جمعة: الذكاء الاصطناعي والعقل البشري وجهان للتطور المستمر    بين الأسرار والجريمة.. أحمد بهاء يفاجئ الجمهور بدور جديد في "الفرنساوي"    وزير الآثار الأسبق يكشف أسرار استرداد القطع المهربة    قافلة طب الأسنان بدمياط تخدم عشرات المواطنين وتؤكد تكامل الصحة والجامعة    ورشة تدريبية لتعزيز السلامة المهنية والإسعافات الأولية للصحفيين والإعلاميين    جراحة نادرة بطنطا لاستئصال ورم ضخم ومعقد بالوجه والرقبة لسيدة بلغ 20 سم    عادل عقل: الحكم والVAR يحرما باريس من ركلة جزاء أمام البارين    قبل 72 ساعة من انطلاق المباراة.. رسميا نفاد تذاكر مباراة القمة بين الزمالك والأهلي بالجولة الخامسة من مرحلة التتويج بلقب دوري نايل    مكتبة الإسكندرية تُطلق منهج "كتاب وشاشة" لتعليم الكبار    التعليم: الدراسة العملية لمنهج الثقافة المالية ستؤثر على قرارات الشباب الاقتصادية ونمط تفكيرهم    وفاة المحامي مختار نوح وتشييع الجنازة اليوم من مسجد مصطفى محمود بالمهندسين    ترتيب هدافي دوري أبطال أوروبا بعد مهرجان أهداف مباراة سان جيرمان وبايرن ميونخ    أيمن يونس: الأهلي لا يؤتمن في القمة والزمالك لم يحسم الدوري    الحكم بإعدام شخصين قتلا جارهم لرفضه العمل معهم في البحيرة (فيديو)    جامعة العريش تستقبل وفد اتحاد الاتحادات النوعية الرياضية والشبابية لتعزيز الوعي والانتماء لدى الطلاب    جريمة منتصف الليل، الكشف عن تفصيل جديدة في سرقة محصول القمح بالشرقية    مدرب سيدات يد الأهلي: العمل الجماعي كلمة السر في التتويج بلقب الكأس    وفاة مختار نوح الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة    ديمبيلي: باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ لا يترددان في تحقيق الفوز    أخبار × 24 ساعة.. الحكومة: الدولة تمتلك أرصدة مطمئنة من السلع الاستراتيجية    فصل الكهرباء 3 ساعات بقرى قلين اليوم للصيانة.. اعرف المناطق المتأثرة    ثروت الخرباوي يكشف تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة مختار نوح: نطق الشهادتين قبل وفاته    مصرع شخص إثر انهيار حفرة خلال التنقيب عن الآثار بشبين القناطر    «قرض ياباني ميسر».. رئيس الهيئة القومية للأنفاق يعرض تفاصيل مشروع الخط الرابع للمترو    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    ترامب يهاجم ميرتس ويصف موقفه من امتلاك إيران للسلاح النووي ب"الكارثة"    منتخب مصر ينعش خزينة اتحاد الكرة ب730 مليون جنيه في عهد التوأم    الملك تشارلز: النزاعات في أوروبا والشرق الأوسط تؤثر بكل أرجاء دولنا    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    استشاري تغذية: لا وجود لنظام "الطيبات" في المراجع الطبية.. ومصطلحاته بلا سند علمي    هيثم زكريا مديرا للتعليم الخاص والدولي وشعراوي لمجموعة مدارس 30 يونيو    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    اجتماع حزب الوعي لمناقشة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان 2026–2030    هل يجوز الصلاة عن الميت الذى لم يكن يصلى؟.. أمين الفتوى يجيب    هل جوارح الإنسان لها إرادة مستقلة؟.. خالد الجندي يُجيب    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أحمد عبد الله رزة‏:‏ التمرد والمسئولية والالتزام الوطني

