وزير الاستثمار: التعاون المستمر مع مؤسسات التصنيف يدعم تحسين ترتيب مصر عالميا    استقرار الدولار أمام الجنيه في البنوك المصرية اليوم    وزير الخارجية يجري سلسلة من اللقاءات على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي    ملادينوف: اللجنة الوطنية الفلسطينية ليست حكومة لغزة ولا بديلًا عن السلطة الفلسطينية الشرعية    مكاسب مالية ضخمة تنتظر الزمالك بعد التأهل لنهائي الكونفدرالية    رئيس الاتحاد السكندري ل في الجول: إقالة الجهاز الفني لفريق السلة.. والبديل الأقرب    أبرزها المقاولون وطلائع الجيش، حكام مباريات غد السبت بالدوري المصري    انهيار جزئي بعقار قديم في المنيل القديم دون إصابات    حيلة التحويل الوهمي تُسقط سيدة استولت على ذهب التجار    لخلافات عائلية، ربة منزل تنهي حياة زوجها طعنا بسكين في البساتين    تعديل قوانين الأسرة ضرورة وطنية    تدشين وحدات بحرية جديدة بشركة التمساح لبناء السفن    كوبر: مضيق هرمز مفتوح ومتفائل باستقرار الأوضاع فى الممر البحرى الحيوى    جريزمان: جاهزون لكتابة التاريخ في كأس ملك إسبانيا    7 ساعات.. انقطاع المياه عن مدينة ومركز دسوق بكفر الشيخ الأحد المقبل    بعد 6 أيام من البحث.. العثور على جثمان «حبيبة» ضحية عبارة الشورانية بسوهاج وسط حزن الأهالي وتشييعها إلى مثواها الأخير    «أهل مصر».. رسالة حياة    القبض على شخص بتهمة إصابة شقيقه وابنائه إثر مشاجرة بقنا    برنامج تدريبي مجاني بجامعة قناة السويس يؤهل طلاب التجارة لسوق العمل    وزيرة الثقافة تهنئ الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب 2025    وزارة السياحة والآثار: مصر تسترد 13 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأمريكية    هل تنظيف المنزل ليلًا يجلب الفقر؟، أمين الفتوى يجيب (فيديو)    المدير والأطباء "غياب".. جولة مفاجئة بمستشفى 6 أكتوبر وإحالة المقصرين للتحقيق    بسبب العاصفة الترابية، تهشم سيارتين في شارع أحمد عرابي بالمهندسين    مأمورية إنقاذ رضيعة.. كيف أسقطت الداخلية المتهمة وأعادت «المخطوفة»؟    الأمن يكشف كواليس فيديو طرد فتاة من مسكنها فى البحيرة    "الزراعة" تتفقد أنشطة مشروع "سيل" ودعم صغار المزارعين في وادي الصعايدة والنقرة    من بديل ثانوي إلى دور استراتيجي.. كيف غيّرت أزمة هرمز خريطة النقل؟    قانون الحضانة بين الاستقرار والتعديل .. جدل مستمر حول مصلحة الطفل بعد الطلاق    تفاصيل زيارة الأمير أحمد فؤاد ونجله وأحفاده لقلعة قايتباي بالإسكندرية (صور)    كل حياتي، كيف تحدثت دينا رامز عن والدها قبل رحيله بأسبوع؟    