إذا كنت ممن منحوا الفرصة لحضور حفل النجم التونسي صابر الرباعي، الذي أحياه ليلة أمس بدار الأوبرا المصرية، فربما يراودك تساؤل مهم "إذا كان هذا النجم يبدو بهذه الحالة الفنية على خشبة المسرح خلال حفله، فكيف يمكن أن يكون مع فريقه الذي يدربه ضمن برنامج "ذَا فويس"؟، فالرجل يعرف القوام الأصيل للمغني الطربي، غناؤه نابع من إطلاعه على ثقافات موسيقية متعددة، بل الأهم يعرف كيف يقود فرقته بسلاسة دون أن يقتنص من حق المايسترو المصاحب له. السنوات التي غابها صابر الرباعي عن مسرح الأوبرا على مدار 12عام، تؤكد اجتهاده في دعم وثقل موهبته الفنية خصوصاً وأنه أصبح من الصعب وسط هذه الظروف المضطربة للأحوال الغنائية أن يكون هناك تواجد لمن يبحثون عن القيمة، لكن الرباعي نجح في المزج بين عدة ألوان غنائية في حفل واحد مابين أغاني الإيقاعات السريعة والكلاسيك بل تظهر براعته الحقيقة فيما قدمه من تقاسيم ببعض أغانيه وما أضافه عليها من عرب غنائية. وفي هذا التقرير نستعرض الحالة الغنائية التي كان عليها النجم بحفله ليلة أمس بمهرجان الموسيقى العربية. يدخل المسرح وسط تصفيق كبير من الجمهور لمدة ثلاث دقائق مفتتحاً بأغنيته "ببساطة" وسط انسجام تام من الحضور، وإن كان هذا الأمر يعد ذكاء منه حيث الافتتاح بأغنية ذات إيقاع سريع يخطف به الأذن حتى يمتلك المسرح، خصوصاً وأنها من أكثر أعماله شهرة ومحبة على مستوى الوطن العربي، فيطمئن بذلك بمدى التفاعل الجماهيري معه، ثم يقدم أغنية "يا أغلى ما عندي" ذات الإيقاع الهادئ، ويعود النجم لإشعال المسرح ثانية بأغنيته الشهيرة "يا عسل" وسط تصفيق وتفاعل بغناء الجمهور معه، ويظل الرباعي طوال حفله مالكاً لأدواته فهو يعي جيداً كيف يمكن أن يشعل ويهدأ من جمهوره الذي خطفهم بين الأغنية والأخرى تارة بأعمال تارة بإيقاع سريع يحمل تقاسيم، وآخر كلاسيكي هادئ. وهنا يظهر ذكاء الرباعي في وعيه بجذب الحضور حتى للأغاني صاحبة الإيقاع الهادئ من خلال إضافته لبعض العرب الغنائية من ال "آه"، أو التركيز على أحد عازفي الفرقة التي يقودها المايسترو هاني فرحات قبل بدأ أغنيته فيترك الأذهان ترتكز مع الحالة اللحنية ضماناً للانسجام والتفاعل ثم يدخل هو ب "ااااهاته" و"مواله" حتى أنه في غناؤه لإحدى أغنياته ظل يردد "ياليل يا عين" لأكثر من خمس دقائق والجمهور يصفق له مما جعله يقول لهم"ردوا عليا" مما جعلهم يرددوا ورائه "ااااه" كلما غنى موال"يا ليل يا عين". الرباعي قدم 21أغنية مزج بها بين أعماله الخاصة والتراث الذي قدم فيه مزيج من أغاني الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، وكان الأجرأ أن يبدأها بأغنية "جبار" ثم يواصلها بأغاني قوليلي مين زيك، الهوا هوايا، جانا الهوا جانا، فالنقل من أغنية كلاسيكية تحمل كثير من التفريعات الغنائية والموسيقية إلى مثيلتها ذات طابع المقسوم ليس بالأمر السهل لكن الرباعي نجح في تقديمه بسلاسة دون أن يشعر الجمهور بفارق مؤذي لأذنهم مختتماً فقرته ب "أحلف بسماها وبترابها" التي أشعلت المسرح وسط وقوف الحضور وتصفيقهم. وبين اللحظة والأخرى ودون أن يقحم نفسه على عمل المايسترو فيوجه بعض أعضاء الفرقة بحركة يديه ، حتى