تمضي الأعوام متلاحقة وسريعة ومحملة بعديد الأزمات المتكالبة‏,‏ ويزداد ألق أحمد عبد الله رزة حضورا وحركية في الحياة السياسية المصرية من خلال أفكاره السياسية اللامعة
وخطابه النقدي‏,‏ ووطنيته الغامرة التي تفيض إخلاصا وولاء وانتماء لأمة عريضة‏,‏ ولمعني وقيمة الصالح العام‏,‏ هذا المفهوم الذي يتآكل علي نحو سريع‏,‏ ومن ثم يفسر ضمن عوامل أخري أكثر غورا وتاريخية معاني التفكك البنيوي في الدولة وسلطاتها وهياكلها‏,‏ وكذا في بنية الأمة المصرية الواحدة التي كانت‏.‏ تمضي السنوات سريعة‏,‏ ولايزال التمرد الخلاق لأحمد عبد الله رزة يرفرف في قلب الحراك السياسي والاجتماعي‏,‏ وفي القلق الجمعي اليقظ حول مستقبل الأمة والدولة معا؟ إنسان حمل علي عاتقه هموما وطنية وإنسانية‏,‏ وكأنها هموم شخصية‏,‏ وعليه وحده مسئولية إيجاد حلول لها‏.‏
لاتزال ترفرف وتعيش معنا روح أحمد عبد الله نعم إنها روح التمرد العقلاني‏,‏ والليبرالي الذي يحمل هموم الأغلبية الساحقة المسحوقة من أبناء الجموع الشعبية‏,‏ كوشم وتميمة والتزام فكري وسياسي واجتماعي حاسم‏,‏ كأن التزام أحمد عبد الله بالكتلة الاجتماعية الشعبية‏,‏ تاريخي لا رجعة فيه كأنه زواج كاثوليكي حيث لا انفصام بين أحمد‏,‏ وبين القوي الشعبية التي خرج من أصلابها اجتماعيا‏.‏
التزام ابداعي يربط بين العدل الاجتماعي‏,‏ وبين الحرية وبناء المستقبل المصري‏.‏ بين رفع الظلم التاريخي عن الفقراء وبين شرف الإنسان‏,‏ وبين الحركة نحو الغد والعدو بلا كلل ولا ملل نحو المكانة التي تستحقها بلاده وأمته المصرية بين الأمم المتمدنة الأكثر تطورا في عالمنا‏.‏
أخي أحمد عبد الله رزة مثال ضمن أمثلة ونماذج ذهبية من المصريين لقلة جمعت بين المعرفة العميقة في أرفع مستوياتها‏,‏ وبين التمرد الاجتماعي والسياسي‏,‏ والأهم التمرد الفكري والمنهجي علي الأفكار والأقاليم والأنساق المطلقة التي تحاول استلاب الروح الإنسانية‏,‏ والتي تمتلك إجابات خشبية شاملة وعامة علي كل الاسئلة‏.‏ التمرد الاجتماعي‏/‏ السياسي تزاوج عند أحمد مع التمرد الفكري علي الدوجما‏,‏ والعقائد الايديولوجية‏,‏ واستلاب الإنسان باسم الحقائق الوضعية والتأويلات الميتاوضعية المطلقة‏.‏