لليوم ال 17.. «التموين» تواصل صرف مقررات أبريل حتى 8 مساء    التحالف الوطني بالبحيرة وجمعية الأورمان يطلقان قافلة كبرى لدعم الأولى بالرعاية    الصحة: المستشفيات التعليمية تطلق المؤتمر السنوي الثامن لجراحة عظام الأطفال    رحلة "هيرفي رينارد" مع منتخب السعودية.. إنجازات محدودة وإخفاقات مثيرة للجدل    هل النوم جالسًا ينقض الوضوء؟.. أمين الفتوى يجيب    الصحة: فحص 10.5 مليون طالب في المدارس الابتدائية ضمن مبادرة الرئيس للكشف المبكر عن الأنيميا والسمنة والتقزم    وزير الاتصالات يبحث مع شركة هونر العالمية خططها المستقبلية لتصنيع الهواتف الذكية في مصر    هالاند: مواجهة أرسنال نهائي مبكر لحسم الدوري الإنجليزي    «الصحة» تختتم دورة تدريبية لرفع الجاهزية والاستعداد لمجابهة الأزمات والكوارث    من الزوارق إلى السماء.. لماذا تراهن أمريكا على الطائرات لفرض حصارها على إيران؟    إقالة هيرفي رينارد من تدريب منتخب السعودية    خطيب الجامع الأزهر: لا لتلفيق الصور المفبركة ومقاطع الفيديو الإباحية    ترامب: الحصار البحري على إيران مستمر بعد إعلان فتح مضيق هرمز    سر امتلاك الموسيقار محمد عبد الوهاب شهادتي وفاة    قافلة "الرحمة والتفاؤل" تجوب مساجد الشرقية    جامعة المنوفية يفتتح المؤتمر الدولي لمعهد الكبد القومي    قوافل طب سوهاج توقع الكشف الطبي علي 858 مواطنا بقريه الصوامعة شرق    وزير الشباب والرياضة وسفير الإمارات يشاركان في ماراثون خيري بالقاهرة    جوارديولا: جاهزون لمواجهة أرسنال ولدينا فرصة حقيقية للتتويج بالدوري    أحمد الشرع: اعتراف ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان السورية باطل    عمرو دياب وحماقي وتامر حسني يشعلون حفل زفاف ابنة «السعدي»    رسائل طمأنة.. عالم بالأوقاف يوضح طريق العودة إلى الله دون يأس أو قنوط    دار الأوبرا على صفيح الانتظار ووزارة الثقافة تحسم الاختيار خلال أسابيع    لا تيأسوا من رحمة الله    وزير التعليم العالي يبحث سبل تعزيز التعاون مع سفير مملكة إسبانيا    في ذكرى تحرير سيناء، "بيت العائلة" و"الملهمات" في ندوة بقصر الأمير طاز    مصرع شخص وإصابة آخر في إنقلاب سيارة بترعة الحاجر بالبحيرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المسيرى.. والذئاب الثلاثة
نشر في الأهرام العربي يوم 31 - 01 - 2012

ريشة الفنان: أنس الديب - تريد أن تعرف، أين كانت »المأساة«.. أحيلك لواقعتين، واقعة الاعتداء على عبد الرازق السنهورى باشا عام 1954، بسبب خلافه مع الزعيم جمال عبد الناصر,حول قانون مجلس الدولة, يومها ضرب المفكر القانونى الكبير بالحذاء، وقال سعد زايد قائد الاعتداء والذى أصبح فيما بعد محافظا للقاهرة: «القانون هو ما يقوله الرئيس».. والثانية يوم تم الاعتداء الوحشى على المفكر الكبير المؤسس لأحد روافد الوعى المصرى بل الإنسانى الحديث الراحل الكبير عبد الوهاب المسيرى، يومها خرج يتظاهر مع شباب »كفاية« احتفالا بذكرى 18 و19 يناير, فضربوه وسحلوه واعتقلوه ورموه مع زوجته فى الصحراء, كان مريضا بالسرطان فلا رحموا مرضه ولا سنه ولا قيمته.. ولكنه هزمهم..