أنه يتجاوز خطأ ضربة درامز قوية من أحد العازفين ويكمل غناؤه بثقة مجدداً مشاوراً بعلامة النصر لفرقته في إشارة إلى أنه لم يحدث شيئاً. أغنية "صرخة" للشاعر حاتم القيزاني وألحان محمد علام، والتي حصل عليها النجم على جائزة الجمهور والنقاد بمهرجان الأغنية بتونس، وسبق وغناها على مسرح دار الأوبرا المصرية من قبل، كان لها سحرها هذه المرة بعد أن قال كلمة لجمهوره تؤكد على محبته للأوطان التي تبقى لأن كل شيء زائل في الحياة، حيث قال: "لا يدوم المال، ولا الجاه، لا يدوم إلا الله، وتبقى الشعوب وحضاراتها وتزول المناصب والكراسي ويبقى الوطن واحد، فكل ما في الدنيا مصيره الفناء إلا الكلام الطيب هو وحده يبقى صداه"، مما جعل الجمهور يصفق له بحرارة ويتفاعل مع الأغنية التي تحمل كلمات قوية ومؤثرة. أشتعل المسرح الكبير بعد تقديم صابر لأغنياته الشهيرة "أتحدى العالم" التي دمجها بمقطع باللغة الفرنسية وبأداء حركي يشبه ما نشاهده مع نجوم العالم في تقديم أعمالهم الرومانسية على المسرح حيث حركة الأيدي والأرجل التي تثني شيئاً بسيطاً أثناء الحركة بالميكروفون، في إشارة لتأثره بالأغنية وإحساسه بها. ويبقى حكمة النجم الذي غاب عن جمهوره طيلة هذه السنوات بتقديم حفلاً يمتلئ بجدول حافل، في رسالة غير مباشرة بمدى وحشة الجمهور المصري له، وغيره من أبناء الجاليات الذين حضروا الحفل، وفي إشارة أيضاً لإرضائه لرغباتهم جميعاً فحتى الأغاني التي لم يستطع تقديمها كاملة، قدمها مدمجة مع أخرى بشكل مميز كما فعل في أغنيتي" ضاقت بيك، وخلص تارك". وعلى الجانب الآخر فالحس الكوميدي لدى هذا الفنان لا ينتهي، فطوال وقفته على المسرح ظل يداعب جمهوره، وكانت أبرز المواقف الكوميدية بحفله ما يلي: حركته الكثيرة على المسرح، ذاهباً إلى الكواليس ثم العودة حيث قال لجمهوره"أنا بحب أتحرك كتير علشان متركزوش معايا"، وكان النجم يدخل الكواليس يشرب الماء ثم يعود نظراً لكونه عامل هام في تحسين الصوت. وفي إحدى مرات دخوله الكواليس، خرج على المسرح بعلبة مناديل مقدماً إياها للمايسترو، وفي مرة أخرى أمسك بيد هاني فرحات ليدخل معه الكواليس. عندما غنى "أتحدى العالم" باللغة الفرنسية، وأراد الجمهور أن يعيدها ثانية، كانت الفرقة قد قلبت صفحة النوتة الموسيقية وبدأت في عزف آخرى، فقام بقلب الصفحة مجدداً للمايسترو وداعب الجمهور قائلاً"معلش لسه في بروفة بندرب". وخلال غناؤه لأغنية "ع اللي جرى" أمام الموسيقار الكبير حلمي بكر الذي جلس بالمقاعد الأمامية، قطع الرباعي مواله وقال له"أنا خايف منك" مما جعل الجميع يدخل في نوبات ضحك، نظراً لما يعرف عن الموسيقار من صلابة الرأي. وبين الحين والآخر، يطالب الجمهور صابر بغناء أعمال معينة، فينظر للنوبة متصفحاً إياها ويقول لهم"بصوا، قاعدين هنا للصبح" ثم عاد في أحد المرات ممسكاً ببدلته في إشارة دون حديث وبحس كوميدي"أنه على آخره". جدير بالذكر أن الرباعي قدم عملاً جديداً للمرة الأولى بحفله للشاعر عبد الرحمن الأبنودي بعنوان "مالي ومال الناس" ومن ألحان طلال، هذا بالإضافة إلى أغاني يلي بجمال، برشا، سيدي منصور، عزة نفسي، أجمل نساء الدنيا، عد حبابيك، ع الطاير، أجمل مختصر وغيرها.