أحمد عبد الله رزة واحد من ضمن سلسلة ذهبية ممتدة عبر تاريخ مصر الحديثة والمعاصرة من المثقفين والمفكرين النقديين الذين خرجوا من ذوب ذواتهم وأرحامهم الفكرية التي صاغوها بتؤدة ودأب خلاق‏,‏ لم يكونوا جزءا من حالة الدولة‏/‏ الأمة‏,‏ ولا من الجموع الشعبية التي خرجوا من أصلابها بالميلاد والحياة كلا كانوا من التفرد والاستثنائية والروح الوثابة والابداع والتعلم المستمر‏,‏ ما جعلهم صناع أنفسهم‏,‏ ومن ثم رفعوا راية التمرد والعصيان علي مواريث التخلف‏,‏ والأبوية السياسية‏,‏ والفساد في السياسة والضمائر والأرواح من أجل بناء مصر جديدة مختلفة‏..‏ خذ معه الثوري أنس مصطفي كامل ابن الطبقة الوسطي المدينية الصغيرة ومحمد السيد سعيد ابن بورسعيد والطبقة العاملة المصرية ونضالاتها الوطنية والاجتماعية أذكياء ومبدعين من طراز فريد‏.‏
أحمد عبد الله كان وسيستمر مصباح الغلابة كما أطلق عليه يسري حسين هو أيضا أحد مصابيح مصر في مرحلة من أدق لحظات حياتها السياسية والاجتماعية بل في لحظات ستطرح عليها اسئلة وجودها علي الجغرافيا السياسية والجغرافيا‏/‏ الدينية‏,‏ والجغرافيا‏/‏ الثقافية والجغرافيا‏/‏ الاقتصادية في هذه المنطقة من العالم‏.‏
الخطاب السياسي‏/‏ الأكاديمي‏,‏ والخطاب السياسي‏/‏ العملي لأحمد رزة كان يشكل حالة خاصة علي خريطة الفكر السياسي لجيل السبعينيات‏,‏ لأنه استطاع أن يجمع بين التكوين الأكاديمي الرصين والرفيع‏,‏ وبين رهافة الحس السياسي والاجتماعي‏.‏ نعم شكل ولايزال أحمد مزاجا مؤتلفا ونسيجا وحده بين رهافة الفكر السياسي والاجتماعي النقدي وتأصيلاته‏,‏ وبين حساسية السياسي الحصيف‏,‏ الصناع‏,‏ نعم مزاج نادر‏,‏ وتكوين متفرد‏,‏ ووطنية مصرية مفتوحة علي التعدد الإنساني وتركيباته في جميع منابعها‏.‏
من هنا كان حاضرا ولايزال بذاته‏,‏ وبتكوينه‏,‏ وبروحه وتمرده وعقلانيته‏,‏ واستثنائيته علامة وشامة وضاءة علي جبين بلاده‏,‏ شاءت السلطة الحاكمة أم ابت‏!‏
رغبت البيروقراطية‏,‏ ودولة الموظفين السياسيين أم لم ترغب؟‏!‏
أحبه بعض الموالين من جيله أم كرهوا‏!‏ كان أحمد عبد الله أيقونة كبري ضمن أيقونات جيله العصي علي الامتثال والخضوع والخدمة تحت أقدام السلطات الرسمية أو العرفية أيا كانت‏.‏ جيل عصي علي الانكسار إلا بعض من ماشوا وعاشوا وعميت عيونهم وماتت ضمائرهم‏,‏ وذهبوا يذرعون الكذب‏,‏ والنفاق‏,‏ والفساد والموالاة والانسحاق عند أقدام من يعملون لديهم‏!‏
من هنا كان حاضرا ولايزال لا يبغي مصلحة ذاتية‏,‏ ولايسعي نحو فرصة سانحة‏,‏ ولا يسطو علي حقوق الآخرين‏.‏ من هنا أحبه واحترمه الذين أحبوا بلادهم ورأوا أنها تستحق أفضل مما هي عليه حتي في لحظات لم تكن الأمور فيها علي نحو ما نشاهده اليوم‏,‏ من سوء الإدارة‏,‏ والتفكك والفوضي وعدم فعالية حكم القانون وسيادته علي جميع السلطات والارادات أيا كانت‏!‏ سوء وراء سوء في أنظمة تعليمية ودينية وإدارية وصحية وإعلامية أوردتنا موارد التخلف والتهلكة‏,‏ وهي عنوان علي محنة الدولة‏.‏ ومستويات أشار إليها أحمد وصحبه من الفقر الاداري والسياسي في الاخيلة وأساليب الادارة والفسادات المعممة في السلطة وفي الأمة‏,‏ والأخطر الفقر المطلق‏,‏ والفقر الروحي‏.‏