هزم كل أنواع الديكتاتورية، بهذ العقل الجبار الذى تلبس صورة المفكر الحقيقى، الذى ينحاز إلى الوطن لا إلى الحاكم، إلى الشعب لا إلى السلطة، ومن أجل ذلك قال يوما «ليس مثقفا من لا ينزل إلى الشارع».. وإذا كانت علاقة المثقف بالسلطة ملتبسة, تجعل فى أغلب أمثلتها، المثقف خاضعا لرغبات السلطة وأهوائها، فإن علاقة المثقف بالشارع أكثر التباسا, وتنتج فى أغلب أمثلتها صورا رديئة لتعالى المثقف السمج على شارعه وأبناء أمته، وهو تعالى يبرر له فيما يبدو خضوعه للسلطة، وفى تلك الحكاية الشهيرة عن أحمد لطفى السيد مثل على ذلك.. قال أعداؤه للفلاحين إن «الديمقراطية تعنى الكفر وإباحة تبادل الزوجات».. فذهب الفلاحون إليه وسألوه: هل أنت ديمقراطى؟ فقال: نعم.. فلم يعطوه أصواتهم فى الانتخابات... وعند هذا الحد تنتهى القصة.. ويذكرها المثقفون والمستنيرون وهم يمصمصون شفاهم ساخرين من جهل الشعب ومكر الغوغاء... الحقيقة أن هذه القصة دليل إدانة على ما يمثله أحمد لطفى السيد.. فحتى هذه اللحظة لم ينزل الليبراليون والعلمانيون والمستنيرون إلى الشارع وإلى الناس ليقولوا لهم حقيقة الديمقراطية وإنها ليست كفرا.. فحتى هذه اللحظة لم يمارس المثقفون والمستنيرون أو من أدعوا لنفسهم هذه الصفة - إلى الشارع ويقولون لأبناء شعبهم ما الحقيقة؟
فتركوا الشارع للحاكم وحزيه وللسلطة ومعبريها ولك فى الانتخابات الأخيرة عبرة.. فلم ينجح إلا من نزل للناس.. غير أن المفكر الكبيرة عبد الوهاب المسيرى فى علاقته بالسلطة وفى علاقته بالشارع والأهم وفى علاقته بنفسه كان استثناء خالصا، يؤكد الدور الحقيقى للمفكر، وإن كان فى وجه آخر يؤكد قاعدة تهافت المثقفين. عبد الوهاب المسيري المولود فى 8 أكتوبر 1938، والمتوفى فى 3 يوليو 2008، قاد وعينا بأعماله التى كان من أهمها «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية « والتى ستظل القاعدة المعرفية فى حرب الوعى بيننا وبين المشروع الصهيونى، الذى يعتبر المسيرى فردا، أخطر أعدائه، لسبب واحد هو استناده للوعى وكشفه لحقائق التاريخ... ثم هو أحد كبار مؤسسى حركة »كفاية« ومنسقها العام، التى كانت أكبر صرخة منظمة ضد مبارك ونظامه، والتى خرجت منها ثورة يناير الشريفة, ولا أستطيع أن أعدد مواقف الرجل الفعلية والواقعية التى ترمز لتجرده وتحرره من ربقة السلطة، وإلى الدور الحقيقى لمثقف مستنير لم يتعال على أبناء أمته، لا أستطيع أن أعدد- لأننى أبحث عن كيفية وصوله لهذه الصورة الرائعة لاتساق المثقف مع نفسه؟ تكمن الإجابة فى علاقته بنفسه بالطبع، وهو ما فصله فى مقال رائع بعنوان «الذئاب الثلاثة» أتمنى أن يأتى اليوم الذى أراه مقررا فى المناهج التعليمية وفيه يقول: حينما عدت إلى مصر من الولايات المتحدة عام 1969، بعد حصولي على الدكتوراه، كنت ممتلئاً ثقة بمقدرة الإنسان على تغيير واقعه وإقامة العدل في الأرض.. فقد هاجمتني ثلاثة ذئاب شرسة (هكذا أسميها) ظلت تنهشني بعض الوقت: ذئب الثروة وذئب الشهرة والذئب الهيجلي المعلوماتي. أما الذئب الأول فهو ذئب براني تماماً، وهو ذئب الثروة الذي يعبَّر عن نفسه في الرغبة العارمة في أن أكون ثرياً. فقد أتيت من عائلة تجارية، مصدر الشرعية فيها هو الثروة، ومن هنا إن لم يحققها المرء، انتابته المخاوف واهتزت ثقته بنفسه.
