وكأن ما يجرى في فرنسا من قتل للصحفيين واحتجاز رهائن، بمثابة "إرهاب"، وما يجري في الدول العربية عامة، ومصر بصفة خاصة، مبالغة من وسائل الإعلام، وكأن ضباطًا لم يُقتلوا، وجنودًا لم يؤسروا، أو مواطنين لم يُذبحوا، وبات على العالم أن يكتفي بالإدانة والشجب بكلمات معسولة، لا تخرج عن كونها عبارات جفظتها الشعوب قبل الرؤساء، باتت تردد كل صباح ومساء. إعلام عالمي ينتفض ضد الإرهاب بفرنسا، وآخر عربي يجاري موجة الانتفاض وشجب الإرهاب تضامنا مع باريس، وتناسى الجميع أن اليمن ينزف، وسوريا تسقط، وليبيا قاربة على النهاية، وفلسطين بات شعبها يعيش تحت الأنقاض. دفنت باريس 12 شخصا، ويرقد مثلهم يعالجون في المستشفيات، بينما دفنت مصر آلاف الأبرياء- ما بين مواطنين وشرطيين وعسكريين- ولم تحرك دول العالم ساكنا، مثلما تحركت بمواكب سيارات رؤسائها ووزرائها تجاه باريس، للمشاركة في مسيرة جماعية للدول الأوروبية والإفريقية والعربية، تضامنا مع دماء من نجوا من رصاص الهجوم على "الصحيفة الساخرة"، وأرواح من دفنوا تحت التراب، قتلي بالأسلحة. غير أن ميزان "التضامن" لم يكن عادلا بين الدول الأوروبية، بشأن ما جرى بمصر والدول العربية، وما حدث في فرنسا قبل أيام، وذاك ما يبرره الدكتور جمال سلامة، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة قناةالسويس بعبارة: "انت مش قدهم". الدول الأوروبية لا تحترم سوى الأقوياء، ولا تتحد إلا مع المصلحة، والعرب بالنسبة لهم ليسوا بلا قيمة تساوى عندهم أن يقوموا برد فعل مساوٍ لما قاموا به تجاه الإرهاب في فرنسا، بحسب رأي "سلامة". الغريب فيما جرى خلال الساعات الأخيرة، أن وزراء عرب، ومن بينهم سامح شكري وزير الخارجية المصري، كان في مقدمة من وطأت أقدامهم باريس، لمشاركة فرنسا في مسيرتها الحاشدة ضد الإرهاب، لإعلان تضامن مصر معها، في وقت صمتت خلاله فرنسا والأوروبيون عن المجازر التي ارتكبها الإرهاب بحق جنود مصر ومواطنيها، مثلما يجري في غالبية الدول العربية. الآن فرنسا تتذوق نفس الكأس.. كأس مرارة الإرهاب، بحسب كلام أستاذ العلوم السياسية جمال سلامة، الذي اعتبر أن باريس كانت في مقدمة الدول المتطرفة، بمساندتها جماعات كانت تهاجم مواطني وجنود مصر، إبان ثورة يونيه، ولم تصدر حتى بيانا تشجب وتدين خلاله ممارسات هذه الجماعات تجاه "أرض النيل". وسأل "سلامة" سؤالا ثم أجاب على نفسه: لماذا لم يتضامنوا معك بنفس طريقة التضامن الحالية؟.. بكل بساطة لأنهم ينظرون إليك نظرة دنيوية، باعتبارهم من يمنحوك المساعدات والغذاء والمنح، وبالتالي فهم يعتبرون نفسهم في "كفة" أعلى من "كفة" العرب، التي لن تتساوى مهما مر الزمن. الموقف المثير للجدل، أن تقوم الجامعة العربية، تلك المؤسسة الروتينية، بإدانة وشجب الإرهاب في فرنسا بأشد العبارات، وتصمت صمتا رهيبا تجاه ما جري في دولة اليمن خلال نفس اليوم الذي وقع في حادث "الصحيفة الساخرة".. استشهد مئات الجنود اليمنيين وصمتت "الجامعة"، وقُتل 12 شخصا في فرنسا وانتفضت "الجامعة"، وهذا ما اعتبره رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة قناالسويس "شئ طبيعي"، لأن "الجامعة" ليست سلطة فوقية، بل تعبر عن حكومات ضعيفة. ورغم تأكيدات "سلامة"، بأن الغرب "متربص" بالعرب أينما كانوا، وفي مقدمتهم مصر، إلا أن الدول العربية كانت في مقدمة من "قدموا واجب العزاء"، وعبروا عن كلمات "الشجب" وعبارات "الإدانة"، ومن هنا يتعجب "رجل العلوم السياسية". ختامًا.. تناست الحكومات العربية أن هناك شعوبا ثارت رفضا للتبعية، وشعوبا انتفضوا على حكامهم غضبا من الشعور بالدنيوية، ومازال هناك حكومات عربية لم تتغير فكريا وسياسيا.. يُقتل مواطنوها بالآلاف ويصمت الغرب، وعندما تنزف دماء عشرة أوروبيين ينتفض العرب قبل الغرب، وكأن من قُتلوا في باريس هم الأبرياء، ومن دفنهم العرب لايستحقون شربة ماء!.