المسألة المصرية لم تعد قصرا علي ضعف مستويات تكوين النخبة السياسية إلا فيما ندر ولا النخبة المثقفة‏,‏ وفي كوادر الجامعات إلا فيما ندر ,‏ ولا في جهاز الدولة البيروقراطي إلا فيما ندر من استثناء في الاستثناء ولا في الممارسات الخارجة علي القانون‏,‏ ولا في ضعف القانون‏,‏ ولا تحيزه‏,‏ ولا عدم عدالته في أحيان عديدة‏!‏ الأخطر كما ذهب أحمد عبد الله رزة في هذا الفقر الروحي للمجموع الاجتماعي والاستثناءات محدودة ومستمرة وستستمر دائما بسبب الفساد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وتجلياته في العنف وعديد أنماطه وأشكاله الذي يكاد يفترس الحياة اليومية وروح الناس وحيويتهم‏.‏
أشكال من الانكسارات في بعض الكرامة وفقر مزق الروح‏,‏ وتراجعات إلي ما وراء الدولة الحديثة وعلاقاتها ومؤسساتها التي أصاب بعضها الوهن الشديد‏.‏
من بين ثنايا بعض التآكل في الدولة والأمة الحديثة‏,‏ وبعض من أشكال التفكك والفوضي‏,‏ يبدو تألق ونتوءات وبشريات فكر وخطاب وحركية أحمد عبد الله رزة‏,‏ يكفي أن تطالع بعض كتاباته اللامعة‏,‏ ومنها مصر قبل وبعد‏11‏ سبتمبر‏2001.‏
مشاكل التحول السياسي في وضع دولي معقد مارس‏2003,‏ والذي ترجمه د‏.‏ أحمد زكي أحمد‏,‏ سوف تكتشف فورا وبلا جهد قدرة فذة علي التقاط جوهر جزئيات وتراكمات الوقائع السياسية والاجتماعية واستكناه جوهرها ومآلاتها الهيكلية علي مسارات التطور السياسي والاجتماعي‏.‏
عندما نعود الي هذا الكتيب المتميز سنطالع فورا قدرة خلاقة علي الرصد والتوثيق الدقيق‏,‏ للمقالات والدراسات‏,‏ والوقائع والقضايا والأزمات والمشاكل التي تتناولها‏,‏ والقدرات التحليلية المتميزة ثمة وعي عميق وتحليل منهجي وتشخيص لواقع التحول السياسي المعاق وذلك حتي مارس‏2003‏ لاتزال الأسئلة التي طرحها قائمة وإجاباته بها من الوجاهة الكثير‏.‏
خذ بعض الأسئلة وعلي رأسها تمثيلا مايلي‏:‏
هل لدي النظام قدرة علي تحمل الاضطرابات قصيرة المدي؟
هل لديه قدرة علي التعامل مع الأثر التراكمي لمثل هذه التطورات؟
هل لديه قدرة علي امتصاص صدمة طويلة المدي؟ أم الأحري كما قال أحمد عبد الله أيضا أنها سوف تبتلعه هو‏,‏ أي أنه عند نقطة معينة في المستقبل القريب سوف يكون أمرا إجباريا وجود نظام مجدد في مصر أوائل القرن العشرين؟
ونضيف الي الأسئلة هل يمكن للفكر البيروقراطي السياسي السائد أن يولد بعض الاستراتيجيات متوسطة المدي لمعالجة تراكم وتسارع الحركة الاجتماعية المطلبية الجديدة؟
هل استراتيجية التفاوض الجزئي حول بعض المطالب الاجتماعية أوالنقابية أو المهنية قادرة علي الاستمرار؟ هل تستطيع تطويق عمليات التراكم الكمي للمطالب المتزايدة واحتمالات تطورها نوعيا من الاجتماعي الي السياسي؟
هل يستمر تراجع السياسي لصالح طرحه علي القضاء؟ هل يستمر تراجع الاقتصادي‏/‏ الاجتماعي‏,‏ ويتم طرحه علي القضاء؟ علي يستمر تراجع السياسي الديني ويتم طرحه علي القضاء؟ هل يستمر اللجوء الي القضاء والأمن كبديل عن السياسي؟