ولكن كان من السهل علي أن أتغلب على هذا الذئب، وأن أقرر أن مشروعي لمستقبلي ربما لا يأتي بالثروة ولكنه سيأتي بالحكمة، وأن أسلوب حياتي بما فيه من آفاق ثقافية واسعة وعلاقات إنسانية دافئة أفضل بكثير من حياة التراكم الرأسمالي بما فيها من أحادية وتنافس (ولعل هذا جزء من ميراث أمي ومجتمع دمنهور التراحمي). وقد نجحت إلى حدٍ كبير في توظيف المال بدلاً من أن يوظفني. ولم أترفع قط عن القيام بأي عمل، ولم أمانع على سبيل المثال في أن أعمل عضواً في فرقة مكافحة الحريق بمصنع الكابلات في نيو برونزويك. وقد هزمت ذئب الثروة تماماً إلى درجة أن حمل الإحساس بالذنب من الثروة قد أمسك بتلابيبي بعض الوقت. فبرغم حدودي المالية، فإنني أشعر بالذنب من أجل أصدقائي الذين دخلوا طاحونة المحاضرات الإضافية لتحسين دخلهم. وكان الإحساس بالذنب قوياً إلى درجة أنني لم أتمكن من أن أخط حرفاً واحداً لمدة عام تقريباً. ولم يشفني من هذا الحمل س ثروة، ومع هذا يتكالبون على المال بشكل مقزز ولا يخطون حرفاً. حينئذ اكتشفت أن التأليف والثروة أمران منفصلان، وأن الثروة قد تكون عنصراً مهماً ولكنه لا يؤدي بالضرورة إلى التأليف.
أما الذئب الثاني، فهو أقل بَرَّانية ومادية، وهو ذئب الشهرة الذي يعبِّر عن نفسه في الرغبة العارمة في أن أصبح من المشاهير... وقد استيقظ وبكل ضراوة عام 1979، حينما عدت للمرة الثانية من الولايات المتحدة الأمريكية. وكان جو التطبيع سائداً في القاهرة، وبطبيعة الحال لم أسترد مكاني في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في الأهرام (وكما قال لي مدير المركز آنذاك إن عودتي له تعني القيام بالهارا كيري أي الانتحار على الطريقة اليابانية فكان ردي عليه أن الحياة حسب الشروط المهينة التي قد يضعها الآخرون ليست أمراً عظيماً على أية حال، وقد يكون الانتحار هو أحسن اختيار.
والانتحار في هذه الحالة ليس انتحاراً وإنما استشهاد في سبيل رسالة). وبطبيعة الحال لم أُدع للحديث في الإذاعة والتليفزيون، وبدأ بعض المذيعين، ممن كنت ضيفاً دائماً على برامجهم، يخافون حتى من الحديث معي. بل إنني كنت أجد صعوبة بالغة في دخول مبنى الأهرام، وكان عليّ الاتصال بمساعدتي السابقة للتوسط لي. باختصار شديد وجدت نفسي نكرة، ومن ثم بدأ جوع ذئب الشهرة ونهمه يتزايدان.... وويل للمرء الذي يربح كل شيء ويخسر نفسه. حينئذ أخبرت ذئب الشهرة داخلي أنني لا أمانع في الشهرة حسب شروطي، تماماً كما أنني أحب الثروة بمقدار ما تخدمني. وهكذا صرعت ذئب الشهرة داخلي، وقبلت أن أعيش بعيداً عن الأضواء، خصوصاً حين بدأت في كتابة الموسوعة بما كانت تتطلبه من عزلة شبه كاملة أحياناً. بقي بعد ذلك أهم الذئاب وأكثرها خطورة وضراوة وجوانية، وهو الذئب الهيجلي المعلوماتي، وهو ذئب خاص جداً، جواني لأقصى درجة، يعبِر عن نفسه في الرغبة العارمة في أن أكتب كتاباً نظرياً، إطاره النظري واسع وشامل للغاية ولكنه في الوقت نفسه يتعامل مع أكبر قدر ممكن من المعلومات والتفاصيل، إن لم يكن كلها.