هل يوجد تصور وخيال سياسي وثاب‏,‏ ورصين لدي الصفوة السياسية الحاكمة‏,‏ علي توليد استراتيجية قصيرة المدي لمواجهة التوترات بين السلطات؟ هل سياسة التدخل عبر وسطاء سياديين كافية لمواجهة تفجر النزاعات ؟ والأخطر معالجة ظاهرة شعور بعض الفئات والجماعات المهنية بأنها قادرة علي ممارسة السلطة وفق أهواء بعض عناصرها‏,‏ وبعيدا عن حكم القانون الذي يجب أن يعلو فوق جميع الارادات والأشخاص والسلطات؟
هل ستستمر مسألة لجوء بعض الفئات الي ممارسة حالة من التضاغط الفئوي والجماهيري خارج القانون للإفلات من تطبيقه‏!‏
هل يستمر تراجع السياسي لصالح الآليات الأمنية وهل يؤتي هذا التوجه ثماره قصيرة المدي؟ هل يستمر الجمود في النخبة والنظام مستمر؟
قد يري بعضهم أنها أسئلة تدور حول قضايا جزئية‏,‏ ولكن في تقديري وأرجو ألا كون مخطئا أنها في صلب الأسئلة الدائرة في مدارات التفكك البنيوي‏,‏ وفي قلب الصدوع بين الدولة‏/‏ النظام‏,‏ وبين السلطات‏/‏ أجهزة الدولة‏,‏ وبين النخبة الحاكمة وبعض المعارضة‏,‏ والأخطر الأخطر بين الدولة‏/‏ النظام‏/‏ النخبة‏,‏ وبينهم وبين شرائح اجتماعية عريضة‏.‏
كانت الدولة التسلطية النهرية‏..‏إلخ أقوي من المجتمع‏,‏ يبدو أن المعادلة تغيرت لصالح المجتمع الذي تمدد‏,‏ ولكن علي وهنه‏,‏ وعدم تماسكه وذلك مع الجمود الهيلكي‏,‏والركود السياسي وشيوع الفساد الوظيفي والإداري والبنيوي‏,‏ والجمود في تركيبة النخبة السياسية‏,‏ والتكنو‏/‏بيروقراطية وفي مصادر تجنيدها اختلت المعادلة القديمة في ظل شيوع الشيخوخة العمرية والسياسية‏,‏ مما أدي إلي بروز آيات التفكك الهيكلي‏,‏ والتفسخ المؤسسي‏,‏ علي نحو باتت قوانين أنظمة وآليات الدولة وأجهزتها غير قادرة علي إدارة التنافس والصراعات والتآكل والتفكك بين الأجهزة والخلل في في التوازن في توزيع القوة بينها وبين مراكزها‏!‏
ثمة استقالات من بعض السلطات علي أداء بعض أو غالب الوظائف المنوطة بها دستوريا وقانونيا وسياسيا ثمة سوءفي إدارة الدولة لاتخطئه العين بما فيها بعض تصريحات ذوي السلطة‏.‏
ومن ناحية أخري أدار المجتمع ظهره للدولة والنظام والسلطة الحاكمة‏,‏ حيث القانون يتراجع لصالح قانون المكانة والقوة والنفوذ والفساد‏,‏ من ناحية‏,‏وحيث أزمة في تنفيذ أحكام القضاء من ناحية أخري‏.‏
وحيث يبرز قانون الشارع‏,‏ في ثنايا تفصيلات الحياة اليومية وعلاقات الجيرة‏,‏ وفي أداء الوظيفة العامة‏,‏ وحيث تنتشر ظواهر البلطجية والعنف وصوت الغوغاء‏,‏ وحيث تنتشر الطائفية الاجتماعية الدينية المذهبية‏..‏الخ‏!‏
تتراجع هيبة الدولة المصرية رفيعة المكانة والتاريخ في المنطقة في نطاق تصادمات بين المؤسسات الدينية والدولة؟ بين المؤسسات الدينية‏,‏ وبين بعض شرائح وقوي المجتمع‏,‏ وبينها وبين السلطة القضائية‏.‏ الأخطر بروز هذا النمط من المساومات والتعبئة والتضاغط من أجل اللجوءإلي آلية المساومات السياسية الدينية الاجتماعية حول جسد الدولة وعلي روح وقلب وجسد النظام القانوني للدولة المصرية الحديثة؟ بل روحها الحداثية السلطوية ذاتها؟