أي أنني كنت أعمل في كتابة عمل يصل إلى أعلى مستويات التعميم والتجريد والشمول، وفي الوقت نفسه تصل إلى أقصى درجات التخصيص والدقة. وهذه صيغة مستحيلة لأنه إن اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، استمر الذئب الهيجلي المعلوماتي متربصاً بي. ويظهر ترويض الذئب الهيجلي المعلوماتي في النصيحة التي أسديتها لصديقي كافين رايلي. فقد كان يكتب كتابه الغرب والعالم، والذي استغرق معظم حياته الفكرية، وكان لا يكف عن الإضافة والتعديل ولا يجرؤ على نشره. فأخبرته: كافين، يحين وقت في حياة الإنسان، يكون الكتاب الوحيد الذي يستحق القراءة هو الكتاب الذي يؤلفه. وهي عبارة تهدف إلى أن أبين له أن المعرفة لا حدود لها وأن المعلومات بحر يمكن أن يبتلع المرء، ومن هنا يجب أن يتوقف المرء عند نقطة ما.
وقد كان، إذ توقف كافين ونشر كتابه، وحقق نجاحاً كبيراً وذيوعاً منقطع النظير. وفي هذه الآونة، قرأت قصة قصيرة لكاتب أمريكي اسمه (ألان سيجر) بعنوان عن هذه المدينة وسلامنكا وتدور أحداث القصة حول رهط من الشباب ينشأون في نفس المدينة، ولكن أحدهم كان بوهيميّا، لا يتردد في الانتقال من بلده إلى مدن وموانئ بعيدة (سلامنكا هنا هي رمز هذا العالم البعيد الذي يرتاده صاحبنا). وكان صاحبنا يعود من آونة لأخرى ليقص على رفاقه قصص المغامرات المختلفة التي خاضها.
أما هم فيبقون في مدينتهم ليعلموا أبناءها وليبنوا بيوتاً وجسوراً. وتدعونا القصة للإعجاب بالبطل البوهيمي، ولكن تعاطفنا الحقيقي يتوجه لهؤلاء الذين بقوا وعلموا وبنوا. وقد تعلمت من هذه القصة أن التحليق البانورامي ليس دائماً صفة إيجابية، وأنه يمكن أن يقنع المرء بالقليل وينجزه. ولذا حين عدت من الولايات المتحدة كان عندي ثلاث متتاليات: أن أكون ناقداً أديباً جامعياً وأباً وزوجاً متميزاً، فإن أخفقت فلأكن أستاذاً جامعياً وأباً وزوجاً متميزاً، وغني عن القول إن متتالية حياتي كانت مختلفة عن س س (الجامعة، ولا أدري هل كنت أباً وزوجاً متميزاً أم لا، ولأترك الحكم لأولادي وزوجتي). ولكن المهم أنني روضت الذئب الهيجلي، والنزعة النيتشوية الفاوستية: أن أجوب كل الآفاق وأن أجرى كل التجارب وأن أجاوز كل الحدود، وبدلاً من ذلك، قبلت الحدود الإنسانية واحتمالات الانتصار والانكسار. وبرغم إدراكي لمخاطر الذئب الهيجلي، وبرغم نجاحي في ترويضه (ومن هنا نجحت في نشر بعض الكتب التي لا تحتوي على دراسات شاملة كاملة ضخمة ... إلخ)، فإنه ظل رابضاً داخلي، فكنت كلما انتهيت من إحدى دراساتي عن الصهيونية، أعلن أن هذه آخر دراسة، أملاً في أن أبدأ دراستي النظرية الشاملة والتطبيقية في ذات الوقت.
ومع هذا ظلت الصهيونية (كموضوع للدراسة) تلاحقني، وكلما انتهيت من كتابة دراسة ما عن الصهيونية كنت أجد نفسي مضطراً لكتابة الثانية ثم الثالثة، وهكذا (كنت أشعر أحياناً أن من يدفعني إلى ذلك هو الله سبحانه وتعالى، وأن هذه مشيئته ). وقد قررت عام 1984، أن أذبح الذئب الهيجلي المعلوماتي تماماً، فقبلت الاستمرار في الكتابة في حقل الصهيونية وحسب، أي أنني تخليت عن المشروع النظري التطبيقي الطموح. والطريف أنني حينما فعلت ذلك، تداخلت كل الأطروحات الأيديولوجية والفلسفية (وهي على كلٍّ كانت متداخلة منذ البداية) وتبلورت النماذج التحليلية، وبدأت أحاول الإجابة عن التساؤلات التي تطرح نفسها عليّ من خلال دراساتي في اليهودية واليهود والصهيونية التي تحولت تدريجياً من الموضوع الأساسي للموسوعة إلى مجرد دراسة حالة، أي أنني أتصور أنني كتبت دراسة تتسم بقدر معقول من التجريد والشمول ومن التعيُّن والتخصيص، وأن الحلم الهيجلي (أو بعض جوانبه) قد تحقق دون أن ينهشني الذئب. ويستمر هذا المقال الرائع فى شرح كيفية الوصول لفكرة رائعة تعبر عن اتساق الإنسان مع نفسه، وهى فكرة لا يمكن الوصول إليها إلا بعد جهد جهيد استغرق حياة المفكر الكبير الذى افتتح موسوعته الشهيرة هكذا: كان يوماً عابقاً برائحة التاريخ والأزلية.
حلمت أنني أسير في حقول المشمش، رائحته الطيبة تمسني مساً، ونواراته البيضاء تحوم من حولي كفراشات نورانية. وحينما استيقظت كان الفرح يسري في كياني. وفي الصباح أخبرني صديقي أننا سنذهب إلى عزاء شهيد فلسطيني: حصده الرصاص وهو يحاول أن يعبر السلك الشائك ليعود للأرض. كان منزل الشهيد على قمة تل من تلال عمان، والطريق المؤدي له محاطاً بأشجار المشمش رأيت نواراته البيضاء وشممت رائحته. وحينما دخلت المنزل لم أسمع بكاءً ولم أر علامة من علامات الحزن، بل وجدتهم يوزعون الحلوى ويتقبلون التهاني ويقولون: إن شاء الله في البلاد.
وكان الجميع يتحدث عن الفداء والتضحية. جاء مجلسي إلى جوار عجوز من أتباع الشيخ عز الدين القسام (رحمه الله) قال: كنا نعلم تمام العلم أن أسلحتنا العثمانية عتيقة، وأننا كلما اشتبكنا مع الصهاينة والإنجليز فإنهم يحصدوننا حصداً برصاصهم، كما فعلوا مع ابننا الشهيد. ومع هذا كنا ننزل كل ليلة من قرانا كي ننازلهمس. : زس قديم من جبال فلسطين وقال: حتى لا ننسى الأرض والبلاد.. حتى لا ينسى أحد الوطن. وفي المساء زرت أبا سعيد، خالد الحسن، كان في مرضه الأخير ولكنه كعادته كان متماسكاً لا يتحدث إلا عن الصمود، وعن الوطن السليب، وعن العودة إلى الأرض، إلى البلاد. وكانت معي أولى نسخ هذه الموسوعة فأعطيتها له، فأمسك أحد المجلدات وابتسم. حين خرجت من المستشفى تساءلت: هل تموت الفروسية بموت الفارس؟ هل تموت البطولة باستشهاد البطل؟ وهل يختفي الصمود إن رحل بعض الصامدين؟ ثم تذكرت كلمات العجوز في فرح الشهيد. حينئذ عرفت الإجابة، فسرى الفرح في كياني.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.