ذروة التآكلات في جسد وروح وقلب وآليات ومعني الدولة الحديثة‏!‏ وتراجع في مكانة وكفاءة غالب الأمة المصرية؟ وسياسات إقليمية لم تحقق من نتائج سوي سوء التراجع في الإقليم الذي ترك ساحة للعربدة الإسرائيلية وخطاب بعض أشباحها هنا‏,‏ وللتمدد الإيراني التركي وأزنابهما الإقليميين والأخطر‏..‏الأخطر‏..‏في نظام حوض النيل‏,‏ وحول الموارد والحصص المائية؟ وفي ظل نظام ديني فاشل وصل الي السلطة عبر الآليات الانقلابية واستمر عشرين عاما يفكك في أواصر السودان الشقيق العزيز‏.‏
غالب القضايا والمشكلات تناولها جيل أحمد عبد الله‏,‏ وصحبه وآخرون‏,‏ وطرحوا ببراعة الأسئلة‏,‏ والمخاطر والمآلات‏,‏ وقدموا رؤي لمواجهة التحديات‏,‏ ولكن عبثا لا أحد يقرأ أو يتابع أو يتساءل أو يواجه مايحدث داخلنا وحولنا وفي عالمنا‏.‏ كانت القلة ولا تزال تعتصم مع أحمد عبد الله رزة بالمعرفة العلميةالرفيعة والخبرة والتفاعل المزدوج مع أبناء الأغلبية الشعبية للأمة المصرية‏,‏ ومع الإنسانية في تعددها في تسامح عميق ومواطنية حاسمة لا رجوع عنها‏.‏
كان أحمد عبد الله وصحبه ينطلقون ولايزالون في حمية ضارية من الاعتقاد في أسطورة جميلة وفاتنة كانت تسمي في الماضي بالصالح العام والولاء والانتماء للأمة والوطن ومصالح الأغلبية المسحوقة‏.‏
مات الصالح العام‏,‏ وظلت الأسطورة متوجهة بحضور أحمد عبد الله رزة‏,‏ وأنس مصطفي كامل‏,‏ ومحمد السيد سعيد وجورج عجايبي‏,‏ وهؤلاء الذين يرون أن مصر أكبر وأهم مما انتهت إليه‏,‏ ويعتقدون عن معرفة أن احترام الحريات العامة والشخصية والديمقراطية ودولة القانون‏,‏ والمؤسسات السياسية الحديثة‏,‏ هي مجرد الحرف الأول من أبجدية الانطلاق عدوا وعبر العلم والمعرفة والتقنية فيما وراء تحركات العالم مابعد الحديث ودولة وتحالفاته وقوانينه‏.‏
فيالعام الرابع بعد سفر أحمد عبد الله رزة الطويل الي الأبدية‏,‏ لايزال معنا‏,‏ ولايزال بعض أصدقائه أوفياء للقيم التي عاش من أجلها ومن ثم خصصوا جائزة سنوية خصصت لأفضل أبحاث الشباب‏,‏ وبعض من الأطفال العاملين الذين عادوا للمدرسة مجددا‏,‏ تعبيرا ووفاء لدور أحمد في دعم الأجيال الجديدة في الجماعة الأكاديمية والمبدعين بشكل عام أو في إطار اهتمامه بالأطفال العاملين وغيرها من القضايا‏,‏ وعلي رأس هؤلاء الصديق المثقف ورجل الأعمال سعيد عيد والذي لم يدخر جهدا في دعم أنشطة وفعاليات أحمد في حياته‏,‏ وبعد سفره الطويل‏,‏ فكان ولايزال نعم الصديق الوفي لأحمد وميراثه الفكري والسياسي‏.‏
ومن ناحية أخري شكل مثالا متميزا مع آخرين علي المسئولية والالتزام الاجتماعي والدكتور هاني عنان‏,‏ ووجيد عبدالمجيد وصبري فوزي‏,‏ ومحمد نور الدين وآخرين ساهموا في تمويل هذه الجائزة الشكر لهؤلاء جميعا‏.‏
طبت حيا‏,‏ وروحا وحضورا يا أحمد عبد الله رزة‏.‏
عشت معنا أيقونةمتألقة‏,‏ ومصباحا منيرا للغلابة‏,‏ وللأمة ولرجل الشرق الأوسط المريض‏,‏ وهو يدخل في فضاءات عتمته وفوضاه‏!‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.